إدريس الأندلسي
وجب التأكيد على أن موضوع تناول ما يدور حاليا من حرب إمبريالية ضد أهداف إيرانية، لا يعني قبول ذلك العداء الذي يستهدف مصالح بلادنا ووحدتها الوطنية. سيظل كل مثقف مناضل ومؤمن بضرورة مواجهة الاستعمار والإمبريالية، ومرتبط بقضية الشعب الفلسطيني، هو ذلك المغربي الذي جسدت نضالاته غير مشروطة والتزاماته من أجل "الوطن والخبز والديمقراطية" سيره على نهج شباب حرموا أنفسهم، وحرموا من مضي زمن وساعات أطول من كل الساعات داخل الزنزانة. عاش الجسد والوعي ساعات وأيام الوطن التي كانت تمر سريعا. لعل أغلبهم لم يكونوا على علم بوصول ومغادرة "شاه" إيران للمغرب إلى القاهرة. ولكننا جميعا عشنا ذلك الغدر الذي حول مناضلي الثورة الإيرانية الحقيقيين إلى أول ضحايا نظام الخميني، وعلى رأسهم "فدائي ومجاهدي خلق". فقدنا ذلك الجناح الديمقراطي في بداية المسار، ثم تكرس موقع أصحاب دكتاتورية لا يهمها إلا أن تسيطر على كل شيء باسم حقيقة مطلقة لم تعد تقدس الحريات. ولكن مواقف إيران بعثت في كثير ممن ساندوها قبل سنة 1979، كثيرا من الشك في نواياها السابقة واللاحقة. وقد يمكن أن يتسرب الشك إلى أغلبنا، ولكن واقع القمع باسم دولة مناصري سلطة ذلك الإمام الكبير المتعال والخليفة الأكبر للإمام لا يمكن أن يكون مقنعا للكل.
أصبح التضخم الخطابي الغربي عموما، والأمريكي خصوصا، أكبر من التضخم الذي يؤثر على الأسعار. أصبح "هرمز" المضيق أشهر المضايق العالمية خلال الأسابيع الماضية بسبب حرب إسرائيل وأمريكا على إيران، وبسبب حجم الصواريخ الذي أطلقته هذه الأخيرة في اتجاه حيفا وديمونا وتل أبيب، وفي اتجاه القواعد العسكرية الأمريكية في دول الخليج. ولعل مشاهد الحرب قد توحي إلى علاقة هذا المضيق بالإله الذي قدسته الديانة الزرادشتية وهو "أهورا مازدا"، وكذلك بملوك الدولة الساسانية التي سجلت أدوار "هرمز الأول وهرمز الثاني...". وجب التذكير بأن هذه الحرب تدور في قلب العالم الذي خلقت به حضارات وديانات قديمة تفوق بآلاف السنين خلق الولايات المتحدة الأمريكية، وكثير من دول أوروبا التي تخصصت في صنع الحروب منذ قرون. وسيظل الغرب ذلك "الكائن الجغرافي والسياسي" الذي أهدى للعالم سموم صناعة الحروب بأسلحة فتاكة لم تسلم منها إلا قليلا من مناطق العالم. وقد ازدادت الحالة سوءا منذ الحروب الدينية في قلب أوروبا إلى حروب إمبراطورية بريطانيا وممالك إسبانيا وبلجيكا والبرتغال في القارتين الأوروبية والأمريكية، وصولا إلى الحروب الاستعمارية وما خلفته من آثار إلى يومنا هذا. ولا زالت كتب التاريخ مليئة بالأحداث التي صاحبت حروب "الثلاثين عاما" التي أفقدت ألمانيا ثلث سكانها. ولا يمكن تجاوز حرب الثمانين عاما بين الكاثوليك والبروتستانت وكافة الحروب الدينية التي خلفت ضحايا بعشرات الملايين. ويمكن الاستمرار في التذكير بكل ما اقترفه الغرب في فترة ثقافة الأنوار، وخلال الثورات الصناعية والسياسية من جرائم في حق شعوب العالم.
واستمرت الأحوال على ما كانت عليه خلال نضالات شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا من أجل الاستقلال. وظلت الثقافة الغربية تحمل شعار "إدخال الحضارة" عبر الكنيسة والكتاب والمستثمر المستعمر للأراضي الفلاحية، ولتلك التي يوجد تحتها أنفس المعادن. ولم تغادر القوى الاستعمارية البلدان المستعمرة دون أن تستفيد من عطايا "النخب العميلة" التي غرستها في تربة أوطان كانت تحت نير الاستعمار.
وقد نطق أحسن وأسوأ وأصدق وأكثر من ارتجل أغبى خطابات في حضور بعض قادة العرب والمسلمين، وكان الأكثر وضوحا في الدفاع عن مصالحه وخصوصا الخليج وإيران، ليبين أن كل من واجه مصالح الغرب الأمريكي يجب أن يتم إرجاعه إلى العصر الحجري. قال رئيس أكبر قوة في العالم، دونالد ترامب، والذي أقر بأن فتح مضيق هرمز يحتاج إلى تدخل كل دول العالم، إن ما سيفعله خلال الأسابيع القليلة المقبلة سيبعث بدولة إيران إلى العصر الحجري. ولا أظن أن هذا الرجل الذي يقود الولايات المتحدة الأمريكية يعرف ما معنى العصور التي تصور تطور الأرض وكائنات من حجر ونبات وحيوانات وبشر. الرئيس الأمريكي ذو الطموح الكبير ينسى بأن العصر ترجع بدايته الافتراضية إلى حوالي مليون ونصف سنة. وهذا ما وجب التذكير به للقول إن القنبلة لن تمحي تاريخ وجود الإنسان على الأرض، ولن تمحي معرفته بالكتابة، ولا يمكن أن تسحب معارف مجالات الفلاحة والعلوم وبناء السدود ولا قدرتهم على فك شفرات كل الوثائق التي ستكون البشرية محتفظة بها، ولو كانت نزرا قليلا. وستظل الألواح السومرية موجودة رغم القصف الأمريكي للعراق خارج مناطق الحرب لتدمير الألواح التي ترجع إلى ما قبل ظهور الديانات المسماة بالإبراهيمية.
نعيش أياما صعبة في ظل شن حرب على شعوب الشرق الأوسط بكاملها. ونعيش حروبا ذات طابع إيديولوجي واقتصادي مخلوط بتكنولوجيا عرت كل مناطق العالم من كل الوسائل المتاحة لستر ما لديها من أسرار، ومكنت العظماء من ممتلكي التكنولوجيا من الاستيلاء على كل الموجودات الخارجية من كل العملات. وأصبحت كثير من دول الخليج، ومن دول أخرى وضعت ثقتها في حماية عسكرية عبر قوات تعيش في قلب أراضيها، وتبين لها أن الحماية سلعة لا تصلح إلا إذا كانت من نصيب إسرائيل. ولا يمكن ألا نتصور حجم الأرباح التي جنتها وستجنيها بعد أن قررت سلطات القوى الصهيونية السيطرة على القرار السياسي في أوروبا وأمريكا. لا يمكن أن يرجع جزء من الأرض إلى العصر الحجري. نسي ترامب أن هذا القرار ينتمي إلى مربع الهذيان الذي لا ولن يسمح به أربابه في أعالي مراكز القرار الأمريكي أولا. ولا يجب أن نغفل أن هذا العالم تحكمه بالعلم وبالعقول دول تمتلك أضعاف ما تمتلكه أمريكا. والمعقول أن نطرح سؤالا بسيطا يتعلق بحجم خطابات ترامب مقابل صواريخ ترامب، وماذا إذا تعلق الأمر بردود فعل الصين وغيرها من دول آسيا في ظل مواقف أوروبية رزينة وواقعية.
عرف العصر الحجري نهايته بعد ظهور العصور التي أبرز فيها كائن قدرته على الحركة والتفكير وتطوير الذكاء. ولا يمكن لرئيس يهين المثقفين الذين ينتمون إلى عصر الإنسان "العاقل العاقل" ولو كانوا يشتغلون في "النازا والبنتاغون وكل وكالات الاستخبارات". الحروب المصيرية يخسرها القوي عددا إذا افتقد إلى السند الذي ينتمي فعلا إلى عصر "العقل العاقل". من يحارب من أجل العصر الحجري فلا هدف له تاريخيا وحضاريا وإنسانيا. وسيظل مبدأ الحرية أكبر من الخطاب الديني والعسكري كيفما كانت تجلياته ووسائل تدميره للعمران. أكتب بعض الكلمات رغم عنف السلاح، وسأستمر في الكلام رغم عنف الكلام في السياسة في بلادي. وسيظل عنف الكلام في بلادي خطرا عليها. فكثير من يؤذون بلادي بجهلهم وسطوتهم يعيشون، هم وسماسرتهم، في العصر الحجري، ولكنهم يوجدون أمام فوهة قصف المحاسبة. هكذا أحلم، والله يعلم طويتي وقصدي.