حبيل رشيد: نحو حكامة مائية رقمية.. إعادة تشكيل السيادة عبر البيانات الفضائية

حبيل رشيد: نحو حكامة مائية رقمية.. إعادة تشكيل السيادة عبر البيانات الفضائية حبيل رشيد

تُدشن النتائج العلمية الحديثة المنشورة في "المجلة الإفريقية لعلوم الأرض" مرحلة جديدة في هندسة السيادة المائية المغربية، عبر توظيف دقة "البيانات الفضائية" في مواجهة التطرفات المناخية بين الفيضانات والجفاف… ومن ثم، فإن هذا التحول لا يندرج ضمن مجرد تطوير تقني محدود، وإنما يؤشر على انتقال نوعي في فلسفة التدبير المائي، حيث تتحول المعرفة الرقمية إلى أداة سيادية لإعادة ضبط العلاقة بين الإنسان والمورد الطبيعي في سياق يتسم بعدم اليقين المناخي.

 

وتكشف هذه الدراسة، التي اختبرت أربعة نماذج عالمية للأقمار الصناعية في أحواض الشمال، عن قدرة التكنولوجيا الرقمية على سد فجوات الرصد الميداني وتوفير منظومة إنذار مبكر قادرة على استباق المخاطر وتقليص كلفتها البشرية والمادية… وبالتالي، فإن هذه النتائج تؤكد، دون ريب، أن المقاربات الأحادية التي ظلت تعتمد على مصدر واحد للمعطيات لم تعد تستجيب لتعقيد الظواهر الهيدرولوجية، كما أن تعدد النماذج وتكاملها يتيح قراءة أكثر دقة وعمقًا لتقلبات التساقطات وتدفقات الجريان السطحي.

 

ومن الثابت أن هذا التحول المعرفي يفرض إعادة تعريف مفهوم "الحكامة المائية"، بحيث لم يعد مقتصرًا على تشييد السدود وتعبئة الموارد، وإنما أضحى مرتبطًا بقدرة الدولة على إدارة المعلومة المائية بفعالية، واستثمارها في الزمن الحقيقي لاتخاذ قرارات دقيقة… إضافة إلى ذلك، فإن دمج المعطيات الفضائية مع القياسات الأرضية يشكل حجر الزاوية في بناء ما يمكن تسميته بـ"الذكاء المائي المستدام"، الذي يقوم على التفاعل المستمر بين الرصد والتحليل والتوجيه.

 

كما أن نتائج الدراسة أبرزت بوضوح أن "لا نموذج واحد يصلح لكل السياقات"، حيث إن بعض النماذج أبانت عن دقة عالية في محاكاة ذروة التساقطات، في حين تميزت أخرى بقدرتها على تتبع الجريان السطحي على المدى الطويل، خاصة في المناطق الجبلية… الأمر الذي يعزز أطروحة التكامل المعرفي ويؤكد أن تبني "مقاربة متعددة المصادر" لم يعد خيارًا تقنيًا فقط، وإنما ضرورة أمنية واقتصادية لضمان حسن تقدير الموارد المائية وتفادي المخاطر المرتبطة بالفيضانات.

 

وعلى المستوى العملي، يترتب عن هذا المعطى أن أي اعتماد أحادي على مصدر واحد للبيانات قد يقود إلى اختلالات في التقدير، سواء تعلق الأمر بحجم المخزون المائي أو بدرجة الخطر المرتبط بالتساقطات القصوى… لذلك، فإن تبني نموذج هجين يجمع بين البيانات الفضائية وشبكات الرصد الأرضي، مدعومًا بخوارزميات الذكاء الاصطناعي، يمثل المسار الأكثر نجاعة لتحقيق دقة أعلى في التوقعات، وضبط أفضل لتدفقات المياه داخل السدود والمنشآت المائية.

 

غير أن هذا التحول، رغم ما يحمله من وعود واعدة، يطرح تحديات بنيوية تتجاوز البعد التكنولوجي الصرف، حيث إن توفر الأدوات الرقمية لا يعني بالضرورة تحقق النجاعة في التدبير… إذ إن الرهان الحقيقي يتمثل في بناء كفاءات بشرية قادرة على تحليل هذه البيانات المعقدة وتفسيرها ضمن سياقها البيئي والاقتصادي، إضافة إلى ضرورة كسر الحواجز المؤسساتية التي تعيق انسيابية المعلومة بين مختلف المتدخلين في القطاع المائي.

 

كما أن تحديث الإطار القانوني يظل عنصرًا حاسمًا في مواكبة هذا التحول، حيث إن القواعد التنظيمية التقليدية قد لا تستوعب بالقدر الكافي متطلبات الحكامة الرقمية، خاصة فيما يتعلق بتبادل البيانات وحمايتها وضمان استخدامها الأمثل في صناعة القرار… ومن ثم، فإن تطوير تشريعات مرنة ومتكيفة مع الثورة الرقمية يشكل ركيزة أساسية لترسيخ حكامة مائية ذكية وفعالة.

 

وبناءً على ما سبق، يتضح أن المغرب يقف اليوم عند مفترق طرق حاسم، حيث تتوفر لديه الإمكانات التكنولوجية التي تؤهله للانتقال نحو نموذج متقدم في تدبير موارده المائية، غير أن نجاح هذا الانتقال يظل رهينًا بمدى قدرته على تحقيق التكامل بين المعرفة الرقمية والواقع الميداني… ذلك أن الثورة المائية، كما تؤكد مختلف المؤشرات، لن تتحقق عبر التكنولوجيا وحدها، وإنما من خلال تحويل المعطيات إلى قرارات دقيقة، والسياسات إلى ممارسات فعالة، بما يضمن حماية المورد الأثمن واستدامته للأجيال القادمة.