سعيد ودغيري حسني
في البدء
لم تكن الساعة سوى ظل على جدار
تتحرك مع الشمس
وتنحني مع الأصيل
وكان الجسد يعرف وقته
دون أن يسأل أحدا
ثم جاءت الدقائق
محمّلة بالأوامر
ترتدي بذلة الإدارة
وتحمل توقيع السوق
فقالوا لنا
تقدموا
فلم نتقدم
بل تأخرنا عن أنفسنا
الميلاتونين
ذلك الهرمون الخفي
لا يعرف البلاغات الرسمية
ولا يقرأ الجريدة
ولا يهتم باجتماعات الصباح
هو ابن الليل
وصديق العتمة
إذا غابت الشمس حضر
وإذا حضرت انسحب
في أدب بيولوجي عتيق
لكننا
بقرار إداري
أيقظناه قبل أوانه
وسحبناه من حلمه
وأجلسناه في مكتب مضاء
فاحتج
بكسل خفيف
بتثاؤب طويل
بروح لا تريد أن تنتج
وهنا
بدأ الخلل
لم يعد الجسد يثق في الساعة
ولا الساعة تفهم الجسد
وصار الإنسان
بين زمنين
زمن يسكنه
وزمن يفرض عليه
حتى الأطفال
أولئك الذين ظنناهم ينجون
عادوا من مدارسهم مثقلين
بواجبات لا تنتهي
بمراجعة تمتد إلى الليل
بعيون تقاوم النعاس
ثم يدفعون مع الفجر
إلى طرق لم تستيقظ بعد
يسيرون في الظلام
كأنهم يطاردون صباحا
لم يولد بعد
فأي توازن هذا
حين يسرق الليل من الطفل
ولا يمنح له نهار كاف
في الأزقة
وفي الحقول
وفي وجوه البسطاء
لا تزال الشمس هي المرجع
والصلاة ميزان الوقت
الفجر بداية
والمغرب ختام
ولا حاجة لساعة إضافية
كي يعرف القلب متى يهدأ
لكن المدينة
تسير بسرعة أخرى
تربط نهارها بعواصم بعيدة
وتضبط نبضها على توقيت لا يشبهها
وهنا
يتعب الإنسان دون أن يعرف السبب
يقولون
الاقتصاد أولا
والربح معيار
لكن أي ربح هذا
إذا صار الجسد خاسرا
إذا صار العامل متعبا
والتلميذ مرهقا
والفكر بطيئا
والإنتاج بلا روح
أي معادلة هذه
حين تتحول الساعات المربوحة
إلى صحة مفقودة
وإلى عطاء ناقص
وإلى مجتمع يسير
نصف يقظان نصف غائب
الحساب هنا يختل
لا في الأرقام
بل في الإنسان
ومع الذكاء الاصطناعي
ظهرت مفارقة جديدة
آلة لا تنام
لا تفرز الميلاتونين
ولا تعاني من اختلال الزمن
تجيب فورا
وتخدم دائما
ولا تحتاج إلى شمس لتستيقظ
ولا إلى ليل لتستريح
فهل سنصير مثلها
أم سنفقد ما يجعلنا بشرا
لأن التعب
والنعاس
والحلم
ليست عيوبا
بل إشارات خفية
تقول لنا
عودوا إلى إيقاعكم الأول
الميلاتونين
ليس مجرد هرمون
بل ذاكرة الليل فينا
وصوت الطبيعة
حين تهمس
كفى الآن وقت السكون
لكننا لا نسمع
نؤجل النوم
نؤجل الراحة
نؤجل أنفسنا
حتى نصبح
كأننا نعيش خارج أجسادنا
وهكذا
بين ساعة تضاف
وعالم يسرع
وطفل يسير في الظلام
وعامل يجر يومه
يظل الإنسان
يبحث عن زمنه الحقيقي
لا في الهاتف
ولا في الإدارة
ولا في حسابات الربح
بل في تلك اللحظة الصامتة
حين يغمض عينيه
ويستسلم
لليل