المشاريع الكبرى بالمغرب: النمو فـي الأرقام.. والانتظار فـي الواقع

المشاريع الكبرى بالمغرب: النمو فـي الأرقام.. والانتظار فـي الواقع مردودية المشاريع الكبرى في المغرب بين الأرقام والأثر الاجتماعي

ليس‭ ‬من‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬تقييم‭ ‬مردودية‭ ‬المشاريع‭ ‬الكبرى‭ ‬إلى‭ ‬واجهة‭ ‬النقاش‭ ‬العمومي‭ ‬يعتبر‭ ‬مدخلا‭ ‬حاسما‭ ‬لقراءة‭ ‬فعالية‭ ‬السياسات‭ ‬العمومية‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬ملامسة‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬للمواطنين،‭ ‬حيث‭ ‬يكتسب‭ ‬هذا‭ ‬الورش‭ ‬بعدا‭ ‬يتجاوز‭ ‬الحسابات‭ ‬المالية‭ ‬ولغة‭ ‬الأرقام‭ ‬(التي‭ ‬دأبت‭ ‬على‭ ‬إشهارها‭ ‬الحكومة‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬كل‭ ‬صوت‭ ‬معارض،‭ ‬وفي‭ ‬وجه‭ ‬كل‭ ‬تقرير‭ ‬يتصل‭ ‬بالصحة‭ ‬والتعليم‭ ‬والنقل‭ ‬والأسعار)‭ ‬إلى‭ ‬أفق‭ ‬العقد‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬تحويل‭ ‬الإنجاز‭ ‬التقني‭ ‬للمشاريع‭ ‬المهيكلة‭ ‬إلى‭ ‬أثر‭ ‬اجتماعي‭ ‬ملموس‭ ‬معيارا‭ ‬مركزيا‭ ‬للحكم‭ ‬على‭ ‬جدوى‭ ‬الاختيارات‭ ‬التنموية،‭ ‬وإلا‭ ‬فما‭ ‬جدوى‭ ‬تلك‭ ‬المشاريع‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لها‭ ‬أثر‭ ‬مباشر‭ ‬على‭ ‬الحياة؟‭ ‬


لقد‭ ‬عرف‭ ‬المغرب‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة‭ ‬دينامية‭ ‬تنموية‭ ‬لافتة،‭ ‬تجسدت‭ ‬في‭ ‬إطلاق‭ ‬مشاريع‭ ‬كبرى‭ ‬شملت‭ ‬البنيات‭ ‬التحتية‭ ‬والنقل‭ ‬والطاقة‭ ‬والعمران‭ ‬والسياحة‭ ‬والقطاع‭ ‬الصناعي‭ ‬والفلاحة‭ ‬والطاقة‭ ‬الشمسية‭ ‬والريحية‭ ‬والبنيات‭ ‬الرقمية؛‭ ‬وهي‭ ‬المشاريع‭ ‬التي‭ ‬حملت‭ ‬وعودا‭ ‬بتحديث‭ ‬الاقتصاد‭ ‬وتعزيز‭ ‬الجاذبية‭ ‬الاستثمارية‭ ‬ورفع‭ ‬مؤشرات‭ ‬النمو‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬القراءة‭ ‬النقدية‭ ‬المتأنية‭ ‬لـ‭ ‬"الأثر‭ ‬الاجتماعي"‭ ‬تكشف‭ ‬مسارا‭ ‬مغايرا‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬التجربة‭ ‬المعيشية‭ ‬للمواطن،‭ ‬حيث‭ ‬تتكثف‭ ‬الإحساسات‭ ‬بالفوارق‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وتتسع‭ ‬مساحات‭ ‬الهشاشة،‭ ‬ليظل‭ ‬الأثر‭ ‬المباشر‭ ‬على‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬محدودا‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬الجمعي،‭ ‬مما‭ ‬يفتح‭ ‬أفقا‭ ‬للتفكير‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬النموذج‭ ‬التنموي،‭ ‬وفي‭ ‬جدوى‭ ‬اختياراته،‭ ‬وفي‭ ‬موقع‭ ‬الإنسان‭ ‬المغربي‭ ‬داخله‭.‬


إن‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بإشهار‭ ‬لغة‭ ‬الأرقام‭ ‬وإهمال‭ ‬لغة‭ ‬الأثر‭ ‬يضعنا‭ ‬أمام‭ ‬سؤال‭ ‬مركزي:‭ ‬لماذا‭ ‬عجزت‭ ‬مشاريعنا‭ ‬الكبرى‭ ‬من‭ ‬مطارات‭ ‬وموانئ‭ ‬وطرق‭ ‬سيارة‭ ‬وقطارات‭ ‬وملاعب‭ ‬ومحطات‭ ‬لإنتاج‭ ‬الطاقة‭.. ‬إلخ،‭ ‬بوصفها‭ ‬وسائط‭ ‬لإنتاج‭ ‬القيمة،‭ ‬عن‭ ‬توسيع‭ ‬فرص‭ ‬الشغل‭ ‬وتحسين‭ ‬شروط‭ ‬العيش،‭ ‬ضمن‭ ‬رؤية‭ ‬ترابية‭ ‬تستحضر‭ ‬الضواحي‭ ‬والمجالات‭ ‬القروية‭ ‬باعتبارها‭ ‬فضاءات‭ ‬تستحق‭ ‬نصيبها‭ ‬الكامل‭ ‬من‭ ‬الدينامية‭ ‬التنموية؟


إن‭ ‬التشخيص‭ ‬المتأني‭ ‬لخصائص‭ ‬تلك‭ ‬المشاريع،‭ ‬رغم‭ ‬أهميتها‭ ‬الكبيرة،‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬اختلالات‭ ‬بنيوية‭ ‬تحد‭ ‬من‭ ‬قابليتها‭ ‬لإنتاج‭ ‬قيمة‭ ‬مضافة‭ ‬ممتدة‭ ‬داخل‭ ‬النسيج‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يؤثر‭ ‬في‭ ‬الثقة‭ ‬ويضعف‭ ‬منسوب‭ ‬الانتظارات‭. ‬ويمكن‭ ‬إجمال‭ ‬تلك‭ ‬الاختلالات‭ ‬في‭ ‬المؤشرات‭ ‬التالية:
أولا‭:‬‭ ‬تنبني‭ ‬المشاريع‭ ‬الكبرى‭ ‬على‭ ‬تصور‭ ‬تقني‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬مؤشرات‭ ‬كلية،‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬الناتج‭ ‬الداخلي‭ ‬الخام،‭ ‬وجاذبية‭ ‬الاستثمار،‭ ‬ومعدلات‭ ‬التصدير،‭ ‬والهواجس‭ ‬الماكرو‭ ‬اقتصادية،‭ ‬مما‭ ‬يمنح‭ ‬الأولوية‭ ‬للأرقام‭ ‬والمؤشرات،‭ ‬ويضع‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬مرتبة‭ ‬لاحقة‭ ‬داخل‭ ‬الحسابات‭ ‬العامة‭. ‬ويتجلى‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬تشييد‭ ‬موانئ‭ ‬ضخمة،‭ ‬وطرق‭ ‬سيارة،‭ ‬وخطوط‭ ‬القطار‭ ‬فائق‭ ‬السرعة،‭ ‬ومناطق‭ ‬صناعية‭ ‬متقدمة،‭ ‬حيث‭ ‬يتحقق‭ ‬تحول‭ ‬بنيوي‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬العلاقة‭ ‬المباشرة‭ ‬مع‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬للمواطن‭ ‬تظل‭ ‬ضعيفة،‭ ‬مما‭ ‬يعمق‭ ‬الثغرة‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬يتحقق‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬البنية،‭ ‬وما‭ ‬يعيشه‭ ‬الفرد‭ ‬في‭ ‬تفاصيل‭ ‬يومه‭.‬

 

ثانيا‭:‬‭ ‬يحضر‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬بوصفه‭ ‬غاية‭ ‬مركزية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يحظى‭ ‬توزيع‭ ‬الثروة‭ ‬باهتمام‭ ‬محدود‭. ‬إذ‭ ‬يتحقق‭ ‬تراكم‭ ‬اقتصادي‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬معينة،‭ ‬وتستفيد‭ ‬منه‭ ‬فئات‭ ‬محدودة‭ ‬تمتلك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الولوج‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬المجالات،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬التأهيل‭ ‬العالي‭. ‬بينما‭ ‬تبقى،‭ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬فئات‭ ‬واسعة‭ ‬خارج‭ ‬دائرة‭ ‬الاستفادة،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬القروي‭ ‬والأحياء‭ ‬الهامشية،‭ ‬مما‭ ‬يفضي‭ ‬إلى‭ ‬تراكم‭ ‬الثروة‭ ‬في‭ ‬مراكز‭ ‬حضرية‭ ‬محددة،‭ ‬بينما‭ ‬تتسع‭ ‬دوائر‭ ‬الفقر‭ ‬والهشاشة‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬أخرى‭.‬

 

ثالثا‭:‬‭ ‬تحمل‭ ‬المشاريع‭ ‬الكبرى‭ ‬بعدا‭ ‬رمزيا‭ ‬قويا،‭ ‬حيث‭ ‬تقدم‭ ‬صورة‭ ‬بلد‭ ‬حديث،‭ ‬متصل‭ ‬بالعالم،‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬استقطاب‭ ‬الاستثمارات‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬البعد‭ ‬الرمزي‭ ‬يطغى‭ ‬أحيانا‭ ‬على‭ ‬الوظيفة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬للمشاريع‭. ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬يصبح‭ ‬«الأوطوروت»‭ ‬فضاء‭ ‬للعبور‭ ‬السريع‭ ‬دون‭ ‬تأثير‭ ‬فعلي‭ ‬على‭ ‬حياة‭ ‬القرى‭ ‬والمراكز‭ ‬الحضرية‭ ‬المجاورة،‭ ‬كما‭ ‬يصبح‭ ‬قطار‭  ‬«التي‭ ‬جي‭ ‬في»‭ ‬وسيلة‭ ‬نخبوية‭ ‬تستفيد‭ ‬منها‭ ‬فئات‭ ‬محددة،‭ ‬فنصبح‭ ‬بذلك‭ ‬أمام‭ ‬حداثة‭ ‬مرئية،‭ ‬مقابل‭ ‬هشاشة‭ ‬معيشة‭ ‬في‭ ‬العمق‭.‬

 

رابعا‭:‬‭ ‬يرتبط‭ ‬أي‭ ‬مشروع‭ ‬تنموي‭ ‬بقدرته‭ ‬على‭ ‬خلق‭ ‬فرص‭ ‬الشغل‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬طبيعة‭ ‬المشاريع‭ ‬الكبرى،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الصناعة‭ ‬المتقدمة‭ ‬والطاقة،‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬رأسمال‭ ‬كثيف‭ ‬وتقنيات‭ ‬عالية،‭ ‬مما‭ ‬يقلص‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬يد‭ ‬عاملة‭ ‬واسعة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬نمو‭ ‬اقتصادي‭ ‬دون‭ ‬إدماج‭ ‬حقيقي‭ ‬لفئات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الشباب،‭ ‬خاصة‭ ‬حاملي‭ ‬الشهادات‭ ‬المتوسطة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬المؤهلين‭. ‬

 

خامسا‭:‬‭ ‬تتركز‭ ‬المشاريع‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬محاور‭ ‬حضرية‭ ‬معينة،‭ ‬خاصة‭ ‬على‭ ‬الساحل‭ ‬وفي‭ ‬المدن‭ ‬الكبرى‭ ‬«الدار‭ ‬البيضاء،‭ ‬طنجة،‭ ‬مراكش،‭ ‬الرباط،‭ ‬فاس»،‭ ‬حيث‭ ‬تتوفر‭ ‬البنية‭ ‬الأساسية‭ ‬وشروط‭ ‬الاستثمار،‭ ‬مما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تمركز‭ ‬يعزز‭ ‬الفوارق‭ ‬المجالية،‭ ‬ويجعل‭ ‬مناطق‭ ‬واسعة‭ ‬خارج‭ ‬دينامية‭ ‬النمو،‭ ‬ليتكرس‭ ‬بذلك‭ ‬انقسام‭ ‬جغرافي‭ ‬يعكس‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬انقساما‭ ‬اجتماعيا‭.‬

 

سادسا‭:‬‭ ‬رغم‭ ‬تواتر‭ ‬تلك‭ ‬المشاريع‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الكبرى،‭ ‬ورغم‭ ‬النزوع‭ ‬التبشيري‭ ‬بآثارها‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬الضغط‭ ‬اليومي‭ ‬-‭ ‬الذي‭ ‬يعيشه‭ ‬المواطن‭ ‬العاجز‭ ‬عن‭ ‬تلبية‭ ‬حاجاته‭ ‬الأساسية‭ ‬بسهولة‭ ‬-‭ ‬يطغى‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬مكسب‭ ‬رمزي‭ ‬لها،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬هذا‭ ‬المواطن‭ ‬منشغلا‭ ‬بتدبير‭ ‬حياته‭ ‬اليومية‭ ‬بدل‭ ‬الإحساس‭ ‬بأي‭ ‬تحسن‭ ‬اقتصادي‭ ‬عام‭.‬

 

سابعا‭:‬‭ ‬غياب‭ ‬الارتباط‭ ‬العضوي‭ ‬بين‭ ‬القطاعات‭ ‬الحيوية‭ ‬التي‭ ‬لها‭ ‬علاقة‭ ‬مباشرة‭ ‬بالمواطن‭ ‬«الصحة‭ ‬والتعليم»‭ ‬وبين‭ ‬المشاريع‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬تسير‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬منفصل‭ ‬عن‭ ‬إصلاح‭ ‬عميق‭ ‬لهذين‭ ‬القطاعين‭. ‬فالتعليم‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬مستمرا‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬الفوارق،‭ ‬حيث‭ ‬يستفيد‭ ‬أبناء‭ ‬الطبقات‭ ‬الميسورة‭ ‬من‭ ‬تعليم‭ ‬جيد،‭ ‬بينما‭ ‬تواجه‭ ‬فئات‭ ‬أخرى‭ ‬صعوبات‭ ‬في‭ ‬التحصيل‭. ‬بينما‭ ‬تظل‭ ‬الخدمات‭ ‬العمومية‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الصحة‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬كبير،‭ ‬مما‭ ‬يدفع‭ ‬المواطنين‭ ‬نحو‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬بتكاليف‭ ‬مرتفعة‭. ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬يجعل‭ ‬المشاريع‭ ‬الكبرى‭ ‬تبدو‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬أولويات‭ ‬المواطن‭ ‬اليومية‭.‬

 

ثامنا‭:‬‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬المشاريع‭ ‬الكبرى،‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬الاقتصاد‭ ‬غير‭ ‬المهيكل‭ ‬يشكل‭ ‬ملاذا‭ ‬لفئات‭ ‬واسعة،‭ ‬مما‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬غياب‭ ‬إدماج‭ ‬فعلي‭ ‬لهذه‭ ‬الفئات‭ ‬في‭ ‬الدورة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الحديثة،‭ ‬حيث‭ ‬يغيب‭ ‬الاستقرار‭ ‬والحماية‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬مما‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬مظاهر‭ ‬الحداثة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬يترجمها‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬المشاريع‭ ‬المهيكلة‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬إلغاء‭ ‬أنماط‭ ‬العيش‭ ‬التقليدية‭ ‬والهشة‭ ‬التي‭ ‬يعكسها‭ ‬القطاع‭ ‬غير‭ ‬المهيكل،‭ ‬مما‭ ‬يفضح‭ ‬مفارقة‭ ‬التفاوت‭ ‬الذي‭ ‬يثقل‭ ‬كاهل‭ ‬فئات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭.‬

 

تاسعا‭:‬‭ ‬تؤدي‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬«المشروع‭ ‬الضخم»‭ ‬و«الأثر‭ ‬الاجتماعي»‭ ‬إلى‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬التوتر‭ ‬الرمزي،‭ ‬حيث‭ ‬يشعر‭ ‬المواطن‭ ‬بأن‭ ‬ما‭ ‬يعيشه‭ ‬حقيقة‭ ‬لا‭ ‬ينسجم‭ ‬مع‭ ‬الخطاب‭ ‬الرسمي‭ ‬الذي‭ ‬يحمل‭ ‬نبرة‭ ‬تفاؤلية‭ ‬حول‭ ‬إنجازات‭ ‬التنمية‭ ‬(الأرقام‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تتحدث،‭ ‬بينما‭ ‬الواقع‭ ‬أبكم)،‭  ‬مما‭ ‬يشكل‭ ‬وعيا‭ ‬نقديا‭ ‬لدى‭ ‬فئات‭ ‬واسعة،‭ ‬يعيد‭ ‬طرح‭ ‬أسئلة‭ ‬حول‭ ‬جدوى‭ ‬الاختيارات‭ ‬التنموية؟‭ ‬وموقع‭ ‬الإنسان‭ ‬داخل‭ ‬هذه‭ ‬المشاريع؟‭ ‬

 

عاشرا‭: ‬تحتاج‭ ‬المشاريع‭ ‬الكبرى،‭ ‬في‭ ‬المحصلة‭ ‬النهائية،‭ ‬إلى‭ ‬جعل‭ ‬الإنسان‭ ‬محور‭ ‬السياسات‭ ‬العمومية‭. ‬وهذا‭ ‬يتطلب‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬ربط‭ ‬المشاريع‭ ‬الكبرى‭ ‬بسياسات‭ ‬اجتماعية‭ ‬قوية،‭ ‬تركز‭ ‬على‭ ‬التعليم‭ ‬والصحة‭ ‬والتشغيل،‭ ‬وتعتمد‭ ‬على‭ ‬توزيع‭ ‬عادل‭ ‬للثروة،‭ ‬وتحقق‭ ‬توازنا‭ ‬مجاليا‭ ‬وضبط‭ ‬السرعات‭ ‬التنموية‭ ‬لتصبح‭ ‬سرعة‭ ‬واحدة‭ ‬يستفيد‭ ‬منها‭ ‬جميع‭ ‬المواطنين‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬عمالات‭ ‬وجهات‭ ‬وأقاليم‭ ‬المغرب،‭ ‬مما‭ ‬يستدعي‭ ‬إشراك‭ ‬المواطنين‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬السياسات،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬الإحساس‭ ‬بالانتماء‭ ‬ويقوي‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭.‬


لقد‭ ‬تشكلت‭ ‬بالفعل‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬خريطة‭ ‬استثمارية‭ ‬واسعة،‭ ‬مما‭ ‬يولد‭ ‬الانطباع‭ ‬بولادة‭ ‬اقتصاد‭ ‬حديث‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬الثروة‭ ‬وتحقيق‭ ‬الرفاه،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الواقع‭ ‬يكشف‭ ‬مسارا‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدا،‭ ‬إذ‭  ‬أصبح‭ ‬الرهان‭ ‬الحالي‭ ‬يتجلى،‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬التقائية‭ ‬حقيقية‭ ‬بين‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الكبرى‭ ‬والسياسات‭ ‬القطاعية‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬والصحة‭ ‬والتشغيل‭ ‬والتجهيز،‭ ‬بما‭ ‬يمنح‭ ‬للعنصر‭ ‬البشري‭ ‬موقعا‭ ‬محوريا‭ ‬داخل‭ ‬المعادلة‭ ‬التنموية،‭ ‬ويحول‭ ‬المشاريع‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬منشآت‭ ‬إلى‭ ‬محركات‭ ‬للاندماج‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬العمل‭ ‬على:
أ‭-‬‭ ‬إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬الفرص‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬المجالي،‭ ‬عبر‭ ‬ضخ‭ ‬نفس‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬المجالات‭ ‬الجبلية‭ ‬والواحية‭ ‬والحدودية،‭ ‬وتعزيز‭ ‬أدوار‭ ‬الأقطاب‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الناشئة‭ ‬في‭ ‬الشمال‭ ‬والوسط‭ ‬والساحل‭ ‬الجنوبي‭ ‬والجنوب‭ ‬الشرقي،‭ ‬مع‭ ‬ربطها‭ ‬بسلاسل‭ ‬قيمة‭ ‬محلية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬ضمان‭ ‬استدامة‭ ‬الدخل‭ ‬وتوطين‭ ‬الشغل‭. ‬
ب‭-‬‭ ‬إنهاء‭ ‬استمرار‭ ‬تركيز‭ ‬إنتاج‭ ‬الثروة‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬محدود‭ ‬من‭ ‬الجهات،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يستدعي‭ ‬سياسات‭ ‬عمومية‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬التمييز‭ ‬الإيجابي،‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تقليص‭ ‬الفوارق‭ ‬المجالية‭ ‬وتعزيز‭ ‬الكرامة‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الأقاليم‭. ‬

ج‭:‬‭ ‬أنسنة‭ ‬الاستثمار،‭ ‬عبر‭ ‬اعتماد‭ ‬مؤشرات‭ ‬الرفاه‭ ‬الاجتماعي‭ ‬ومعدلات‭ ‬إحداث‭ ‬فرص‭ ‬الشغل‭ ‬كمعايير‭ ‬مركزية‭ ‬في‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تمكين‭ ‬الفاعلين‭ ‬المحليين‭ ‬من‭ ‬الإسهام‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬المشاريع،‭ ‬وتفعيل‭ ‬آليات‭ ‬التضامن‭ ‬بين‭ ‬الجهات‭ ‬بفعالية‭ ‬أكبر‭.‬

د‭:‬‭ ‬تقوية‭ ‬التنسيق‭ ‬والاندماجية،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬عدم‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬الإنجاز‭ ‬التقني‭ ‬للمشاريع،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يتطلب‭ ‬ربط‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬بأثرها‭ ‬المباشر‭ ‬على‭ ‬معيش‭ ‬المواطنين،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬حضور‭ ‬مشاريع‭ ‬كبرى‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬استمرار‭ ‬هشاشة‭ ‬اجتماعية‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الفضاءات‭. ‬
هـ‭:‬‭ ‬إبطال‭ ‬المسافة‭ ‬التي‭ ‬تفصل‭ ‬بين‭ ‬مستوى‭ ‬التخطيط‭ ‬والتنفيذ،‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬قصور‭ ‬آليات‭ ‬التتبع‭ ‬تفضي‭ ‬إلى‭ ‬بطلان‭ ‬قدرة‭ ‬المشاريع‭ ‬على‭ ‬إحداث‭ ‬الأثر‭ ‬الاجتماعي‭ ‬بالسرعة‭ ‬المنتظرة،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬غلبة‭ ‬مقاييس‭ ‬تقنية‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬المؤشرات‭ ‬الاجتماعية‭.‬

و‭:‬‭ ‬ضعف‭ ‬الروابط‭ ‬التي‭ ‬تصل‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الكبرى‭ ‬بالنسيج‭ ‬المقاولاتي‭ ‬المحلي،‭ ‬مما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تركيز‭ ‬الثروة‭ ‬لدى‭ ‬فاعلين‭ ‬محدودين،‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬حاجة‭ ‬ملحة‭ ‬إلى‭ ‬توسيع‭ ‬قاعدة‭ ‬الاستفادة‭ ‬وربط‭ ‬المشاريع‭ ‬بالمهن‭ ‬المحلية‭ ‬والمقاولات‭ ‬الصغرى‭ ‬والمتوسطة‭. ‬

ز‭:‬‭ ‬استفحال‭ ‬التفاوت‭ ‬في‭ ‬الزمن‭ ‬التنموي،‭ ‬حيث‭ ‬تمتد‭ ‬الفترة‭ ‬الفاصلة‭ ‬بين‭ ‬إنجاز‭ ‬المشروع‭  ‬والإحساس‭ ‬بالأثر‭ ‬الاجتماعي‭ ‬المرتقب،‭ ‬مما‭ ‬يؤثر‭ ‬في‭ ‬الثقة‭ ‬المجتمعية،‭ ‬ويعزز‭ ‬أهمية‭ ‬مرافقة‭ ‬المشاريع‭ ‬الكبرى‭ ‬بمبادرات‭ ‬قريبة‭ ‬من‭ ‬حاجيات‭ ‬المواطنين‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬التعليم‭ ‬والصحة‭ ‬والخدمات‭ ‬الأساسية‭.‬

 

ح‭:‬‭ ‬تعزيز‭ ‬الربط‭ ‬الفعلي‭ ‬بين‭ ‬الاستثمار‭ ‬العمومي‭ ‬والتشغيل‭ ‬والقدرة‭ ‬الشرائية،‭ ‬عبر‭ ‬اعتماد‭ ‬آليات‭ ‬تضمن‭ ‬توطين‭ ‬الإنتاج‭ ‬وتشغيل‭ ‬اليد‭ ‬العاملة‭ ‬المحلية،‭ ‬بما‭ ‬يحول‭ ‬تدفقات‭ ‬الاستثمار‭ ‬إلى‭ ‬مداخيل‭ ‬مباشرة‭ ‬تدعم‭ ‬الاستهلاك‭ ‬وتنشط‭ ‬الاقتصاد‭. ‬

ط‭:‬‭ ‬تفعيل‭ ‬مقاربات‭ ‬الذكاء‭ ‬الترابي،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ربط‭ ‬المشاريع‭ ‬بمنظومات‭ ‬التكوين،‭ ‬واستباق‭ ‬الحاجيات‭ ‬المهارية،‭ ‬وإحداث‭ ‬مراكز‭ ‬للكفاءات‭ ‬بمحاذاة‭ ‬الأقطاب‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬بما‭ ‬ييسر‭ ‬اندماج‭ ‬الشباب‭ ‬في‭ ‬الدورة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬ويرفع‭ ‬من‭ ‬القيمة‭ ‬المضافة‭ ‬للعمل‭.‬

 

ك‭:‬‭ ‬توسيع‭ ‬صلاحيات‭ ‬الجهات،‭ ‬وتفعيل‭ ‬دور‭ ‬الوكالات‭ ‬الجهوية،‭ ‬وترسيخ‭ ‬الشفافية‭ ‬والديمقراطية‭ ‬التشاركية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إشراك‭ ‬الفاعلين‭ ‬الاجتماعيين‭ ‬في‭ ‬تتبع‭ ‬أثر‭ ‬المشاريع،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬توجيه‭ ‬القيمة‭ ‬المضافة‭ ‬نحو‭ ‬تحسين‭ ‬جودة‭ ‬الحياة‭.‬

ل‭:‬‭ ‬مد‭ ‬جسور‭ ‬لوجستيكية‭ ‬واقتصادية‭ ‬تصل‭ ‬المشاريع‭ ‬الكبرى‭ ‬بالمجالات‭ ‬القروية‭ ‬والجبلية،‭ ‬بما‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬خفض‭ ‬كلفة‭ ‬الإنتاج‭ ‬والنقل،‭ ‬ويدعم‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬للمواطنين‭. ‬

 

م‭:‬‭ ‬إرساء‭ ‬آليات‭ ‬مؤسساتية‭ ‬لتتبع‭ ‬أثر‭ ‬الاستثمار‭ ‬على‭ ‬التشغيل‭ ‬والرفاه‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬واعتماد‭ ‬تحفيزات‭ ‬موجهة‭ ‬بإحداث‭ ‬فرص‭ ‬الشغل،‭ ‬بما‭ ‬يجعل‭ ‬الاستثمار‭ ‬العمومي‭ ‬أداة‭ ‬للارتقاء‭ ‬الاجتماعي‭ ‬ورافعة‭ ‬لتحقيق‭ ‬العدالة‭ ‬المجالية‭.‬


يتضح‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الرهان‭ ‬الذي‭ ‬تتطلبه‭ ‬المرحلة‭ ‬يكمن،‭ ‬أساسا،‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬مسار‭ ‬تنموي‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الاستثمار‭ ‬العمومي‭ ‬أداة‭ ‬لإنتاج‭ ‬الأثر‭ ‬الاجتماعي‭ ‬على‭ ‬المواطن،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬جودة‭ ‬الخدمات‭ ‬«التعليم‭ ‬والصحة»‭ ‬وفرص‭ ‬الشغل،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬تراكم‭ ‬للمنشآت،‭ ‬حيث‭ ‬تلتقي‭ ‬النجاعة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬مع‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬داخل‭ ‬رؤية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬النمو‭ ‬إلى‭ ‬تجربة‭ ‬معيشة‭ ‬يومية،‭ ‬وذلك‭ ‬عبر‭ ‬تعميق‭ ‬الاندماجية،‭ ‬وتوجيه‭ ‬المشاريع‭ ‬نحو‭ ‬توسيع‭ ‬فرص‭ ‬الشغل،‭  ‬لتتحقق‭ ‬بذلك‭ ‬معادلة‭ ‬متوازنة‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬مشروع‭ ‬مدخلا‭ ‬لتكافؤ‭ ‬الفرص،‭ ‬في‭ ‬أفق‭ ‬يترجم‭ ‬الطموح‭ ‬الاقتصادي‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭ ‬اجتماعي‭ ‬نابض‭ ‬بالحياة‭.‬

 

تفاصيل أوفي تجدونها في العدد الجديد من أسبوعية "الوطن الآن"

رابط العدد هنا

https://anfaspress.com/alwatan/pdf-view/433-2026-04-07-06-43-08