مشاهد من موسم ركراكة بالصويرة
تنساب الحكايات على مهل، كأنها خيوط نور تنسجها الرياح القادمة من الأطلسي، وتفتح أبواب الزمن على مصراعيها. في رحاب الصويرة، لا يبدو الموسم مجرد مناسبة عابرة، وإنما طقسا حيا يوقظ في الناس شعور الانتماء، ويعيد وصل ما انقطع بين الماضي والحاضر. هناك، تتجسد ركراكة كدعوة خفية للسير في دروب لا تُرى بالعين وحدها، بل تُدرك بالبصيرة والوجدان.
في هذا السياق تستعد المنطقة لاستقبال لحظة الانطلاق الرسمية للموسم يوم الجمعة 03 أبريل 2026، بحضور السلطات الإقليمية والمحلية، في مشهد يعكس الأهمية التي يحظى بها هذا الموعد السنوي، وقد جرى الإعداد له بعناية، حيث اتُّخذت كافة التدابير الإدارية والأمنية واللوجيستيكية، لضمان مرور فعالياته في أجواء يسودها النظام والسكينة، استمرارا لما عرفته دوراته السابقة من نجاح واستقرار.
وتُبذل، في هذا الإطار، جهود كبيرة من طرف مختلف المتدخلين، من سلطات محلية، وعناصر الدرك الملكي، والقوات المساعدة، والوقاية المدنية، وأعوان السلطة، وغيرهم، حرصا على تأمين هذا الحدث وضمان تنظيمه في أفضل الظروف، بما يحفظ سلامة المشاركين والزوار ويصون الطابع الروحي للموسم.
حين تبدأ الرحلة، ينطلق “الدور” كقلب نابض، يجوب المسالك والقرى والدواوير، عابرا 44 دور (محطة)، في مسار رمزي يشبه سيرة روحية ممتدة عبر الزمن.
في كل محطة، تحضر ذاكرة الأولياء، وتتعالى الأصوات بالدعاء والذكر، كأنها رسائل نور تتردد في الفضاء، وتمنح المكان قدسيته الخاصة.
الموكب يسير في انتظامٍ مهيب، يتقدمه “المقدم”، فيما تلتف حوله الجموع في مشهد يجمع بين الوقار والاحتفاء، وتتعانق الأمداح النبوية مع إيقاع الخطى، وتتحول حلقات الذكر إلى فضاءات للسكينة، حيث يجد المشاركون لحظة صفاء نادرة. أما الأضرحة، فتظل محطات للتأمل والابتهال، تستقبل الزائرين في خشوع يليق بمقامها.
في كل محطة، تُنصب الخيمة الركراكية، لا باعتبارها رمزا متجذرا للكرم المغربي.
هناك، تُفتح القلوب قبل الأبواب، وتُقدّم الضيافة بسخاء يعكس روح التضامن والتآخي، لا فرق بين زائر ومقيم، فالجميع يذوب في هوية جماعية تُعيد تعريف معنى الانتماء.
هذا البعد الاجتماعي للموسم يتجلى في أقوى صوره، حيث تتجدد الروابط بين القبائل، وتُبعث قيم التكافل من جديد، فتتحول المناسبة إلى لحظة لقاء إنساني عميق، تُستعاد فيها معاني القرب والتواصل، في زمن باتت فيه المسافات تتسع رغم تقارب الأمكنة.
اقتصاديا، يضخ الموسم حياة متجددة في شرايين الإقليم. تتوافد أعداد كبيرة من الزوار، فتنتعش الحركة التجارية، وتزدهر قطاعات الإيواء والمطعمة والنقل والصناعة التقليدية. الحرفيون يجدون في هذه المناسبة فضاء لعرض مهاراتهم، وتحويل تراثهم إلى مصدر عيش، في توازن جميل بين الأصالة ومتطلبات الحاضر.
أما ثقافيا، فيتحول الموسم إلى فسيفساء نابضة بالحياة، حيث تتداخل الطقوس الدينية مع الفنون الشعبية ك"التبوريدة"، في مشهد يعكس ثراء التراث اللامادي المغربي. كل تفصيلة، من نغمة مدح إلى حركة موكب، تحمل في طياتها قصة، وتُسهم في حفظ ذاكرة جماعية تتوارثها الأجيال.
وفي عمقه، يظل هذا الموسم تجربة روحية فريدة، تتجاوز المظاهر الخارجية نحو رحلة داخلية يبحث فيها الإنسان عن الطمأنينة والمعنى. إنه زمن يتباطأ فيه الإيقاع، لتعلو أصوات القلب، وتستعيد الروح صفاءها.
هكذا، يستمر موسم ركراكة كجسر حي بين الأزمنة، وكشاهد على قدرة التقاليد على البقاء والتجدد.
الموسم لا يمر فقط، وإنما يترك أثره في النفوس، ويؤكد أن للذاكرة جذورا، وأن للروح مواسم تعود فيها إلى ذاتها أكثر نقاء وامتلاء.