الأندلسي: نتمنى الحصول على تقييم موثوق للسياسات العمومية إذا اختارت بلادنا تعرية واقعنا بعيون مهنية تضع الوطن في عيونها

الأندلسي: نتمنى الحصول على تقييم موثوق للسياسات العمومية إذا اختارت بلادنا تعرية واقعنا بعيون مهنية تضع الوطن في عيونها إدريس الأندلسي

تراوح‭ ‬عدد‭ ‬السياسات‭ ‬العمومية‭ ‬وتلك‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬تخصيصها‭ ‬لقطاعات‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬منذ‭ ‬سنة‭ ‬2000‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬40‭ ‬و70 سياسة‭ ‬أو‭ ‬تصوراً‭ ‬أو‭ ‬برنامجاً‭ ‬قطاعياً‭. ‬وقد‭ ‬ركزت‭ ‬هذه‭ ‬السياسات‭ ‬على‭ ‬أهداف‭ ‬كبيرة‭ ‬ومتنوعة‭ ‬شملت‭ ‬قطاعات‭ ‬همت‭ ‬قطاع‭ ‬الفلاحة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬برنامج‭ ‬كبير‭ ‬سمي‭ ‬بالمغرب‭ ‬الأخضر‭. ‬وشملت‭ ‬أيضاً‭ ‬قطاع‭ ‬الصناعة‭ ‬مع‭ ‬إطلاق‭ ‬برنامج‭ ‬الإقلاع‭ ‬والتسريع‭ ‬الصناعي،‭ ‬وهيكلة‭ ‬سياسة‭ ‬الاستثمار‭ ‬عبر‭ ‬استراتيجية‭ ‬وطنية‭ ‬لم‭ ‬تعترضها‭ ‬أي‭ ‬سلوكات‭ ‬تحد‭ ‬من‭ ‬كرم‭ ‬الدولة‭ ‬عبر‭ ‬التحفيزات‭ ‬الضريبية‭ ‬والسخاء‭ ‬العقاري‭.‬


فطن‭ ‬الراحل‭ ‬عبد‭ ‬الرحمن‭ ‬اليوسفي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المغربي‭ ‬تلزمه‭ ‬سياسات‭ ‬تخضع‭ ‬لحكامة‭ ‬موضوعية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬المجالات‭ ‬والقطاعات‭. ‬وفطن،‭ ‬قبل‭ ‬وصوله‭ ‬إلى‭ ‬رئاسة‭ ‬الحكومة،‭ ‬أصحاب‭ ‬المصالح‭ ‬«الطبقية‭ ‬والمنتمية‭ ‬لقطاع‭ ‬الريع»‭ ‬إلى‭ ‬خطورة‭ ‬وضع‭ ‬الخرائط‭ ‬الموجهة‭ ‬للسياسات‭ ‬العمومية‭. ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬البدء‭ ‬بالميزانيات‭ ‬التي‭ ‬خصصت‭ ‬لها‭ ‬وطرق‭ ‬صرفها‭. ‬ولن‭ ‬يتفاعل‭ ‬أي‭ ‬غافل‭ ‬عن‭ ‬كمية‭ ‬المصالح‭ ‬التي‭ ‬ترتبط‭ ‬بتنزيل‭ ‬السياسات‭ ‬العمومية‭ ‬والقطاعية‭.‬


يلزم‭ ‬التوضيح‭ ‬بأن‭ ‬هذه‭ ‬السياسات‭ ‬تكلف‭ ‬ميزانية‭ ‬الدولة‭ ‬ملايير‭ ‬تفوق‭ ‬بكثير‭ ‬ما‭ ‬تستفيد‭ ‬منه‭ ‬قطاعات‭ ‬اجتماعية‭ ‬مهمة‭. ‬وقد‭ ‬كلفت‭ ‬ميزانية‭ ‬السياسات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالتربية‭ ‬والتعليم‭ ‬خلال‭ ‬العشرية‭ ‬الأخيرة‭ ‬حوالي‭ ‬750‭ ‬مليار‭ ‬درهم‭. ‬وكلفت‭ ‬سياسة‭ ‬الصحة‭ ‬والحماية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬400‭ ‬مليار‭ ‬درهم‭. ‬وقد‭ ‬تجاوزت‭ ‬تكلفة‭ ‬مشاريع‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬التي‭ ‬شملت‭ ‬الطرق‭ ‬والسكك‭ ‬الحديدية‭ ‬والموانئ‭ ‬ما‭ ‬قدره‭ ‬1500‭ ‬مليار‭ ‬درهم‭. ‬وقد‭ ‬كلفتنا‭ ‬تلك‭ ‬السياسة‭ ‬الفلاحية،‭ ‬التي‭ ‬ترتبط‭ ‬كثيراً‭ ‬بتوازنات‭ ‬اجتماعية‭ ‬وإنتاجية‭ ‬وتؤثر‭ ‬على‭ ‬الميزان‭ ‬التجاري‭ ‬والاجتماعي،‭ ‬حوالي‭ ‬200‭ ‬مليار‭ ‬درهم‭.‬


انفتحنا‭ ‬على‭ ‬قدراتنا‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬تقييم‭ ‬آثار‭ ‬هذه‭ ‬السياسات،‭ ‬لكننا‭ ‬سنظل‭ ‬في‭ ‬محطة‭ ‬انتظار‭. ‬وقد‭ ‬غابت‭ ‬التقارير‭ ‬ذات‭ ‬القدرات‭ ‬التقييمية‭ ‬رغم‭ ‬وجود‭ ‬بنيات‭ ‬للدراسات‭ ‬والتقييم‭ ‬داخل‭ ‬كل‭ ‬الوزارات‭. ‬وقد‭ ‬أكدت‭ ‬المندوبية‭ ‬السامية‭ ‬للتخطيط‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬المشكلة‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬السياسات،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬آثارها‭ ‬الاجتماعية‭.‬


وأكدت‭ ‬هذه‭ ‬المندوبية‭ ‬السامية‭ ‬وجوداً‭ ‬مستمراً‭ ‬للفوارق‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وعلى‭ ‬حقيقة‭ ‬تجذر‭ ‬الفوارق‭ ‬المجالية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬من‭ ‬تأكيد‭ ‬ضعف‭ ‬تأثير‭ ‬السياسات‭ ‬الترابية‭ ‬على‭ ‬ردم‭ ‬الهوة‭ ‬بين‭ ‬المجالات‭ ‬الترابية‭ ‬بالوطن‭. ‬ويظل‭ ‬ربط‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬السياسات‭ ‬بالتنمية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والمجالية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬هو‭ ‬المفتاح‭ ‬لقراءة‭ ‬آثارها‭ ‬على‭ ‬البلاد‭ ‬والعباد‭.‬


أكدت‭ ‬المندوبية‭ ‬السامية‭ ‬للتخطيط‭ ‬أن‭ ‬منظومة‭ ‬التعليم‭ ‬تشكل‭ ‬نسبة‭ ‬47%‭ ‬من‭ ‬أسباب‭ ‬الفقر،‭ ‬وأن‭ ‬نسبة‭ ‬النمو‭ ‬لا‭ ‬تؤثر‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬التشغيل‭ ‬الضعيف،‭ ‬ولا‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الدخل‭ ‬المتوسط‭ ‬للمواطنين‭. ‬ولكل‭ ‬ما‭ ‬سبق‭ ‬يظل‭ ‬مستوى‭ ‬الهشاشة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬مقلقاً‭ ‬ويشكل‭ ‬معضلة‭ ‬تتطلب‭ ‬التزامات‭ ‬سياسية‭ ‬لحله‭ ‬بكل‭ ‬الوسائل‭ ‬المتاحة‭.‬


ويتبين‭ ‬بكل‭ ‬مقاييس‭ ‬الوضوح‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬فرقاً‭ ‬بين‭ ‬تلك‭ ‬الخطابات‭ ‬التي‭ ‬سُوِّقَت‭ ‬لكثير‭ ‬من‭ ‬السياسات‭ ‬العمومية‭ ‬والقطاعية،‭ ‬والتي‭ ‬تفننت‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬الأهداف،‭ ‬وبين‭ ‬واقع‭ ‬تنزيلها‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭. ‬سمعنا‭ ‬أن‭ ‬بلادنا‭ ‬ستدخل‭ ‬إلى‭ ‬منطقة‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الصاعدة،‭ ‬وسعدنا‭ ‬بكل‭ ‬رسالة‭ ‬تبشر‭ ‬بتحول‭ ‬اقتصادي‭ ‬يوصلنا‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬أقوى‭.‬


سنظل‭ ‬نحمل‭ ‬كل‭ ‬الأحلام،‭ ‬وسنظل‭ ‬نؤمن‭ ‬بأن‭ ‬تنزيل‭ ‬السياسات‭ ‬العمومية‭ ‬يتطلب‭ ‬ذلك‭ ‬الإصلاح‭ ‬العميق‭ ‬الذي‭ ‬يقطع‭ ‬مع‭ ‬الريع‭ ‬بكل‭ ‬أشكاله،‭ ‬ويفتح‭ ‬الطريق‭ ‬للمنافسة‭ ‬الشريفة‭ ‬وتنزيل‭ ‬مبدأ‭ ‬ربط‭ ‬المسؤولية‭ ‬بالمحاسبة‭. ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نستمر‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬يضعف‭ ‬مؤسسات‭ ‬الرقابة‭ ‬كالمفتشية‭ ‬العامة‭ ‬للمالية،‭ ‬التي‭ ‬تجاوز‭ ‬عمرها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬65‭ ‬سنة،‭ ‬والمجلس‭ ‬الأعلى‭ ‬للحسابات‭. ‬وستبقى‭ ‬المفتشيات‭ ‬العامة‭ ‬للوزارات‭ ‬مجرد‭ ‬تأثيث‭ ‬مؤسساتي‭ ‬لن‭ ‬يقوى‭ ‬على‭ ‬أداء‭ ‬مهامه‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬خاضعاً‭ ‬للآمرين‭ ‬بالصرف‭.‬


نتمنى‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬تقييم‭ ‬موثوق‭ ‬للسياسات‭ ‬العمومية‭ ‬إذا‭ ‬اختارت‭ ‬بلادنا‭ ‬تعرية‭ ‬واقعنا‭ ‬بعيون‭ ‬مهنية‭ ‬تضع‭ ‬الوطن‭ ‬في‭ ‬عيونها‭.‬

 

إدريس الأندلسي، خبير في الاقتصاد والمالية