يوسف لهلالي يتوسط الرئيس الفرنسي وعمدة سان دوني
لم تعد العنصرية في فرنسا مجرد انزلاقات معزولة أو خطابات هامشية، بل أصبحت، خلال الانتخابات البلدية الأخيرة، ظاهرة مقلقة تكشف تحوّلًا عميقًا في طبيعة النقاش العام. فبينما انشغل العالم بتداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران وانعكاساتها على الاقتصاد العالمي، كانت فرنسا تعيش على وقع استحقاق ديمقراطي مهم تم خلاله تجديد نحو 34 ألف مجلس بلدي. غير أن هذا الموعد الانتخابي لم يمر دون أن يفضح تصاعد خطاب الكراهية، خاصة تجاه المنتخبين من أصول مهاجرة.
لقد أفرزت هذه الانتخابات جيلًا جديدًا من الفاعلين السياسيين، ينتمي جزء كبير منهم إلى أبناء المهاجرين الذين وُلدوا وترعرعوا في فرنسا، وأصبحوا اليوم جزءًا لا يتجزأ من نخبها السياسية. لكن هذا الصعود لم يُقابل بقبول طبيعي داخل الفضاء العام، بل واجه موجة من العداء، اتخذت أحيانًا طابعًا عنصريًا صريحًا.
ويبرز هذا الانزلاق بوضوح في بعض المنابر الإعلامية، خاصة تلك المرتبطة بالملياردير المحافظ فانسون بولوري، حيث تحولت قناة سي نيوز إلى منصة لإعادة إنتاج صور نمطية مهينة. فقد تم استهداف العمدة المنتخب بالي باكايوكو ليس بسبب برنامجه السياسي أو أدائه، بل بسبب لون بشرته، في سابقة خطيرة تعيد إلى الأذهان خطابات عفا عنها الزمن.
إن ربط مسؤول منتخب بتعابير من قبيل "القِرَدة العليا" أو "زعماء القبائل" لا يمكن اعتباره مجرد زلة لسان، بل هو تعبير عن بنية ذهنية عنصرية تجد لنفسها اليوم فضاءً للتعبير داخل الإعلام. الأخطر من ذلك هو محاولة إضفاء طابع "علمي" على هذا الخطاب، عبر توظيف مفاهيم مشوهة من علم الأنثروبولوجيا لتبرير التمييز، وهو ما يكشف عن انتقال العنصرية من مستوى الخطاب الشعبوي إلى مستوى التبرير شبه الأكاديمي.
غير أن هذه الحملة لم تقتصر على الخطاب الإعلامي، بل امتدت إلى ممارسات مباشرة، تمثلت في توجيه رسائل عنصرية إلى عدد من النواب والعمد المنتمين إلى حزب فرنسا الابية وهم ناداج ابومانكولي، كارلوس مارتان بيلونغو ودانيال اوبونو إضافة الى علي دياوارا وجون لوك ميلانشون وقد تضمنت هذه الرسالة عبارة صادمة: "هروب من حديقة حيوان " في تجسيد فج لمنطق نزع الإنسانية عن الاخر".
إن خطورة هذه الوقائع لا تكمن فقط في مضمونها، بل في السياق الذي تحدث فيه. ففرنسا، التي لطالما قدّمت نفسها كحاملة لقيم الحرية والمساواة، تجد نفسها اليوم أمام تناقض صارخ بين خطابها الرسمي وممارسات جزء من فضائها العام. كما أن استهداف منتخبين شرعيين بسبب أصولهم يطرح سؤالًا جوهريًا حول مدى صلابة النموذج الجمهوري أمام تصاعد النزعات الإقصائية.
وتظاهر آلاف الفرنسيين يوم السبت الماضي امام مبنى بلدية سان دوني في ضاحية باريس، من أجل التعبير عن تضامنهم مع العمدة الجديد بالي بكايوكو الذي استهدفته تصريحات عنصرية، أُدلي بها على قناة تلفزيونية خاصة.التي رفع خلالها المتظاهرون شعارات مناهضة للعنصرية.
صحيح أن التاريخ الفرنسي عرف في مراحل سابقة انتخاب مسؤولين من أصول إفريقية، (تم انتخاب عمدة اسود سنة 1790 اسمه لوي غيزو في أحد مدن الجنوب الفرنسي)، ما يدل على أن هذا الحضور ليس جديدًا، لكن الجديد اليوم هو حجم العنف الرمزي المصاحب له، وحدّة الخطاب الذي يواكبه. وهذا ما يجعل من الانتخابات البلدية الأخيرة مؤشرًا مقلقًا على ما قد تحمله الاستحقاقات المقبلة، خاصة الانتخابات الرئاسية، في ظل صعود التيارات الشعبوية في فرنسا وأوروبا.
في هذا السياق، لم يتردد بالي بكايوكو في انتقاد صمت المؤسسات، معتبرًا أن هذا الصمت يرقى إلى مستوى التقصير في الدفاع عن القيم الجمهورية. وهو موقف يعكس شعورًا متزايدًا لدى فئات واسعة من المواطنين بأنهم لا يحظون بنفس الحماية الرمزية والمؤسساتية.
ورغم أن الحكومة، عبر وزيرة مكافحة التمييز أورو بيرجي أدانت هذه الأفعال ووصفتها بغير المقبولة، وأحالتها إلى القضاء عبر تصريحها على قناة فرنسا الثانية.
فإن السؤال يظل مطروحًا: هل تكفي الإدانة اللفظية لمواجهة ظاهرة آخذة في الاتساع؟
في المحصلة، تكشف هذه الأحداث أن فرنسا تواجه اليوم اختبارًا حقيقيًا: إما أن تعيد تأكيد التزامها الفعلي بقيم المساواة، أو أن تترك المجال لخطاب الكراهية كي يتحول تدريجيًا إلى أمر عادي داخل المجال العام. فالمعركة ضد العنصرية لم تعد مجرد معركة أخلاقية، بل أصبحت رهانًا سياسيًا يحدد ملامح المجتمع الفرنسي في السنوات القادمة.