مردودية المشاريع الكبرى في المغرب بين الأرقام والأثر الاجتماعي
ليس من شك أن تقييم مردودية المشاريع الكبرى إلى واجهة النقاش العمومي يعتبر مدخلا حاسما لقراءة فعالية السياسات العمومية وقدرتها على ملامسة الحياة اليومية للمواطنين، حيث يكتسب هذا الورش بعدا يتجاوز الحسابات المالية ولغة الأرقام (التي دأبت على إشهارها الحكومة في وجه كل صوت معارض، وفي وجه كل تقرير يتصل بالصحة والتعليم والنقل والأسعار) إلى أفق العقد الاجتماعي الذي يجعل من تحويل الإنجاز التقني للمشاريع المهيكلة إلى أثر اجتماعي ملموس معيارا مركزيا للحكم على جدوى الاختيارات التنموية، وإلا فما جدوى تلك المشاريع إن لم يكن لها أثر مباشر على الحياة؟
لقد عرف المغرب خلال العقود الأخيرة دينامية تنموية لافتة، تجسدت في إطلاق مشاريع كبرى شملت البنيات التحتية والنقل والطاقة والعمران والسياحة والقطاع الصناعي والفلاحة والطاقة الشمسية والريحية والبنيات الرقمية؛ وهي المشاريع التي حملت وعودا بتحديث الاقتصاد وتعزيز الجاذبية الاستثمارية ورفع مؤشرات النمو. غير أن القراءة النقدية المتأنية لـ "الأثر الاجتماعي" تكشف مسارا مغايرا على مستوى التجربة المعيشية للمواطن، حيث تتكثف الإحساسات بالفوارق الاجتماعية، وتتسع مساحات الهشاشة، ليظل الأثر المباشر على الحياة اليومية محدودا في الوعي الجمعي، مما يفتح أفقا للتفكير في طبيعة النموذج التنموي، وفي جدوى اختياراته، وفي موقع الإنسان المغربي داخله.
إن الاكتفاء بإشهار لغة الأرقام وإهمال لغة الأثر يضعنا أمام سؤال مركزي: لماذا عجزت مشاريعنا الكبرى من مطارات وموانئ وطرق سيارة وقطارات وملاعب ومحطات لإنتاج الطاقة.. إلخ، بوصفها وسائط لإنتاج القيمة، عن توسيع فرص الشغل وتحسين شروط العيش، ضمن رؤية ترابية تستحضر الضواحي والمجالات القروية باعتبارها فضاءات تستحق نصيبها الكامل من الدينامية التنموية؟
إن التشخيص المتأني لخصائص تلك المشاريع، رغم أهميتها الكبيرة، يكشف عن اختلالات بنيوية تحد من قابليتها لإنتاج قيمة مضافة ممتدة داخل النسيج الاقتصادي والاجتماعي، وهو ما يؤثر في الثقة ويضعف منسوب الانتظارات. ويمكن إجمال تلك الاختلالات في المؤشرات التالية:
أولا: تنبني المشاريع الكبرى على تصور تقني يستند إلى مؤشرات كلية، من قبيل الناتج الداخلي الخام، وجاذبية الاستثمار، ومعدلات التصدير، والهواجس الماكرو اقتصادية، مما يمنح الأولوية للأرقام والمؤشرات، ويضع الإنسان في مرتبة لاحقة داخل الحسابات العامة. ويتجلى ذلك في تشييد موانئ ضخمة، وطرق سيارة، وخطوط القطار فائق السرعة، ومناطق صناعية متقدمة، حيث يتحقق تحول بنيوي في شكل الاقتصاد، غير أن العلاقة المباشرة مع تفاصيل الحياة اليومية للمواطن تظل ضعيفة، مما يعمق الثغرة بين ما يتحقق في مستوى البنية، وما يعيشه الفرد في تفاصيل يومه.
ثانيا: يحضر النمو الاقتصادي بوصفه غاية مركزية، في حين يحظى توزيع الثروة باهتمام محدود. إذ يتحقق تراكم اقتصادي في قطاعات معينة، وتستفيد منه فئات محدودة تمتلك القدرة على الولوج إلى هذه المجالات، سواء عبر رأس المال أو عبر التأهيل العالي. بينما تبقى، في المقابل، فئات واسعة خارج دائرة الاستفادة، خاصة في العالم القروي والأحياء الهامشية، مما يفضي إلى تراكم الثروة في مراكز حضرية محددة، بينما تتسع دوائر الفقر والهشاشة في مناطق أخرى.
ثالثا: تحمل المشاريع الكبرى بعدا رمزيا قويا، حيث تقدم صورة بلد حديث، متصل بالعالم، قادر على استقطاب الاستثمارات. غير أن هذا البعد الرمزي يطغى أحيانا على الوظيفة الاجتماعية للمشاريع. فعلى سبيل المثال يصبح «الأوطوروت» فضاء للعبور السريع دون تأثير فعلي على حياة القرى والمراكز الحضرية المجاورة، كما يصبح قطار «التي جي في» وسيلة نخبوية تستفيد منها فئات محددة، فنصبح بذلك أمام حداثة مرئية، مقابل هشاشة معيشة في العمق.
رابعا: يرتبط أي مشروع تنموي بقدرته على خلق فرص الشغل. غير أن طبيعة المشاريع الكبرى، خاصة في مجالات الصناعة المتقدمة والطاقة، تعتمد على رأسمال كثيف وتقنيات عالية، مما يقلص الحاجة إلى يد عاملة واسعة، الأمر الذي يؤدي إلى نمو اقتصادي دون إدماج حقيقي لفئات واسعة من الشباب، خاصة حاملي الشهادات المتوسطة أو غير المؤهلين.
خامسا: تتركز المشاريع الكبرى في محاور حضرية معينة، خاصة على الساحل وفي المدن الكبرى «الدار البيضاء، طنجة، مراكش، الرباط، فاس»، حيث تتوفر البنية الأساسية وشروط الاستثمار، مما يؤدي إلى تمركز يعزز الفوارق المجالية، ويجعل مناطق واسعة خارج دينامية النمو، ليتكرس بذلك انقسام جغرافي يعكس بشكل واضح انقساما اجتماعيا.
سادسا: رغم تواتر تلك المشاريع الاقتصادية الكبرى، ورغم النزوع التبشيري بآثارها الاجتماعية، ما زال الضغط اليومي - الذي يعيشه المواطن العاجز عن تلبية حاجاته الأساسية بسهولة - يطغى على أي مكسب رمزي لها، مما يجعل هذا المواطن منشغلا بتدبير حياته اليومية بدل الإحساس بأي تحسن اقتصادي عام.
سابعا: غياب الارتباط العضوي بين القطاعات الحيوية التي لها علاقة مباشرة بالمواطن «الصحة والتعليم» وبين المشاريع الكبرى التي تسير في مسار منفصل عن إصلاح عميق لهذين القطاعين. فالتعليم ما زال مستمرا في إنتاج الفوارق، حيث يستفيد أبناء الطبقات الميسورة من تعليم جيد، بينما تواجه فئات أخرى صعوبات في التحصيل. بينما تظل الخدمات العمومية في قطاع الصحة تحت ضغط كبير، مما يدفع المواطنين نحو القطاع الخاص بتكاليف مرتفعة. هذا الواقع يجعل المشاريع الكبرى تبدو بعيدة عن أولويات المواطن اليومية.
ثامنا: في ظل المشاريع الكبرى، ما زال الاقتصاد غير المهيكل يشكل ملاذا لفئات واسعة، مما يدل على غياب إدماج فعلي لهذه الفئات في الدورة الاقتصادية الحديثة، حيث يغيب الاستقرار والحماية الاجتماعية، مما يدل على أن مظاهر الحداثة الاقتصادية التي يترجمها الانخراط في المشاريع المهيكلة لم تستطع إلغاء أنماط العيش التقليدية والهشة التي يعكسها القطاع غير المهيكل، مما يفضح مفارقة التفاوت الذي يثقل كاهل فئات واسعة من المواطنين.
تاسعا: تؤدي الفجوة بين «المشروع الضخم» و«الأثر الاجتماعي» إلى نوع من التوتر الرمزي، حيث يشعر المواطن بأن ما يعيشه حقيقة لا ينسجم مع الخطاب الرسمي الذي يحمل نبرة تفاؤلية حول إنجازات التنمية (الأرقام هي التي تتحدث، بينما الواقع أبكم)، مما يشكل وعيا نقديا لدى فئات واسعة، يعيد طرح أسئلة حول جدوى الاختيارات التنموية؟ وموقع الإنسان داخل هذه المشاريع؟
عاشرا: تحتاج المشاريع الكبرى، في المحصلة النهائية، إلى جعل الإنسان محور السياسات العمومية. وهذا يتطلب بطبيعة الحال ربط المشاريع الكبرى بسياسات اجتماعية قوية، تركز على التعليم والصحة والتشغيل، وتعتمد على توزيع عادل للثروة، وتحقق توازنا مجاليا وضبط السرعات التنموية لتصبح سرعة واحدة يستفيد منها جميع المواطنين في كل عمالات وجهات وأقاليم المغرب، مما يستدعي إشراك المواطنين في صياغة السياسات، بما يعزز الإحساس بالانتماء ويقوي الثقة في المؤسسات.
لقد تشكلت بالفعل في المغرب خريطة استثمارية واسعة، مما يولد الانطباع بولادة اقتصاد حديث قادر على إنتاج الثروة وتحقيق الرفاه، غير أن الواقع يكشف مسارا أكثر تعقيدا، إذ أصبح الرهان الحالي يتجلى، قبل كل شيء، في تحقيق التقائية حقيقية بين الاستثمارات الكبرى والسياسات القطاعية في التعليم والصحة والتشغيل والتجهيز، بما يمنح للعنصر البشري موقعا محوريا داخل المعادلة التنموية، ويحول المشاريع من مجرد منشآت إلى محركات للاندماج الاقتصادي والاجتماعي، من خلال العمل على:
أ- إعادة توزيع الفرص على المستوى المجالي، عبر ضخ نفس جديد في المجالات الجبلية والواحية والحدودية، وتعزيز أدوار الأقطاب الاقتصادية الناشئة في الشمال والوسط والساحل الجنوبي والجنوب الشرقي، مع ربطها بسلاسل قيمة محلية قادرة على ضمان استدامة الدخل وتوطين الشغل.
ب- إنهاء استمرار تركيز إنتاج الثروة في عدد محدود من الجهات، وهو ما يستدعي سياسات عمومية قائمة على التمييز الإيجابي، قادرة على تقليص الفوارق المجالية وتعزيز الكرامة في مختلف الأقاليم.
ج: أنسنة الاستثمار، عبر اعتماد مؤشرات الرفاه الاجتماعي ومعدلات إحداث فرص الشغل كمعايير مركزية في اتخاذ القرار، إلى جانب تمكين الفاعلين المحليين من الإسهام في توجيه المشاريع، وتفعيل آليات التضامن بين الجهات بفعالية أكبر.
د: تقوية التنسيق والاندماجية، فضلا عن عدم التركيز على الإنجاز التقني للمشاريع، الأمر الذي يتطلب ربط البنية التحتية بأثرها المباشر على معيش المواطنين، وهو ما يفسر حضور مشاريع كبرى إلى جانب استمرار هشاشة اجتماعية في بعض الفضاءات.
هـ: إبطال المسافة التي تفصل بين مستوى التخطيط والتنفيذ، خاصة أن قصور آليات التتبع تفضي إلى بطلان قدرة المشاريع على إحداث الأثر الاجتماعي بالسرعة المنتظرة، في ظل غلبة مقاييس تقنية على حساب المؤشرات الاجتماعية.
و: ضعف الروابط التي تصل الاستثمارات الكبرى بالنسيج المقاولاتي المحلي، مما يؤدي إلى تركيز الثروة لدى فاعلين محدودين، في مقابل حاجة ملحة إلى توسيع قاعدة الاستفادة وربط المشاريع بالمهن المحلية والمقاولات الصغرى والمتوسطة.
ز: استفحال التفاوت في الزمن التنموي، حيث تمتد الفترة الفاصلة بين إنجاز المشروع والإحساس بالأثر الاجتماعي المرتقب، مما يؤثر في الثقة المجتمعية، ويعزز أهمية مرافقة المشاريع الكبرى بمبادرات قريبة من حاجيات المواطنين في مجالات التعليم والصحة والخدمات الأساسية.
ح: تعزيز الربط الفعلي بين الاستثمار العمومي والتشغيل والقدرة الشرائية، عبر اعتماد آليات تضمن توطين الإنتاج وتشغيل اليد العاملة المحلية، بما يحول تدفقات الاستثمار إلى مداخيل مباشرة تدعم الاستهلاك وتنشط الاقتصاد.
ط: تفعيل مقاربات الذكاء الترابي، من خلال ربط المشاريع بمنظومات التكوين، واستباق الحاجيات المهارية، وإحداث مراكز للكفاءات بمحاذاة الأقطاب الاقتصادية، بما ييسر اندماج الشباب في الدورة الإنتاجية ويرفع من القيمة المضافة للعمل.
ك: توسيع صلاحيات الجهات، وتفعيل دور الوكالات الجهوية، وترسيخ الشفافية والديمقراطية التشاركية من خلال إشراك الفاعلين الاجتماعيين في تتبع أثر المشاريع، بما يضمن توجيه القيمة المضافة نحو تحسين جودة الحياة.
ل: مد جسور لوجستيكية واقتصادية تصل المشاريع الكبرى بالمجالات القروية والجبلية، بما يسهم في خفض كلفة الإنتاج والنقل، ويدعم القدرة الشرائية للمواطنين.
م: إرساء آليات مؤسساتية لتتبع أثر الاستثمار على التشغيل والرفاه الاجتماعي، واعتماد تحفيزات موجهة بإحداث فرص الشغل، بما يجعل الاستثمار العمومي أداة للارتقاء الاجتماعي ورافعة لتحقيق العدالة المجالية.
يتضح من كل ذلك أن الرهان الذي تتطلبه المرحلة يكمن، أساسا، في ترسيخ مسار تنموي يجعل من الاستثمار العمومي أداة لإنتاج الأثر الاجتماعي على المواطن، من حيث جودة الخدمات «التعليم والصحة» وفرص الشغل، لا مجرد تراكم للمنشآت، حيث تلتقي النجاعة الاقتصادية مع العدالة الاجتماعية داخل رؤية قادرة على تحويل النمو إلى تجربة معيشة يومية، وذلك عبر تعميق الاندماجية، وتوجيه المشاريع نحو توسيع فرص الشغل، لتتحقق بذلك معادلة متوازنة تجعل من كل مشروع مدخلا لتكافؤ الفرص، في أفق يترجم الطموح الاقتصادي إلى واقع اجتماعي نابض بالحياة.
تفاصيل أوفي تجدونها في العدد الجديد من أسبوعية "الوطن الآن"
رابط العدد هنا
https://anfaspress.com/alwatan/pdf-view/433-2026-04-07-06-43-08