لطيفة وكير.. نبض اللون ومسار فني يصوغ الحلم بين الذاكرة والحداثة

لطيفة وكير.. نبض اللون ومسار فني يصوغ الحلم بين الذاكرة والحداثة

في مدينة  الصويرة التي تنبض بالفن وتتنفس الإبداع، حيث تتحول الأزقة إلى لوحات مفتوحة على الجمال، تبرز الفنانة التشكيلية لطيفة وكير كأحد الأصوات الصاعدة التي اختارت أن تكتب مسارها بلغة اللون والوجدان، ليست مجرد فنانة، هي تجربة حية تنمو بثقة، وتشق طريقها بإصرار نحو آفاق أرحب من التألق.

 

منذ خطواتها الأولى، كان واضحا أن لطيفة تحمل شيئا مختلفا… شغفا أصيلا بالفن، ورغبة عميقة في اكتشاف أسرار اللون وتفكيك رموزه. 

 

استمدت لطيفة إلهامها من البيئة المغربية الغنية، من تفاصيل الحياة اليومية، من الذاكرة الجماعية، ومن ذلك التنوع البصري الذي يميز الهوية المغربية، فكانت لوحاتها أشبه بجسور تربط الماضي بالحاضر، وتمنح التراث روحا جديدة تنبض بالحياة.

 

وقد لعبت جمعية الصويرة موكادور دورا محوريا في بداية هذا المسار، إذ كانت أول من احتضن إبداعات الفنانة وشجعها على المضي قدما في تجربتها التشكيلية، كما أمنت لها أول معرض فني للوحاتها بقاعة الطيب الصديقي بدار الصويري، وهو الحدث الذي شكل لحظة فارقة في مسيرتها، ومنه كانت انطلاقتها الرسمية نحو عوالم الألوان والأشكال التعبيرية التشكيلية بثقة وإصرار.

 

بدأت رحلتها بتجارب ذاتية بسيطة، لكنها سرعان ما أدركت أن الفن لا يتوقف عند الموهبة فقط، وإنما يحتاج إلى صقل وتطوير مستمر، فانخرطت في ورشات فنية، وشاركت في معارض جماعية، وفتحت لنفسها نوافذ على تجارب متعددة، جعلتها تنمو بثبات وتوسع من رؤيتها الفنية، ومع كل تجربة، كانت تقترب أكثر من صوتها الخاص، ذلك الصوت الذي يميزها داخل المشهد التشكيلي.

 

ومع مرور الوقت، تبلور أسلوبها بشكل لافت، حيث نجحت في المزج بين التجريد والتعبير، وبين الحس الإنساني والرمز البصري. في أعمالها، لا يُرى اللون فقط، بل يُحس… تتجاور التدرجات اللونية الجريئة لتخلق حالات شعورية متباينة، بين السكون والاضطراب، بين الحلم والواقع، في انسجام بصري يأسر المتلقي ويدعوه للتأمل.

 

وتستحضر لطيفة وكير في لوحاتها عناصر من التراث المغربي، كالأزياء التقليدية والزخارف، لكنها لا تكتفي بإعادة إنتاجها، وإنما تعيد تشكيلها برؤية معاصرة، تمنحها أبعادا جديدة تتجاوز التوثيق نحو الإبداع الحر. إنها تكتب ذاكرة جديدة، بلغة فنية حديثة، تجعل من كل لوحة حكاية مفتوحة على التأويل.

 

ولا يقف عطاؤها عند حدود الإبداع الشخصي، بل يمتد إلى الإيمان بدور الفن في بناء الإنسان، فهي حاضرة في تأطير الورشات الفنية، والمشاركة في الأنشطة الثقافية والموسيقية، واضعة خبرتها في خدمة الأجيال الصاعدة، إيمانا منها ضرورة لتشكيل الوعي وتنمية الحس الجمالي.

 

وفي هذا السياق، لا يمكن الحديث عن تجربة لطيفة وكير دون استحضار مدينة الصويرة، هذه الحاضنة الاستثنائية للفن، والتي تُعد بحق مدينة الفن التشكيلي بامتياز، فقد استطاع فنانوها أن يحققوا إشعاعا دوليا لافتا، حيث حازوا أرقى الجوائز والشواهد العالمية التي تعترف بروعة أعمالهم ودقة إتقانهم. كما أن لوحاتهم ومنحوتاتهم وجدت طريقها إلى أشهر المتاحف وأروقة العرض في أوروبا، لتجعل من الصويرة علامة مضيئة في الخريطة الفنية العالمية.

 

وتبقى لطيفة وكير واحدة من هذه الطاقات التي تواصل ترسيخ هذا الحضور، عبر مسار فني متكامل يجمع بين الأصالة والتجديد، ويعكس قدرة الفنانة على تحويل تجربتها الشخصية إلى لغة بصرية نابضة بالحياة. إنها ببساطة… قصة فنانة تكتب ذاتها بالألوان، وتدعو العالم لقراءتها بإحساس.

 

ويُذكر أن آخر مشاركة للفنانة كانت خلال شهر مارس، بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، برواق برج باب مراكش التابع للمديرية الإقليمية للثقافة بالصويرة، حيث شاركت إلى جانب حوالي 30 فنانة تشكيلية، في لحظة فنية جسدت قوة الإبداع النسائي وتنوعه.