بنسعيد الركيبي: خطابات الرئيس ترامب والانقلاب على القيم الإنسانية

بنسعيد الركيبي: خطابات الرئيس ترامب والانقلاب على القيم الإنسانية بنسعيد الركيبي

في مشهد عالمي تتداخل فيه السياسة بالإعلام والتربية، لم تعد خطابات القادة مجرد مواقف ظرفية، بل صارت نصوصا يومية تعيد تشكيل الوعي الجماعي، وتغذي تمثلات الأجيال الصاعدة حول معنى القوة والنجاح والقيادة. وحين يصدر هذا الخطاب عن رئيس أكبر قوة عسكرية واقتصادية في العالم، فإنه يكتسب سلطة رمزية استثنائية، تجعله نموذجا للمراقبة والتقليد وإعادة إنتاجه في تفاصيل الحياة اليومية.

وداخل هذا السياق، يبرز نمط من الخطاب يقوم على السخرية الجارحة، والاستفزاز المقصود والتحدي الفج  واستعراض القوة بوصفه لغة سياسية عادية. وهذا النمط يمنح العدوانية شرعية ضمنية ويقدمها في صورة جاذبة، خاصة حين تقترن بالنجاح والنفوذ. فتصل الرسالة إلى الأطفال والمراهقين واضحة ومباشرة: الحضور القوي يرتبط بحدة الخطاب، والتفوق يتحقق عبر فرض الإرادة والتأثير يقاس بقدرة المتكلم على إرباك خصومه وإحراجهم وتمريغ كرامتهم في التراب.

وهنا يعاد تشكيل معنى القيادة في المخيال التربوي. عندما تتحول إلى ممارسة قائمة على الهيمنة، وعلى التحكم في مسار النقاش، وعلى تحويل الخلاف إلى مواجهة مفتوحة. وحينها تتراجع قيم الاحترام والتوازن، ويصعد منطق الغلبة، وستم اختزال العلاقات الإنسانية في ثنائية غالب ومغلوب، حيث تحسم المواقع وفق موازين القوة.

ويمتد هذا التحول إلى صورة القانون الدولي في وعي الناشئة، حيث يظهر كإطار قابل لإعادة التفسير تبعا لموقع القوة، فتترسخ فكرة أن القواعد تخضع لإرادة الأقوى. وهذا التمثل يربط بين الشرعية والنفوذ، ويمنح الأفضلية لمن يمتلك القدرة على فرض منطقه، وهو ما يزرع وعيا مضطربا حول معنى العدل والإنصاف. وهذه الصورة تنعكس في السلوك اليومي داخل المدرسة والأسرة والفضاء الرقمي والفضاء العام. فترتفع حدة الخطاب بين الأقران، وتتسع مساحة السخرية والتنمر كأداة للهيمنة الرمزية، ويزداد الميل إلى التصعيد عند كل اختلاف. ويتحول العنف الرمزي إلى لغة مألوفة، وتكتسب الحدة قيمة اجتماعية داخل بعض الأوساط الناشئة، مما يعكس تأثيرا مباشرا للنماذج المتداولة في الفضاء العام.

و أمام هذا التحول، تتقدم التربية بوصفها الفضاء القادر على إعادة بناء التوازن القيمي، فيتحول الخطاب العدائي إلى مادة للتحليل، وتفتح أمام الأطفال أسئلة كبرى حول معنى القوة وحدودها، ومسؤولية القيادة في حماية السلم. مما يتيح لنا فرصة الاشتغال على تنمية وعي نقدي يميز بين التأثير القائم على المسؤولية، والاستعراض الذي يقوم على التصعيد، وصولا الى إعادة ترتيب العلاقة بين القوة والقيم.

وفي هذا الأفق، تستعيد القيادة معناها كفعل يرتبط بالأخلاق، وبالقدرة على بناء التوافق وباحترام القواعد المشتركة التي تنظم العلاقات بين الأفراد والدول. فتبرز القيم الإنسانية باعتبارها مرجعية توجه الفعل السياسي، وتمنح القوة معناها المشروع حين ترتبط بحماية الإنسان وصون كرامته وتعزيز العيش المشترك.

وهكذا يتحول الخطاب العدائي من مجرد ظاهرة سياسية إلى قضية تربوية كبرى، تضع المجتمعات أمام مسؤولية إعادة تعريف النموذج الذي يجب ان نقدمه للأجيال. فعالم اليوم يصاغ بالكلمات بقدر ما يصاغ بالقرارات، والطفل والمراهق الذي يتابع هذا المشهد يبني تصوراته انطلاقا مما يسمعه ويراه. ومن هنا تبدأ المعركة الحقيقية: معركة القيم داخل الوعي.