عبد الجليل أبوالمجد
استوقفتني كثيرا التقارير الأخيرة المتعلقة بالسعادة الصادرة برعاية الأمم المتحدة، لاسيما تقرير السعادة العالمي لعام 2026، حيث تراجع المغرب إلى أسوأ مركز له على الإطلاق، إذ حل في المركز الـ 112عالميا، من أصل 147 دولة و11 بين دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، متأخرا بذلك عن البحرين (55)، سلطنة عمان (58)، ليبيا (81)، الجزائر (83)، العراق (95)، تونس. (105)
ويعتمد التقرير على مجموعة من المعايير التي تشمل مستوى الدخل، والحالة الصحية، والشعور بالحرية، ودرجة الثقة في المؤسسات، إضافة إلى كرم الأفراد وإدراك الفساد.
ومن الأسئلة التي تطرح في هذا السياق لماذا يواصل المغرب التقهقر في مؤشر السعادة؟ وهل حقا المواطن المغربي غير سعيد؟ ولماذا سيزيف؟ وما علاقته بالإنسان المغربي؟
قصة سيزيف Sisyphe هي من أشهر الأساطير الإغريقية القديمة وسيزيف كان محاربا بارعا وماهرا وتميز بالمكر والدهاء. وكان زيوس كبير الآلهة عند الإغريق يحبه ويحكي له أسراره ومغامراته، وذات يوم أراد سيزيف أن يزيح زيوس من عرشه، فأفشى بأسراره، وتقول الأسطورة إن كبير الآلهة غضب على "سيزيف" وحكم عليه حكما غريبا. حكم عليه أن يحمل صخرة من سفح جبل وينقلها إلى قمة الجبل على مائة مرحلة، وعندما تبلغ الصخرة قمة الجبل تسقط من جديد إلى أسفل ليعود سيزيف إلى نقلها مرة أخرى، تتكرر القصة كل يوم.
وتمثل الصخرة التي يحملها "سيزيف" القيود المادية والمعنوية التي يفرضها المرء على نفسه، طوعا أو كرها، أو يفرضها المجتمع، فتصبح أثقالا تحد من حركة الناس وتمنعهم من السعادة من المهد إلى اللحد.
وتكمن أهمية قصة "سيزيف"، في كونها كانت مصدر إلهام لعديد من كبار الكتاب والفنانين في العالم، كتعبير عن المشقة التي يلقاها البشر في حياتهم. ومن أنبه هؤلاء المُبدعين، المفكر والأديب الفرنسي ذائع الصيت ألبير كامو (1960-1913) Albert Camus، حيث كتب مقالا فلسفيا سماه "أسطورة سيزيف" يقول فيه: "إن ما يهمني من سيزيف تحديدا هو هذه الوقفة وتلك العودة، هو ذلك الوجه القريب من الصخور والمتألم ليصبح هو نفسه كالصخرة، فأتخيل ذلك الإنسان وهو يعاود النزول بخطى ثابتة ومثقلة نحو ذلك العذاب الذي لا نهاية له ".
في حياة المواطن المغربي اليومية بعض من صور عذاب سيزيف. دائرة مغلقة نقطة البداية هي نقطة النهاية، وهي نفس الصخرة، نفس الألم والمعاناة والمشقة اليومية، فالمغربي البسيط أثقلت كاهله الهموم والمشاكل، وناءت بظهره الأحزان، واسودت الدنيا في عينيه لما حل به من متاعب وكثرة الهموم في التعليم، والصحة، والعمل، والنقل، والغلاء والتضخم، والسياقة، والأمراض الجسدية والنفسية المتفشية، وكأنه يحمل فوق كتفه صخرة سيزيف الأسطورية المضنية الثقيلة التي أنهكته.
فبعد أن كنا قاب قوسين أو أدنى من الهدف المنشود في الحرية والعدالة والرفاه النفسي والاجتماعي، تدحرجت الصخرة إلى الأسفل وعدنا إلى نقطة البداية، وكأننا ندور في حلقة مغلقة نتخبط في نفس المشاكل والمتاعب بشكل متواصل.
إن حال المغربي في الوقت الراهن يجسد نموذج واقعي لأسطورة "سيزيف"، فالمواطن المغربي لا يمكن ان يكون سعيدا ومحنه تتكرر بشكل روتيني مع المدارس والجامعات والمستشفيات وأمام الإدارات.
وعلى العكس من سيزيف ألبير كامو الذي كان سعيدا بعقابه، يبدو الإنسان المغربي البسيط منهكا شقيا، لأنه يدرك أن الطريق إلى الأمل المنشود طريق آخر، له مساره وزمنه. وكذلك رجاله.
وهكذا فسيزيف المغربي في عذاب يومي يحمل صخرة الهموم، فاقد الأمل، ضائع الهوية، وهو في حالة خوف من مستقبل مجهول.
فمتى سيفرح سيزيف المغربي ويرتاح من صخرة المتاعب والهموم! أم هذا قدره كقدر سيزيف المعذب!