رياض وحتيتا
في ظل التحولات العالمية المتسارعة، لم يعد موضوع الغذاء مجرد قضية إنتاج وتزويد، بل أصبح رهانا استراتيجيا يرتبط بالاستقرار والسيادة. وفي المغرب، يتجدد هذا النقاش بقوة، خاصة بعد 7 سنوات متتالية من الجفاف وارتفاع تقلبات الأسواق و الاحداث الدولية من الحرب على أوكرانيا الى إيران و لا نعلم على من الحرب القادمة، مما يطرح سؤالا محوريا: هل يكفي تحقيق الأمن الغذائي، أم أن الظرفية تفرض التوجه نحو السيادة الغذائية؟
يرتكز الأمن الغذائي على ضمان توفر الغذاء وإمكانية الولوج إليه وجودته واستقراره. وقد نجح المغرب نسبيا في تحقيق هذا الهدف، بفضل تنويع مصادر الاستيراد وتطوير بعض السلاسل الإنتاجية. غير أن تحقيق هده المعادلة يظل مرتبطا بشكل كبير بالخارج، خصوصا في المواد الأساسية، مما يجعله عرضة للصدمات الدولية وتقلبات الأسعار.
في المقابل، تطرح السيادة الغذائية مقاربة مختلفة، تقوم على التحكم في النظام الغذائي، وتقوية الإنتاج المحلي، وتمكين الفلاح و الفاعل في المجال الفلاحي من لعب دور مركزي في تحديد الخيارات الزراعية. فهي لا تطرح فقط سؤال “هل لدينا ما نأكله؟”، بل تذهب أبعد إلى “من يقرر ماذا ننتج وكيف ننتج؟” و “من يتحكم في غذائنا”، وهو فرق جوهري يعكس انتقالا من منطق التوفير إلى منطق التحكم.
وهنا يكمن الفرق الأساسي بين المفهومين: فالأمن الغذائي يركز على النتيجة (توفير الغذاء مهما كان مصدره و سعره)، بينما تركز السيادة الغذائية على القرار (التحكم في مصدر الغذاء وطريقة إنتاجه). الأول ذو بعد تقني-اقتصادي ويمكن تحقيقه عبر الاستيراد، أما الثاني فله بعد استراتيجي وسياسي، يسعى إلى تقليص التبعية وتعزيز الاستقلالية. لذلك قد تحقق دولة ما أمنها الغذائي دون أن تمتلك سيادة غذائية حقيقية.
غير أن تطبيق هذا المفهوم في المغرب يواجه تحديات حقيقية رغم أن المغرب يساهم في الامن الغذائي أيضا لدول أخرى بفضل تصدير منتجات كالطماطم، البطاطس..، ومن أبرز التحديات ندرة الموارد المائية والضغط المناخي. فالسعي نحو اكتفاء ذاتي شامل قد يكون غير واقعي أو مكلف بيئيا، مما يفرض تبني تصور مرن للسيادة الغذائية، يقوم على تحديد أولويات استراتيجية تتلاءم مع الإمكانيات الطبيعية للبلاد.
في هذا السياق، يبرز دور السياسات الفلاحية في إعادة توجيه الإنتاج نحو محاصيل أكثر تكيفا مع الجفاف، وتعزيز مكانة الفلاح الصغير، وتطوير سلاسل تسويق محلية تقلل من الهدر وتعزز الاقتصاد المجالي. وهي توجهات تنسجم مع روح الملتقى الدولي للفلاحة بمكناس، الذي يركز على الاستدامة والمرونة في مواجهة التحديات الراهنة.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بالاختيار بين الأمن الغذائي والسيادة الغذائية، بل ببناء توازن ذكي بينهما. فالأمن يضمن الاستقرار الآني، بينما توفر السيادة أفقا استراتيجيا للاستقلال. وبين هذين البعدين، تتحدد ملامح نموذج فلاحي مغربي قادر على الصمود في عالم متغير.
رياض وحتيتا ، خبير فلاحي