أحمد الحطاب
أولا وقبل كل شيءٍ، دعوني أوضِّحُ ما أقصده من وراءِ عنوان هذه المقالة. وفي هذا الصدد، لماذا قلتُ "عندما يتِمُّ تصديق وتقديس…"؟ لأن كثيرا من الناس، المسلمين، يُصدِّقون ما يقوله هؤلاءِ العلماء والفقهاء، سواءً كانوا على صوابٍ أو كانوا مُخطئين. بل إن فئةً من الناس المُسلمين بنوا عقيدتَهم الدينيةَ على أقوالِهم، وليس على ما ورد في القرآن الكريم. بل إن فئةً عريضةً من المسلمين أصبحوا يُقدِّسون، مثلاً، البخاري والأئمَّة الأربعة الذين اخترعوا المذاهِب والقرطبي والطبري وابن كثير من مُفسِّري القرآن الكريم وابن تيمية، صاحب فتاوى القتل…
ولو فكَّرت هذه الفئة العريضة من المسلمين عن طريق تشغيلِ عقولِها، ولو هُنيهة واحدة، لأدركت أن هؤلاء العلماء والفقهاء، القدامى على الخصوص، لا يمكن، إطلاقا، أن يُفسِّروا الأمورَ الدينيةَ، إلا انطِلاقا مما كانوا يتوفَّرون عليه من خلفيات فكرية، اجتماعِية منها وثقافية. بمعنى أن ما انتجوه من معارف دينية، ليس إلا نتيجة لِما أتاحتْه لهم هذه الخلفيات. بمعنى أن ما انتجوه من فتاوى وأحكامٍ ومعارف دينية، هو فهمُهم، هم، الذي كان مرتبطا، حَتماً، بظروف الزمان والمكان، علما إنه من المستحيل التَّفكيرُ خارجَ هذه الظروف.
أما كثيرٌ من علماء وفقهاء الدين، الحاليين، اكتفوا بتصديق ما قاله القدامى، علما أنهم لم يُعِيروا أي اهتمامٍ لِما حدث من تغييراتٍ في ظروف الزمان والمكان التي يعيشون فيها أو في إطارِها. بمعنى أن ما أنتجَه علماء وفقهاء الدين، القدامى، صالِحٌ لكل زمان ومكان، علماً أن المجتمعات الإسلامية حدثت فيها تغييراتٌ هائلة اجتماعياً، ثقافياً، اقتصادياً، علمِياً وتكنولوجياً… بل إن جلَّ البُلدان الإسلامية تبنَّت الحداثةَ la modernité في نمطِ عيشها الذي تحتلُّ فيه الوسائل التِّكنولوجية الحديثة حيِّزا واسعا. بل إن اقتصاد البلدان الإسلامية يقوم على مبادئ وأساسيات حداثية. وأكثر من هذا وذاك، كل القوانين، سواءً الدَّساتير أو القوانين المُنظِّمة للمجتمعات، هي قوانين وضعية ومُستمدَّة من القوانين الدولية.
ثمَّ ألم يخطر ببالِ هؤلاء العلماء والفقهاء أن الإنتاجَ الفكري يتطوَّر توازياً مع التغييرات التي تحدث داخلَ المجتمعات البشرية، بصفة عامة، وداخلَ المجتمعات الإسلامية، بصفة خاصة. بمعنى أن ما انتجه علماءُ وفقهاء الدين ليس إلا إنتاجاً فكرياً مثلُه مثلَ الإنتاجات الفكرية الأخرى التي يعمل بها العلماءُ والباحثون في مختلف مجالات المعرفة.
وما يجب التَّذكيرُ به هو أن التغيير الذي يحدث في المجتمعات البشرية يأتي عبر تراكم الأدلة التي تمكِّن الباحثين من الانتقال من نظرياتٍ هشة إلى نظريات صلبة.
وكأمثلةٍ حية، أذكر، أولاً، الانتقال من فيزياء نيوتن Newton المكانيكية التي اكتملت وتمَّ تجاوُزُها من طرف فيزياء إنشتاين Einstein، المعتمِدة على النسبية la relativité. ثانياً، أثناء الاحتراق، كان يُعتقد أن كل مادة قابلة للاحتراق تفقد أثناءَ هذا الاحتراق ما كان يُسمَّى الفلوجِستِك le phlogistique. ومع تراكم الحجج، تم تعويض نظرية الفلوجِستِك بنظرية الأكسدة l'oxydation لصاحِبها Lavoisier.
قد يقول قائلٌ إن الدين مختلفٌ عن العلوم الدنيوية الأخرى. نعم الدين فيه ما هو قطعي، أي ما هو ثابت وفيه ما هو مُتغيِّر، أي ما يجب أن يتكيَّفَ مع الواقع. لهذا القائل، أُجيبُ وأقول : ما جاء به القرآن الكريم، في مجال الدين، شيءٌ وفهمُه، أي إدراكه فكرياً، شيءٌ آخر. علماً أن إدراكَ أي نصٍّ، كيفما ما كان، عبارة عن عملية فكرية مرتبطة، كما سبق الذكرُ، بالخلفيات الفكرية التي يتوفر عليها القارئُ أو الباحِث أو العالِم أو الفقيه.
ولهذا، فتصديق أي باحث أو عالمٍ من علماء العلوم الدنيوية أو أي عالم أو فقيه دينٍ بدون نقد، لا يجوز، إلا إذا دعّم معارِفَه أو أنتاجَه الفكري بحُججٍ دامغة لا تقبل النقاش.
وفي هذا الشأن، يقول الائمة الأربعة، مالك وابن حنبل والشافعي والحنفي أن مدَّة حمل المرأة قد تتجاوز المدة العادية والطبيعية التي تدوم ما بين 40 و 42 أسبوعاً. بالنسبة للحنفي، سنتان وابن حنبل والشافعي، أربع سنوات وللمالكي قد تصل هذه المدة إلى خمس سنوأت.
غير أن العلمَ الحديثَ كذب هذه الادِّعاءات وبيَّن أن بقاء الجنين في رَحِمِ أمِّه أكثر من المدة المعتادة، يشكِّل خطرا على الجنين le fœtus وعلى أمه. لماذا؟
لأن المشيمة le placenta تشيخ ويتلاشى دورها في تغذية الجنين بينما السائل الأمنيوسي le liquide amniotique ينخفض حجمُه ويصبِح الجنينُ غير محمي non protégé.
إذن، كل إنتاج فكري، كان ديناً أو دُنيا، إن لم يكن معزَّزاً بحججٍ دامغة، فالنقاش حوله مُستمِرٌّ إلى أن يثبتَ أنه مطابق للعقل.