الفاعل الحقوقي محمد حمضي يقدم شهادة مؤثرة في حق الفقيدة بمناسبة تكريمها (2020)
شمعة رياضية جديدة ينطفئ نورها، بعد أن أحرقت نفسها لتضيء الطريق أمام أطفال وشباب دار الضمانة، الذين يبكون اليوم حال الرياضة بجماعتهم التي أصبحت جل فروعها مهنة من لا مهنة له.
صباح يوم 27 مارس 2026، والمغرب في خضم تنظيم حزمة من الفعاليات الفكرية والثقافية والرياضية التي تغطي التراب الوطني، تخليدا لليوم العالمي لحقوق المرأة ، الذي اختارت الأمم المتحدة أن يؤطره هذه السنة شعار " الحقوق، العدالة، العمل من أجل جميع النساء والفتيات " ستترجل بوزان قامة نسائية من صهوة الحياة... فخيتة الصبان تودع الدنيا، وتودع معها دار الضمانة التي عشقتها لحد الجنون..
شاءت الأقدار أن تلتحق بوزان كموظفة بقطاع الشباب قبل خمسة عقود أو أكثر.. لم يكن ولوج المرأة للعمل مفروشا بالورود، فبالأحرى بقطاع الشباب.. مرحلة غطت سمائها تقاليد و أعراف تغرُف من جُبِّ ثقافة التمييز القائم على النوع الاجتماعي...
فقيدة دار الضمانة اليوم، على صخرة توازنها، وتفاعلها الايجابي مع الخصوصيات المشعة للمدينة، تحطمت النظرة الدونية للمرأة، وقدمت نموذجا للمرأة المغربية المنفتحة على العصر، المنتصرة لكل ما هو مشرق في تاريخ المغرب الذي نسج خيوط استثنائيته الايجابية، نساؤه ورجاله ... ببدلتها الرياضية الأنيقة كانت تقتحم شوارع المدينة على ضيقها، زمن " الحايك والجلابة والنگاب"، وهي في طريقها نحو فضاء المركب الرياضي، ودار الشباب التاريخية للإشراف على حصص تدريب الأطفال والشباب الذين أحبوها وأحبتها أسرهم/ن ... كانت لوحدها مدْرسة رياضية، منسوب ضخها لقيم المواطنة و الوطنية و المساواة والقبول بالآخر... جد عال... لم يحمِل بطنها جنينا، ولم يرزقها الله طفلا ذكرا كان أم أنثى، ولكن حُنو قلبها ناب عن القدر، ففتحته لاحتضان أطفال دار الضمانة الذين اختزلوا حبهم/ن لها في كلمتين " ماما فخيتة".
ولَإِنْ كان المشوار الاداري زمنه محدد سلفا ، بينما الأعمار تبقى بيد الله، فإن القاسم المشترك بينهما هو النهاية.... قبل سنوات طويلة غادرت المعْلمة الرياضية المضيئة فخيتة الصبان، سلك الوظيفة العمومية... ولأنها عشقت دار الضمانة في تفاصيلها الدقيقة، فقد أبت إلا أن تستمر في استنشاق عطر دروبها، وموروثها المادي واللامادي.. الزمن يمر بسرعة، والعياء بدأ يتسرب لجسد من كانت تطوي مسافة ومساحة المدينة ومحيطها في توقيت قياسي.. ومع الأسف سيكون لحكمة "من غاب عن العين غاب عن القلب" موقع قدم في العلاقة مع القامة التي خاطت قميص الحداثة مع أهل وزان بإبرة الحكمة والتبصر والمسؤولية..
لكن ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل... الأمل هنا بلورته حركة الطفولة الشعبية التي تشكل قيمة الوفاء، وثقافة الاعتراف، ثابتا من الثوابت التي عليها يقوم صرحها.. أم الجمعيات تختار 11 مارس 2020، المتزامن مع تخليد المجتمع الدولي لليوم العالمي لحقوق المرأة، وتنظم احتفالية كبرى لتكريم فقيدتنا اليوم.. أجمعت كل الشهادات أمام الحضور الذي غصت به دار الشباب التاريخية، بأن فخيتة الصبان لم يكن مرورها عاديا بقطاع الشباب والرياضة ، لقد شكلت لوحدها قلبا ملحمة.. ولكي تظل ذاكرة نسائية حية تسترشد بها الأجيال المتعاقبة.. واعترافا لها ومن خلالها للمرأة المغربية بهذا التميز، و بمنسوب العطاء القوي الذي ضخته في أوعية دواليب الحياة الشبابية والرياضية بوزان، فقد وجهت حركة الطفولة الشعبية من فوق منصة الاعتراف، نداء للمجلس الجماعي في نسخته السابقة من أجل اطلاق اسمها على شارع من شوارع المدينة..
بين اليوم العالمي لحقوق المرأة 2020 و 2026 مسافة زمنية ليست بالقصيرة.. تغير مجلس الجماعة لونا وعدد النساء، وظل المطلب يراوح مكان... انتقلت الفقيدة إلى عفو الله ورحمته، لكن النداء ظل محافظا على راهنيته..لن يسقط بسبب التقادم.. إن الله يحب العبد الملحاح، و إن أم الجمعيات مستمرة في الترافع عن المطلب بتفعيلها لآليات جديدة أقرها دستور 2011.
في علاقة بما سبق: اللجنة الإقليمية للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية بوزان دخلت أخيرا على خط تخليد بعض الأيام العالمية (من بينها اليوم العالمي لحقوق المرأة ) ظلت سجينة النظرة الاحتفالية ، البعيدة بمسافة ضوئية عن أي اجتهاد أو ابداع يخرج مثل هذه المحطات عن الطابع الروتيني الممل ... محطات تؤطرها مقاربة الإدارة الإدارية على حساب مقاربة الإدارة المواطنة.
يقول الشاعر والكاتب الفرنسي إميل إينريكو (1889/1961) " "الأموات يظلون أحياء مادام هناك أحياء يفكرون فيهم" ، أما جون كوكتو (1889/1963) عضو الأكاديمية الملكية الفرنسية للغة والآداب فيقول بدوره " القبر الحقيقي للأموات هو قلب الأحياء " .
وستظل الرائدة فخيتة الصبان ذاكرة حية عند أهل وزان . رحم الله الفقيدة برحمتها الواسعة، وعزاء أبناء دار الضمانة فيها واحد .