منير لكماني
تمثل البنوك التشاركية تجربة مالية حديثة تسعى إلى تقديم بديل منسجم مع مبادئ الشريعة الإسلامية، قائم على العدل والمشاركة بدل الربا والإستغلال. وهي لا تريد أن تكون مجرد نسخة معدلة من البنوك التقليدية، بل نموذجا مختلفا في نظرته إلى المال ووظيفته وآثاره الإجتماعية. لذلك يبرز التأصيل الشرعي بوصفه أساسا ضروريا لنجاحها، لأن الأمر لا يتعلق فقط بصحة العقود من حيث الشكل، بل بقدرتها على تحقيق مقاصد الإسلام في الإنصاف والإستقرار وحفظ مصالح الناس.
النسق المعرفي الإسلامي أساس التأصيل
يقوم التأصيل الشرعي السليم على إدراج هذه البنوك داخل النسق المعرفي الإسلامي العام، لا الإكتفاء بالنظر إلى بعض الفروع والأحكام الجزئية. فهذا النسق يقوم على أصلين كبيرين: العلم والعدل. وبالعلم تفهم النصوص والوقائع، وبالعدل توزن المصالح والعلاقات بين الناس. ومن ثم لا يكفي أن يكون العقد جائزا في ذاته، بل ينبغي النظر أيضا في أثره ومآله وموقعه داخل المنظومة الإسلامية.
ويمنح هذا النسق المجتمع إستقرارا في المعاني والأحكام، لأنه مرتبط بالوحي الذي يمد الإنسان بمعيار ثابت يميز به بين الصحيح والفاسد. أما الأنظمة المالية المعاصرة فيغلب عليها الطابع المادي، حيث تقدم الأرباح على القيم، ويختزل الإنسان أحيانا في كونه رقما داخل دورة الإستهلاك والديون. ولهذا يصبح التأصيل الشرعي ضرورة لحماية التجربة التشاركية من أن تتحول إلى ممارسة شكلية تحمل الإسم الإسلامي وتفقد روحه.
شروط التأصيل الشرعي السليم
لكي يكون التأصيل صحيحا ومثمرا، لا بد من توفر معارف أساسية. أولها معرفة الأصول الكلية الحاكمة في الإسلام، لأن الإقتصار على الجزئيات قد يؤدي إلى أحكام متفرقة لا يجمعها مقصد واضح. وثانيها معرفة الواقع معرفة دقيقة، لأن الحكم لا ينزل في فراغ، بل ينزل على أوضاع إقتصادية وإجتماعية محددة. وثالثها فهم العلاقة بين الكلي والجزئي، إذ قد يكون الحكم صحيحا في أصله، لكن تنزيله في واقع معين يحتاج إلى نظر أعمق في القيود والظروف. أما الشرط الرابع فهو مراعاة أثر الحكم في إستقرار المجتمع ووحدته، لأن الفتوى ليست جوابا فرديا فقط، بل قد تكون سببا في بناء الثقة أو نشر الإضطراب.
ومن هنا يظهر أن القضايا المالية المعاصرة تحتاج إلى فقه واسع ونظر إستراتيجي، لا إلى معالجة جزئية معزولة. فحين يغيب هذا المنهج تتعدد الآراء بغير ضابط، ويقع التضارب، وتزداد حيرة الناس بدل أن يجدوا الوضوح والطمأنينة.
واقع البنوك التشاركية في المغرب
وفي المغرب تنظم البنوك التشاركية بمقتضى القانون 103.12، الذي يمنع التعامل بالفائدة ويؤطر عددا من العقود الشرعية، مع إخضاعها للرقابة الشرعية. وهذا التنظيم يمنحها إطارا قانونيا مهما، لكنه لا يزيل كل الإشكالات المرتبطة بالممارسة والتنزيل. فهي تعمل داخل بيئة مالية عالمية تهيمن عليها الأدوات التقليدية، مما يجعلها في كثير من الأحيان محاصرة بشروط السوق القائم وآلياته.
ومن هنا تظهر أحيانا إزدواجية مرجعية واضحة: فهي من جهة تستند إلى عقود شرعية مثل المرابحة والإجارة والمشاركة والمضاربة، لكنها من جهة أخرى تشتغل داخل منطق إقتصادي لا يزال قريباً من النموذج التقليدي. وقد يجعل هذا بعض المنتجات صحيحة من الناحية الفقهية، لكنها لا تحقق دائما روح المشاركة الحقيقية أو المقصد الإجتماعي المنشود. فبدل أن تكون وسيلة لتنمية عادلة وتقاسم للمخاطر والمنافع، قد تتحول إلى صيغ تمويلية قريبة في نتائجها من المديونية المعتادة.
آفاق التطوير والإصلاح
يمكن أن يكون مستقبل البنوك التشاركية إيجابياً إذا إنتقل الإهتمام من مجرد تصحيح العقود إلى بناء مشروع مالي وإجتماعي متكامل. وهذا يقتضي ربط العمل المصرفي بحاجات المجتمع، والسعي إلى تخفيف الفقر، وتشجيع الإستثمار المنتج، وتوجيه المال نحو خدمة الإنسان لا نحو تعظيم الربح وحده. كما يقتضي تقوية البحث العلمي المشترك بين الفقهاء والإقتصاديين حتى تصاغ حلول عملية تجمع بين الشرعية والكفاءة.
ومن المهم أيضا أن تنهض الجامعات ومراكز البحث بدورها في تطوير هذا المجال، وأن يفتح الباب أمام الكفاءات الشابة القادرة على التجديد والإجتهاد المنضبط. فالبنوك التشاركية لن تنجح بمجرد تغيير الأسماء، بل تنجح حين تقدم نموذجا ينسجم مع قيم الإسلام ويجيب عن حاجات العصر. وعندئذ فقط يمكن أن تتحول من تجربة محدودة إلى رافعة حقيقية للعدل والإستقرار والتنمية.