فطيمة فوزي
في المغرب، لا يعيش اقتصاد الرعاية في الهامش كما يروج له، بل في قلب الحياة اليومية؛ غير أن الدولة اختارت أن تبقيه خارج الاعتراف، لأنه كلما ظل غير مرئي، استمرت الاستفادة منه دون كلفة سياسية أو مالية. هنا لا نتحدث عن نقصٍ في التشخيص، بل عن بنية قائمة على إنكار العمل الذي تقوم به النساء، مع الاعتماد عليه في الآن نفسه.
هذا التناقض يتكشف بوضوح في كل لحظة أزمة. فكلما اهتز التوازن الاجتماعي أو الاقتصادي، تتقدم النساء إلى الصفوف الأمامية: في البيوت، في المستشفيات، في الأحياء الشعبية، وفي دوائر التضامن غير الرسمي. النساء لا يستدعين بقرار، بل يفترض حضورهن تلقائيا. كأن المجتمع، في لحظات الانهيار، يستند إلى “مخزون خفي” من العمل غير المدفوع. لكن ما يقدم باعتباره تضامنا، يتحول في العمق إلى تجنيد دائم بلا اعتراف.
القانون لا يغيب تماما عن هذا المجال، لكنه يحضر بشكلٍ لا يغيّر جوهر الاختلال. فـالقانون 19.12 (دولة تتغذى على عمل النساء) جاء ليؤطر العمل المنزلي، محددا سن التشغيل، وملزما بعقد عمل، ومُقِرًّا بحقوق كالعطلة والراحة. غير أن هذا الإطار يظل محدود الأثر، لأنه يشتغل داخل فضاء مغلق يصعب مراقبته، ولأنه يقبل ضمنيا بتفاوت في الأجر يكرس دونية هذا العمل. هكذا يتحول النص إلى اعتراف ناقص، لا يقطع مع الاستغلال، بل يعيد تنظيمه في حدود دنيا.
أما مدونة الشغل (دولة تتغذى على عمل النساء)، فهي بدورها تبرز حدود التصور الرسمي للعمل، حين تبقي العمل المنزلي في هامش الحماية. كأن ما يحدث داخل البيوت لا يدخل في تعريف الاقتصاد، رغم أنه شرط لوجوده. هذا الإقصاء ليس بريئا، بل يعكس ترتيبا ضمنيا للأولويات، حيث يحتفى بما يدر الربح، ويهمل ما ينتج الحياة.
وفي الاتجاه نفسه، يأتي القانون 65.15 (دولة تتغذى على عمل النساء) لينظم مؤسسات الرعاية، واضعا شروط الترخيص والمراقبة، وساعيا إلى حماية المستفيدين. غير أن محدودية هذه المؤسسات، وضعف انتشارها، وغياب تعميمها كخدمة عمومية، يجعلها عاجزة عن امتصاص الحاجة المجتمعية. فتظل الرعاية، في جوهرها، مسؤولية مُرحَّلة إلى داخل الأسر.
غير أن أخطر ما في هذا المشهد، ليس فقط استغلال العاملات المنزليات في علاقات شغل غير متكافئة، بل أيضا الاستغلال الصامت داخل البنية الأسرية نفسها. كثير من النساء، بحكم القرابة الدموية، يتحولن إلى “قوة رعاية مجانية”: أخت تستدعى لتربية أطفال غيرها، ابنة عم تقيم داخل بيت العائلة لرعاية المسنين، قريبة تتحمل عبء التمريض اليومي للأمهات والجدات… دون أجر، دون اعتراف، وأحيانا دون حتى إمكانية الرفض. هنا، لا يكون الاستغلال مفروضامن سوق الشغل، بل من منطق القرابة ذاته، الذي يعيد إنتاج الهيمنة في صيغة “واجب عائلي”.
في المحصلة، يتبين أن اقتصاد الرعاية في المغرب ليس قطاعا مهمشا فقط، بل أساس غير معلن لاستقرار المجتمع. كل ساعة رعاية غير مدفوعة، كل جهد منزلي غير معترف به، هو مساهمة مباشرة في تخفيف كلفة إعادة إنتاج الحياة. ومع ذلك، يظل هذا العمل خارج الحساب، لأن إدخاله يعني إعادة طرح سؤال العدالة: من يتحمل الكلفة؟ ومن يستفيد من هذا العمل المجاني؟
لكن إذا كان التشخيص واضحا، فإن المأزق الحقيقي يكمن في ضيق أفق الحلول التقليدية. لذلك، لم يعد كافيا المطالبة بزيادة الخدمات أو تحسين القوانين فقط، بل يجب اقتراح تحولات جذرية تستجيب لعصر رقمي يعيد تشكيل معنى العمل والقيمة.
أولا، هذه التحولات هو الانتقال من “الاعتراف الرمزي” إلى الاعتراف الرقمي الممأسس: أي إحداث نظام وطني رقمي لتسجيل عمل الرعاية غير المؤدى عنه، حيث تحتسب ساعات الرعاية داخل الأسر عبر منصات رسمية، وتحول إلى نقاط حقوقية قابلة للتحويل إلى تغطية اجتماعية أو معاش مستقبلي. بهذا، لا يبقى العمل غير المرئي خارج الزمن الاقتصادي، بل يصبح مُدرجًا في دورة الحقوق.
ثانيًا، إحداث محافظ زمنية للرعاية ، حيث يمكن للنساء (والرجال) تسجيل ساعات الرعاية التي يقدمونها، واستبدالها بخدمات أو دعم عمومي أو تخفيضات ضريبية. هذا النظام، المعتمد في بعض التجارب الدولية، يمكن رقمنته ليصبح أداة لإعادة توزيع عبء الرعاية بشكل عادل.
ثالثًا، خلق منصة وطنية رقمية للرعاية، تنظم العرض والطلب بشكل شفاف، وتربط بين الأسر ومقدّمات ومقدّمي خدمات الرعاية، مع ضمان عقود قانونية فورية، وتصريح تلقائي في الحماية الاجتماعية، وتتبع رقمي لساعات العمل. هذا من شأنه كسر العشوائية التي تجعل العمل المنزلي فضاء للاستغلال.
رابعًا، إدماج الذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية في دعم الرعاية، عبر:
تطبيقات لمواكبة المسنين عن بعد
منصات للتتبع الصحي المنزلي
أدوات رقمية لتخفيف العبء اليومي
لكن دون أن يتحول ذلك إلى ذريعة لتقليص المسؤولية العمومية.
خامسًا، إحداث دخل اجتماعي للرعاية موجه للنساء اللواتي يقمن بأعمال رعاية مكثفة داخل الأسر، يمول جزئيا من إعادة توجيه الدعم الاجتماعي، ومن مساهمات تضامنية، ليعترف بأن هذا العمل ليس واجبا أخلاقيًا فقط، بل خدمة مجتمعية.
سادسًا، فرض تعاقد أسري رمزي-قانوني في حالات الرعاية الطويلة (كالمسنين أو المرضى)، يحدد توزيع الأدوار داخل الأسرة، ويمنع تحميل العبء لشخص واحد، غالبا ما تكون النساء في صمت.
هذه المقترحات ليست تقنية فقط، بل تحمل تصوراجديداوهو نقل اقتصاد الرعاية من الهامش إلى المركز، ومن الخاص إلى العام، ومن غير المرئي إلى القابل للقياس والمحاسبة.
في النهاية، لم يعد السؤال: هل نعترف باقتصاد الرعاية؟ بل: هل نملك الشجاعة لإعادة توزيع السلطة داخله؟
لأن كل تأجيل لهذا السؤال يعني استمرار معادلة واضحة وهو أن الدولة تقلص كلفتها… والنساء يدفعن الثمن، ليس الخطر في أن يظل عمل النساء غير مرئي،بل في أن يصبح مرئيارقميا… دون أن يصبح حقا.
فطيمة فوزي/ الناشطة السياسية والحقوقية