يطرح الإنفاق العمومي على برامج الدعم مفارقة واضحة حين يقترن باستمرار ارتفاع أسعار المواد الأساسية، مما يكشف عن اختلالات عميقة في بنية توجيهه وآليات اشتغاله. ذلك أن جزءا مهم من هذا الدعم يتجه نحو عدد محدود من الفاعلين في حلقات الاستيراد والإنتاج، حيث تستفيد فئة ضيقة من الامتيازات دون أن ينتقل أثرها إلى المستهلك النهائي. فلماذا لا تنخفض الأسعار بالشكل الملموس الذي وعدت به الأغلبية الحكومية المغاربة؟ ولماذا يستمر الغلاء رغم تعدد برامج الدعم وتوالي دفعاته؟
فمثلا، تظهر معطيات مرتبطة بإعفاءات استيراد الماشية أن حوالي 13.3 مليار درهم آلت إلى جيوب 277 مستوردا، مما يعكس تمركزا واضحا للدعم في أعلى سلسلة التوزيع. كما ظل دعم النقل (8 مليار درهم) دون أثر محسوس على كلفة اللوجستيك بالنسبة للأسر. والأمر نفسه ينطبق على دعم القمح الموجه إلى المطاحن والمخابز ضمن منظومة الدقيق المدعم التي تغطي جزءا محدودا من السوق، وذلك عبر إعفاءات جمركية بلغت حوالي 10 مليارات درهم خلال سنوات الجفاف. هذا دون الحديث عن دعم غاز البوتان الذي ابتلع لوحده ما يزيد عن 16.5 مليار درهم سنة .2025
من هنا، يظهر أن الاختلال يتعمق بفعل بنية الأسواق التي تعرف درجة تركيز مرتفعة، خاصة في قطاعات اللحوم والحبوب، حيث تسمح هذه البنية بامتصاص المكاسب الناتجة عن خفض التكاليف دون تمريرها إلى الأسعار النهائية، في ظل انتقال غير متماثل للأسعار يجعلها سريعة الارتفاع بطيئة الانخفاض. وتتفاقم هذه الوضعية أيضا بفعل هيمنة قنوات توزيع غير مهيكلة، حيث تنتشر المعاملات في الأسواق الأسبوعية ومحلات الجزارة غير المنظمة، مما يضعف الشفافية ويحد من قدرة المراقبة، ويخلق بيئة تسمح بتضخم هوامش الربح نتيجة غياب تكافؤ المعلومات بين البائع والمستهلك. كما أن طبيعة أدوات الدعم نفسها تساهم في تعميق الإشكال، إذ ترتكز على إعفاءات وتخفيضات في كلفة الاستيراد دون ارتباطها بالتزامات دقيقة تخص الأسعار النهائية، مما يحول الدعم إلى ريع محتمل داخل السلسلة بدل أن يكون أداة لضبط السوق.
موازاة مع ذلك، تبرز محدودية آليات المراقبة والتتبع، حيث تتوفر الجهات المختصة على صلاحيات قانونية، غير أن القدرات التشغيلية المرتبطة بالموارد البشرية وأنظمة التتبع وفعالية العقوبات تظل دون المستوى المطلوب، وهو ما يقلل من أثر الردع داخل الأسواق، مما يزيد من تعقيدات الوضع، في غياب نظام وطني فعال لرصد الأسعار في الزمن الحقيقي، الأمر الذي يحد من قدرة صانع القرار والمستهلك على تتبع تطور الأسعار وكشف الاختلالات المرتبطة بهوامش الربح.
ولذلك، يتطلب الوضع القائم إصلاحا هيكليا شاملا يتجاوز منطق ضخ الموارد المالية في جيوب "الفراقشية"، ولصالح "السماسرة المتسلسلين"، نحو إعادة بناء منهجية التدبير. إذ يكتسب توجيه الدعم نحو المستهلك بشكل مباشر أهمية مركزية، عبر ربطه بأسقف سعرية واضحة في نقطة البيع تضمن انتقال أثره بشكل فعلي. ومن هنا تبرز "إلحاحية الرقمنة"، ودورها في تتبع المسالك التجارية، بما يسمح برصد حركة السلع والحد من تعدد الوسطاء، مع ضرورة تأطير قانوني دقيق يحدد هوية المتدخلين في سلسلة التوزيع ويحد من تضخم دور الوسطاء. كما تبرز الحاجة إلى إصلاح الإطار القانوني المنظم للمنافسة والتوزيع، بما يعزز الشفافية ويحد من الممارسات الاحتكارية، مع تفعيل آليات المساءلة والزجر في حالات الاستفادة غير المشروعة من الدعم.
ويمثل تطوير "السجل الاجتماعي الموحد" مدخلا أساسيا لتوجيه الدعم بشكل أدق نحو الفئات المستحقة، عبر الربط بين قواعد البيانات ومنظومات الدعم القطاعي، بما يحقق عدالة أكبر في التوزيع. كما يكتسي الاستثمار في البنية التحتية اللوجستية أهمية خاصة، من خلال تقليص كلفة النقل والتخزين، ودعم قدرات الإنتاج المحلي، خاصة في قطاع اللحوم الحمراء، حيث يشكل إعادة بناء القطيع الوطني رافعة أساسية لتحقيق التوازن في السوق.
وبالرجوع إلى التجارب الدولية في تدبير الدعم، فإنها تكشف عن نماذج متنوعة، حيث اعتمدت بعض الدول على الشفافية الرقمية وربط الدعم بالإفصاح عن الأسعار (البرازيل)، بينما لجأت دول أخرى إلى التدخل المباشر في السوق عبر المخزونات الاستراتيجية (الهند)، أو إلى تقليص دور الوسطاء عبر أسواق البيع المباشر (تركيا)، أو إلى اعتماد أنظمة دعم موجهة رقميا للأسر (إندونيسيا). غير أن ما يجمع بين هذه التجارب الناجحة هو أهمية الربط بين الدعم وآليات الضبط، وتوفير المعلومات الدقيقة، وتعزيز دور الدولة في تنظيم السوق بدل الاكتفاء بدور الممول.
على المستوى المغربي، وكما هو واضح، ترتبط محدودية أثر برامج الدعم ببنية توزيعية تجعل الجزء الأكبر من الامتيازات يتمركز في أعلى السلسلة (الفراقشية الحكوميون وأتباعهم)، في غياب آليات تضمن انتقاله إلى المستهلك. الأمر الذي يجعل من إعادة تصميم هذه البرامج على أساس تعاقدي يربط الدعم بهوامش الربح ويؤسس لمنظومة رقابية فعالة قائمة على الشفافية والتتبع الرقمي والمساءلة، مطلبا ملحا بما يسمح بتحويل الإنفاق العمومي إلى أثر اجتماعي واقتصادي ملموس ينعكس بشكل مباشر على القدرة الشرائية للأسر.
هذا التناقض بين الدعم وأثره ليس عرضيا، بل يعكس خللا بنيويا في طريقة تصميم وتنزيل سياسات الدعم، حيث تتحول الكلفة العمومية إلى مكاسب خاصة داخل حلقات غير شفافة من سلسلة التوزيع. فالدعم في صيغته الحالية يضخ في أعلى السلسلة، عند الاستيراد أو الإنتاج، دون آليات ملزمة تضمن انتقال أثره إلى المستهلك على النحو الضامن للأمن الغذائي والسلم الاجتماعي، مما يفتح المجال أمام ما يمكن تسميته بـ «تسرب الدعم»، حيث سحتفظ «الوسطاء» بهوامش الربح الإضافية الناتجة عن الإعفاءات أو التحفيزات؛ ذلك أن آليات السوق لا ترغم الفاعلين على تخفيض الأسعار. كما أن انتقال الأسعار داخل هذه الأسواق يتم بشكل غير متماثل؛ إذ ترتفع بسرعة عند زيادة التكاليف، بينما تتباطأ في الانخفاض عند تراجعها، وهو ما يعمق الإحساس باستمرار الغلاء رغم تحسن بعض المؤشرات.
هذا الوضع يزداد استفحالا بفعل اتساع القطاع غير المهيكل، حيث تتم نسبة مهمة من المعاملات خارج أي نظام مراقبة أو تتبع، مما يجعل ضبط الأسعار أو تحديد هوامش الربح أمرا بالغ الصعوبة، ليس لأن النص القانوني غائب، بل لأن أدوات المراقبة محدودة الفعالية، سواء من حيث الموارد البشرية أو آليات التتبع أو قوة الردع، مما يسمح باستمرار ممارسات المضاربة، حتي في القطاع المهيكل، دون تكلفة حقيقية. كما يساهم غياب نظام معلوماتي وطني لرصد الأسعار في الزمن الحقيقي في إضعاف الشفافية، وحرمان كل من المستهلك وصانع القرار من معطيات دقيقة تمكن من كشف الاختلالات. وتلعب كلفة اللوجستيك والتخزين بدورها دورا في امتصاص جزء من أثر الدعم، خاصة في ظل ضعف البنيات التحتية وتعدد الوسطاء.
وتأسيسا على كل ذلك، يتضح أن الإشكال الحقيقي الذي تعرفه برامج الدعم يكمن في العمق في "حكامة الدعم"، وفي إرادة الدولة في ضمان نجاعته التي يمكن تلخيصها في عشر نقاط مترابطة:
أولا :ربط الدعم بسقف أسعار البيع النهائي: يقتضي هذا الإجراء الانتقال من منطق «الدعم غير المشروط» إلى منطق «الدعم التعاقدي»، حيث يلزم كل مستفيد- سواء كان مستوردا أو منتجا أو موزعا- باحترام سعر أقصى محدد سلفا أو هامش ربح مضبوط. ويمكن تحقيق ذلك عبر إبرام عقود واضحة مع الدولة، تتضمن بنودا جزائية في حال الإخلال، مما يضمن انتقال أثر الدعم بشكل مباشر إلى المستهلك.
ثانيا :إرساء نظام رقمي لتتبع مسار السلع: يقوم هذا النظام على تتبع السلع عبر سلسلة القيمة كاملة، من الاستيراد أو الإنتاج إلى البيع النهائي، عبر أدوات رقمية مثل الفوترة الإلكترونية، والباركود، ومنصات التصريح الإجباري بالمعاملات. وهذا سيسمح لا محالة بكشف عدد الوسطاء، وهوامش الربح في كل مرحلة، ورصد أي تضخم غير مبرر في الأسعار؛ كما يحد من التلاعب بالفواتير أو إعادة البيع المتكرر خارج القنوات الرسمية.
ثالثا :تقوية أجهزة المراقبة وتفعيل الردع: يتطلب ذلك تعزيز عدد المراقبين وتأطيرهم قانونيا وتكوينهم في تحليل سلاسل القيمة، وتمكينهم من أدوات رقمية حديثة لرصد المخالفات القائمة «الاحتكار، المضاربات، التلاعب بالأسعار..». كما يستدعي تفعيل عقوبات زجرية حقيقية، تشمل الغرامات الكبيرة، وسحب الرخص، والمتابعات القضائية..
رابعا :إحداث مرصد وطني للأسعار في الزمن الحقيقي: يشكل هذا المرصد منصة عمومية مفتوحة تجمع بيانات الأسعار من مختلف نقاط البيع بشكل يومي أو لحظي، وتعرضها للمواطنين وصناع القرار، مما سيساهم في تقليص عدم تماثل المعلومات، وتمكين المستهلك من المقارنة، وكشف الفوارق غير المبررة بين المناطق أو الفاعلين. كما بإمكان هذا المرصد أن يوفر أداة تحليلية للدولة لرصد الاختلالات والتدخل في الوقت المناسب.
خامسا :تقليص عدد الوسطاء وتشجيع البيع المباشر: كل وسيط إضافي يضيف كلفة وهوامش ربح جديدة. لذلك يهدف هذا الإجراء إلى تقصير السلسلة عبر دعم البيع المباشر من المنتج إلى المستهلك، سواء من خلال أسواق نموذجية، أو تعاونيات، أو منصات رقمية تربط الطرفين. هذا التوجه يعزز دخل المنتج من جهة، ويخفض السعر النهائي من جهة أخرى، ويحد من هيمنة شبكات الوساطة غير المنظمة.
سادسا :إصلاح أسواق الجملة والمجازر: تعاني هذه الفضاءات من اختلالات بنيوية تتعلق بالتنظيم والشفافية، مما يفرض تحديث البنية التحتية، واعتماد أنظمة رقمية لتسجيل المعاملات، وفرض قواعد واضحة للولوج والتسعير، وذلك لتسريع إنهاء الممارسات غير الرسمية داخل هذه الأسواق، وضمان تتبع المنتجات من المصدر إلى المستهلك، خاصة في ما يتعلق باللحوم والمنتجات الفلاحية.
سابعا: تفعيل «السجل الاجتماعي الموحد» وتوجيه الدعم المباشر: يسمح هذا النظام باستهداف دقيق للأسر المستحقة، عبر قواعد بيانات محدثة تعتمد معايير موضوعية، مما سيقلص من تسرب الدعم عبر الوسطاء، ويضمن عدالة توزيعه. كما يتيح مرونة أكبر في تعديل سياسات الدعم حسب تطور الأوضاع الاجتماعية.
ثامنا: مراجعة الإطار القانوني للمنافسة والتوزيع: يتطلب ضبط السوق إطارا قانونيا حديثا يحد من التركيز الاقتصادي، ويمنع الممارسات الاحتكارية، ويعالج تضارب المصالح داخل سلاسل التوزيع. ويشمل هذا الإطار تقوية قوانين المنافسة، وتوسيع صلاحيات الهيئات التنظيمية، وفرض الشفافية في الصفقات والمعاملات، بما يعزز بيئة تنافسية حقيقية تدفع نحو خفض الأسعار.
تاسعا: الاستثمار في البنية التحتية اللوجستية: تشكل كلفة النقل والتخزين جزءا مهما من السعر النهائي، مما يقتضي تطوير شبكات النقل، وتوسيع قدرات التخزين، خاصة التبريد، وتقريب الأسواق من مناطق الإنتاج، مما سيفضي إلى تقليص الهدر الغذائي، ويحسن كفاءة التوزيع، ويخفض الكلفة الإجمالية..
عاشرا: دعم الإنتاج الوطني وتعزيز الاكتفاء الذاتي، ذلك أن تقليص الاعتماد على الاستيراد يحد من تأثر الأسعار بالتقلبات الدولية، ويمنح الدولة هامشا أكبر في التحكم في السوق. كما يساهم في خلق توازن مستدام بين العرض والطلب، وهو الشرط الأساسي لاستقرار الأسعار. ولذلك، فإن الحل الهيكلي طويل المدى يكمن في تقوية العرض المحلي، عبر دعم الفلاحين، وتحسين الإنتاجية، وتوفير الأعلاف، وتطوير سلاسل الإنتاج.
تكشف مفارقة استمرار الغلاء رغم برامج الدعم، إذن، عن خلل عميق في حكامة هذه السياسات، حيث يتعثر انتقال الأثر من منبعه إلى المستهلك داخل سلاسل توزيع غير شفافة ومشبعة بالوسطاء، الأمر الذي يوضح أن جوهر الإشكال يرتبط بشكل أوضح ببنية التوزيع وآليات التتبع والمساءلة، أكثر من ارتباطه بحجم الموارد المرصودة.
وهذا يقتضي هندسة جديدة لبرامج الدعم وإعادة تصميمها على أسس تعاقدية ورقمية ورقابية تضمن ربط الامتيازات بالسعر النهائي، وتحد من اقتصاد الريع، وتعيد التوازن إلى السوق، بما يجعل القدرة الشرائية في صلب السياسة العمومية.
تفاصيل أوفى تجدونها في العدد الجديد من أسبوعية "الوطن الآن"
رابط الفيديو هنا 👇🏿
https://anfaspress.com/alwatan/pdf-view/432-2026-03-31-06-08-04