عبد الحي السملالي
ليست عودة ملتقى لوبورجيه حدثًا يمكن تفسيره بزاوية واحدة. فالمشهد، بتعقيداته وتوقيته وتعدد الفاعلين فيه، يفتح الباب أمام قراءات محتملة تتوزع بين الداخل والخارج: قراءة داخلية تتعلق بإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والتنظيم، وقراءة جيوسياسية تضع الحدث ضمن سياق أطلسي متوتر. وما بين هاتين الطبقتين، تتشكل صورة أوضح لما يجري خلف الستار.
أولًا: هندسة الداخل وإعادة إنتاج الأدوار
لم تكن عودة ملتقى لوبورجيه حدثًا عابرًا، ولا يمكن اختزالها في قرار قضائي أو انتصار قانوني كما يروّج له البعض. فالمشهد برمّته يكشف عن مسرحية تُديرها الدولة بإيقاع محسوب، حيث لا شيء يُترك للصدفة: سبع سنوات من المنع، ثم عودة مفاجئة، ثم قرار متأخر في الأول من أبريل، ثم تراجع سريع. هذا التذبذب لا يشي بارتباك إداري بقدر ما يفتح الباب أمام قراءة أعمق: هل نحن أمام صراع حقيقي، أم أمام ترتيب متبادل يعيد توزيع الأدوار ويمنح كل طرف ما يحتاجه في اللحظة المناسبة؟
فالدولة التي تمنع حدثًا بهذا الحجم لسنوات ثم تسمح به فجأة، قد تكون بصدد إعادة هندسة المشهد الديني، لا مواجهته. والتنظيم الذي يقدّم نفسه بثوب جديد بعد تغيير اسمه من اتحاد المنظمات الإسلامية إلى مسلمو فرنسا، لم يغيّر منطقه الداخلي ولا خطابه المزدوج، بل أعاد تموضعه بما يناسب المرحلة. وهنا تبرز فرضية لا يمكن تجاهلها: هل كان اللجوء إلى القضاء جزءًا من سيناريو متفق عليه، يمنح التنظيم شرعية قضائية جديدة، ويمنح الدولة في المقابل شريكًا “مُعاد تأهيله” يمكن التعامل معه؟
فالحكم القضائي، في هذه القراءة، لا يصبح انتصارًا لطرف على آخر، بل آلية لإعادة المصداقية: التنظيم يستعيد صورته أمام جمهوره، والدولة تستعيد قدرتها على ضبط المشهد دون أن تظهر في موقع المتراجع. وهكذا يتحول القضاء إلى خشبة تُعاد عليها كتابة العلاقة بين الطرفين، لا إلى ساحة مواجهة.
أما الجماهير التي تهلل اليوم، فهي جزء من مشهد أكبر يُعاد تشكيله. فالتنظيم يحتاج مظلومية ليعيد إنتاج جمهوره، والدولة تحتاج شريكًا قابلًا للضبط، والفاعلون في المشهد العام يحتاجون كتلة يمكن تحريكها عند الحاجة. وما يبدو “انتصارًا” ليس سوى حلقة في لعبة أكبر، تُستخدم فيها الرموز الدينية كأدوات، وتُستثمر فيها العواطف كوقود، ويُعاد فيها تشكيل الوعي بما يخدم منطق الدولة ومنطق التنظيم معًا.
إن ما يجري لا يبدو صراعًا بين طرفين بقدر ما يبدو تفاهمًا غير معلن: الدولة تضبط الخشبة، والتنظيم يؤدي دوره، والجمهور يُستدرج للتصفيق أو الغضب. وفي النهاية، تبقى الحقيقة واحدة: ما دام المسلم يتحرك داخل هذا المسرح، وما دام يقبل أن يكون جزءًا من لعبة لا يصنع قواعدها، فإنه سيظل يُستعمل أكثر مما يُستشار، ويُقاد أكثر مما يختار.
ثانيًا: إشارات باريس في زمن التوتر الأطلسي
إن قراءة عودة ملتقى لوبورجيه بمعزل عن السياق الجيوسياسي قد تُفقد الحدث إحدى طبقاته الأساسية. فالتوقيت يأتي في لحظة تشهد توترًا متصاعدًا بين باريس وواشنطن، خصوصًا بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض وما رافقها من تصريحات مباشرة استهدفت ماكرون بالاسم. في هذا المناخ، يصبح السماح بعودة الملتقى أكثر من مجرد استجابة لحكم قضائي؛ إنه خطوة قد تحمل دلالات تتجاوز الداخل.
فالقرار الأمريكي بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية — وتوسيع هذا التصنيف ليشمل تنظيمات مرتبطة بها في عدة مناطق — أعاد رسم خريطة الشرعية الدولية لكل كيان يُشتبه في صلته بهذا الإطار. وهنا يبرز سؤال مشروع: هل أرادت باريس، عبر السماح بعودة الملتقى، توجيه رسالة هادئة إلى واشنطن مفادها أن إدارة الشأن الديني الفرنسي شأن سيادي لا يخضع للإملاءات الأمريكية؟
وتعزّز هذه الفرضية ثلاثة مؤشرات لافتة:
* تزامن التصعيد اللفظي بين ترامب وماكرون مع عدم اعتراض السلطة التنفيذية بجدية على حكم القضاء.
* تمسّك فرنسا بموقف قانوني يرفض اعتماد التصنيف الأمريكي دون مسار قضائي واضح.
* الحساسية الفرنسية التقليدية تجاه أي انطباع بأن سياساتها الداخلية تُدار من الخارج، خصوصًا في ملفات الهوية والدين.
ومع ذلك، تبقى هذه القراءة محكومة بتحفظين ضروريين:
أولًا، أن السياسات الداخلية نادرًا ما تُختزل في رسالة خارجية واحدة.
ثانيًا، أن الربط بين قرار داخلي ومناورة دبلوماسية يحتاج أدلة أكثر مما توفره الوقائع الحالية.
لكن تجاهل هذا البعد كليًا قد يؤدي إلى قراءة مبتورة، خصوصًا في لحظة تتقاطع فيها إعادة تشكيل المشهد الديني الفرنسي مع توترات دولية متسارعة.
خلاصة
بهذا المعنى، تبدو عودة ملتقى لوبورجيه عند تقاطع ثلاث قراءات:
1. قراءة داخلية تُظهر إعادة إنتاج العلاقة بين الدولة والتنظيم عبر القضاء.
2. قراءة اجتماعية تكشف إعادة تشكيل الجمهور ككتلة قابلة للتوجيه.
3. قراءة جيوسياسية تضع الحدث ضمن سياق أطلسي متوتر قد تستخدم فيه باريس الملف الديني كأداة توازن.
إنها عودة لا تُقرأ من زاوية واحدة، بل من طبقات متراكبة تتداخل فيها هندسة الداخل مع رسائل الخارج، وتتشابك فيها حسابات الدولة مع حسابات التنظيم، بينما يبقى المسلم — كما في الطبقة الأولى — داخل مسرح لا يصنع قواعده.