نبيل عادل
منذ سنة 2018، دخل المغرب تجربة زمنية فريدة من نوعها: قررنا أن نسبق الشمس بساعة طوال السنة تقريباً، ثم نعود فجأة إلى التوقيت الطبيعي في رمضان فقط، وكأن أجساد المغاربة لا تستحق الرحمة إلا حين تكون صائمة. وهكذا أصبح المواطن المغربي يعيش تجربة حضارية متقدمة جداً: ساعة اقتصادية أوروبية في تدار بمنطق السوق، وساعة بيولوجية مغربية في الجسد، وساعة دينية رمضانية تجعلنا نحس برحمة الإسلام علينا. تنسيق زمني ثلاثي الأبعاد لا تملكه حتى وكالة ناسا.
القرار قُدِّم للمغاربة باعتباره خطوة عقلانية لتسهيل التنسيق مع أوروبا، التي تمثل أكثر من 60% من المبادلات التجارية. فكرة جميلة جداً: بدل أن نُقنع السوق الأوروبية بمقومات أكثر صلابة، قررنا أن نعذب 40 مليون مغربي طيلة السنة، لا يرحمهم سوى الشهر الفضيل.
لكن قبل أن نصل إلى أوروبا، دعونا نمر أولاً على المدرسة الابتدائية في حي مغربي بسيط في صباح شتوي. هناك، يمكن مشاهدة العبث الحقيقي للساعة الإضافية: أطفال يخرجون في الظلام، حقائب أكبر من ظهورهم، ووجوه شاحبة كأنهم عائدون من مناوبة ليلية في مصنع، لا متوجهون إلى درس القراءة. يا لها من لحظة تربوية مؤثرة! أي أب لا يشعر بالفخر وهو يرى ابنه يتحدى الليل والبرد والنعاس من أجل “الاندماج الاقتصادي مع أوروبا”؟
غير أن النقاش الحقيقي بدأ حين انتقل الموضوع من مكاتب التنسيق الاقتصادي إلى أبواب المدارس صباحاً. هناك تحديداً يظهر الوجه الآخر للقرار: أطفال يغادرون بيوتهم في عتمة الشتاء، وأسر تعيد ترتيب يومها حول ساعة لا علاقة لها بالشمس المحلية إلا بقدر ما تسمح به الجغرافيا السياسية. تجربة يومية صغيرة لكنها كافية لتذكير الجميع بأن الزمن ليس سوى معادلة تجارية.
الحقيقة أن الدراسات نفسها تقول إن نقص النوم لدى التلاميذ قد يصل إلى أكثر من نصف ساعة يومياً بسبب هذا الاختلال الزمني. لكن لا بأس. نصف ساعة يومياً ليست شيئاً كبيراً. فقط ثلاث ساعات ونصف أسبوعياً. فقط خمس عشرة ساعة شهرياً. فقط مئة وخمسة وستون ساعة سنوياً من التعب المزمن والعذاب المتواصل. لكنها تفاصيل صغيرة في طريق التحديث.
فالتحاليل الدولية تشير إلى ارتفاع في اضطرابات المزاج وأمراض القلب والسمنة حين يكون التوقيت متقدماً دائماً عن الشمس، وأن التوقيت الشتوي الطبيعي هو الأفضل صحياً. لكن مرة أخرى، نحن لسنا أي دولة. نحن دولة اختارت أن تكون متقدمة ساعة عن الشمس نفسها، فكيف لا تكون متقدمة صحياً أيضاً؟
ثم هناك الأسر المغربية، التي تعيش أجمل لحظاتها مع الساعة الإضافية. الأم تحاول إيقاظ الأطفال قبل الفجر الإداري، والأب يحاول إقناع نفسه أنه استيقظ فعلاً، والجميع يتحرك داخل البيت وكأنهم ممثلون في فيلم أبيض وأسود. إنها لحظات دفء أسري لا تُقدَّر بثمن. من قال إن الساعة الإضافية تفسد الروتين العائلي؟ بالعكس، هي تمنح الأسرة تجربة جماعية يومية في مقاومة النعاس.
أما في القرى، حيث يخرج الأطفال إلى المدارس قبل شروق الشمس بزمن طويل، فالأمر أكثر روعة. هناك يتعلم الطفل المغربي مبكراً مهارة استراتيجية: الرؤية في الظلام بثقة. مهارة مفيدة جداً في القرن الحادي والعشرين. وطبعاً، كل هذا يحدث مقابل توفير طاقي كبير جداً… يصل في بعض التقديرات إلى حوالي نصف في المائة فقط من الاستهلاك الوطني للكهرباء. نعم، نصف في المائة. إنجاز تاريخي يستحق أن نضبط له ساعاتنا البيولوجية جميعاً.
يقال أيضاً إن الساعة الإضافية ترفع الإنتاجية. لكن بعض الدراسات الحديثة، التي تابعت نشاط مئات الآلاف من العاملين عبر العالم، وجدت أن الإنتاجية الصباحية تنخفض فعلاً بسبب الإرهاق المرتبط باختلال النوم. وهذا منطقي جداً. الموظف الذي يصل إلى مكتبه وهو ما يزال يتفاوض مع جسده حول معنى الاستيقاظ، لا يمكن إلا أن يكون في قمة عطائه.
لكن لا بأس. نحن لا نقيس الإنتاجية بالصباح في مصانعنا واداراتنا. نحن نقيسها بالتزامن مع أوروبا.
ويزداد المشهد حسا فكاهيا فريدا، حين نكتشف أن المغرب لا يكتفي باعتماد توقيت صيفي دائم كما فعلت بعض الدول سابقاً، بل يضيف إليه استثناءً زمنياً موسمياً مضبوطاً بدقة فلكية-شعائرية خلال شهر رمضان. فنحن تقريباً الدولة الوحيدة التي استطاعت أن تُبرم تسوية رسمية بين السوق الأوروبية والساعة البيولوجية للصائم، في نموذج زمني هجين يجمع بين منطق البورصة ومنطق الإفطار. تجربة زمنية متقدمة إلى حدّ أن الطالب المغربي قد يحتاج في درس الجغرافيا إلى خريطة للعالم، وفي درس الفيزياء إلى مخطط للساعة الشمسية، وفي درس التربية الإسلامية إلى تقويم رمضان… فقط ليفهم لماذا استيقظ اليوم أبكر من أمس بساعة، ثم سيستيقظ غداً أبكر من اليوم بساعة أخرى.
والأجمل من ذلك أن هذا النظام نفسه يتضمن اعترافاً رسمياً ضمنياً بأن التوقيت الطبيعي أكثر ملاءمة للإيقاع البيولوجي والاجتماعي — لكن لمدة شهر واحد فقط في السنة. ففي رمضان، تعود الشمس فجأة إلى مكانها الصحيح في حياة المغاربة، ويكتشف الجميع أن الصباح يمكن أن يبدأ مع الضوء، وأن الخروج إلى المدرسة أو العمل دون عتمة كثيفة ليس فكرة ثورية. ثم، بعد نهاية الشهر مباشرة، تعود الساعة إلى موقعها الأوروبي بكل انضباط، وكأن المجتمع أخذ “استراحة زمنية تقنية” قبل العودة إلى البرنامج الأصلي. وهكذا أصبح المغرب البلد الوحيد تقريباً الذي يطبق توقيتاً اقتصادياً طوال السنة… مع فترة صيانة بشرية قصيرة كل رمضان.
المثير في الموضوع أن التجربة ليست مغربية خالصة. تركيا سبقتنا إلى اعتماد التوقيت الصيفي الدائم، وظهرت فيها نفس الشكاوى: ظلام صباحي، تعب، نقاش اجتماعي مستمر. روسيا جربت التوقيت نفسه ثم تراجعت عنه بعد احتجاجات واسعة. المكسيك تخلت عن تغيير الساعة أصلاً. وحتى الاتحاد الأوروبي نفسه صوّت منذ سنوات لإلغاء تغيير الساعة مرتين سنوياً، لكنه ما زال يناقش أي توقيت يجب اعتماده.
أما نحن، فقد حسمنا الأمر بسرعة مذهلة: سنعيش ساعة إضافية دائماً… مع استراحة قصيرة في رمضان فقط، لأننا اكتشفنا فجأة أن التوقيت الطبيعي مفيد للصائمين. وهي ملاحظة علمية دقيقة فعلاً. فقط يبقى السؤال الصغير: هل التوقيت الطبيعي مفيد للصائمين فقط؟
الأطرف من ذلك أن معظم دول العالم أصلاً لا تغير ساعاتها إطلاقاً. أكثر من تسعين في المائة من سكان العالم يعيشون بتوقيت ثابت. لكن المغرب اختار أن يكون ضمن الأقلية المبدعة زمنياً.
ولأننا بلد يحب الابتكار، اخترعنا نموذجاً خاصاً: توقيت اقتصادي أوروبي، مع استثناء ديني رمضاني، وتأثير اجتماعي محلي، ونقاش صحي عالمي، وروتين يومي يتكيف بصمت. نموذج متكامل يصعب تقليده.
يُعد موقع المغرب الجغرافي عند خط عرض يتراوح بين 30 و35 درجة شمالاً من أكثر الحقائق العلمية وضوحاً… وأكثرها غياباً عن النقاش حول اعتماد GMT+1 بشكل دائم. فقد بيّنت دراسة منشورة سنة 2019 في Scientific Reports أن التوقيت الصيفي الدائم يناسب أساساً الدول البعيدة شمالاً حيث يتغير طول النهار بشكل كبير بين الفصول، بينما يصبح أقل ملاءمة كلما اقتربنا من خط الاستواء، لأن الظلام الصباحي الشتوي هناك يتحول إلى عبء يومي مباشر على النوم والتركيز والإنتاجية. ومع ذلك اختار المغرب، بهدوء وثقة، أن يطبق وصفة زمنية صُممت أساساً لإسكندنافيا تقريباً، ثم بدأ يتساءل لاحقاً لماذا لا تستجيب الشمس المغربية للمنطق الأوروبي الإداري كما ينبغي.
ويستمر النقاش كل سنة تقريباً، لأن الناس لا يناقشون الأرقام فقط، بل يناقشون حياتهم اليومية. يناقشون نوم أطفالهم، وتركيزهم في المدارس، وإيقاع أسرهم، وإحساسهم البسيط بأن النهار يجب أن يبدأ مع الضوء، لا قبله.
لكن ربما هذا مجرد تفصيل صغير في مشروع أكبر: مشروع الانتصار على الزمن نفسه. لقد نجحنا فعلاً في شيء واحد على الأقل. نجحنا في أن نثبت أن المغاربة قادرون على التعايش مع ساعة لا تشبه شمسهم… ولا تشبه أجسادهم… ولا تشبه يومهم الطبيعي.
وذلك إنجاز زمني لا تحققه إلا حكومة عبقرية ولا يفرض الا على شعب شديد الصبر.
نبيل عادل، أستاذ باحث في الاقتصاد والعلاقات الدولية
عضو المجلس الوطني للحركة الشعبية