ليلى رحيوي: كمال الحبيب.. "صوت من لا صوت له"

ليلى رحيوي: كمال الحبيب.. "صوت من لا صوت له" جانب من اللقاء

بمبادرة من المنظمة المغربية لحقوق الإنسان ( فرع بني ملال) و بتعاون مع كلية الآداب والعلوم الإنسانية ( جامعة السلطان مولاي سليمان) تم تنظيم حفل تكريمي للفاعل الحقوقي و الجمعوي الحبيب كمال يوم الجمعة 27 مارس 2026 بقاعة المحاضرات بالكلية بحضور حشد هام من الأساتذة والطلبة و فعاليات مدنية و سياسية و إعلامية ، و خلال هذا اللقاء قدمت بعض الشهادات في حق المحتفى به ، نورد هنا شهادة إحدى الصديقات المقربات من المحتفى به ، و يتعلق الأمر بالمناضلة النسائية و الخبيرة الأممية الأستاذة: ليلى رحيوي

 

من الصعب جداً الحديث عن كمال!

شهادتي، في بضعة أسطر، لا يمكن أن تُنصف حجم التزامه طوال حياته إلى جانب من لا صوت له. وقد اخترتُ أن أُعنون شهادتي بـ "كمال، صوت من لا صوت له"، لأنها إحدى السمات التي أود إبرازها فيه.

كمال شخصية متعددة الأبعاد ومتقاطعة الاهتمامات في نضاله؛ يحتضن كل القضايا، فهو صوت كل من لا صوت لهم، أو الذين لا يُسمع صوتهم أو لا يُعتدّ به. ومن المستحيل حصر كل معاركه.

لكن الشهادة عن شخص ما تعني أيضاً الحديث عن الذات. فقد رافقتُ كمال في جزء من المسار، ضمن دينامية تأسيس الفضاء الجمعوي، ثم منتدى بدائل الجنوب. كنتُ حينها منخرطة في الدفاع عن حقوق النساء، وأسعى إلى توسيع هذا النضال ليشمل المساواة بين الجنسين ضمن مشروع أشمل لبناء ديمقراطي. فالدفاع عن حقوق النساء جزء لا يتجزأ من النضال من أجل مجتمع يتمتع فيه النساء والرجال بحقوق متساوية. وقد أتاحت دينامية تأسيس الفضاء الجمعوي إدراج قضية المساواة ضمن ركائز هذا العمل الجماعي.

كان تأسيس الفضاء الجمعوي إلى جانب كمال وأصدقاء آخرين تجربة رائعة، اشتغلنا خلالها لسنوات على تقوية قدرات الجمعيات، وهيكلتها، وتحسين حكامتها، مع الحرص على إدماج البعد النسوي داخل النسيج الجمعوي.

كان اقتناع كمال العميق، الذي رافقه طيلة مساره النضالي، هو أن التغيير سيأتي من مجتمع مدني حقوقي، منظم، يقظ ومستقل. ومن هنا نفهم تعدد التزاماته: مناهضة زواج القاصرات، الدفاع عن حقوق الأمهات العازبات، حماية حقوق السجناء، الدفاع عن ذوي الحقوق في الأراضي السلالية، دعم المشاركة السياسية للنساء والشباب، محاربة العنف ضد النساء، والنضال من أجل العلمانية، والعدالة المناخية... والقائمة طويلة. لقد كان حاضراً تقريباً في كل المعارك، ومشاركاً في تأسيس العديد من الجمعيات والتكتلات.

من أول قافلة للحقيقة حول سنوات الرصاص بتازمامرت، إلى دعم خطة إدماج المرأة في التنمية، إلى "ربيع المساواة" من أجل إصلاح مدونة الأسرة، و"ربيع الكرامة" لإصلاح القانون الجنائي، إلى محاربة الفساد، والدفاع عن العدالة الاجتماعية والمناخية، والتوزيع العادل للثروات بين الجهات، والدفاع عن حقوق المهاجرين، والمطالبة بمراقبة مستقلة للانتخابات... ساهم كمال في كل ذلك. كان ولا يزال بنّاءً لا يكل، جامعاً للطاقات، سخياً، إنسانياً ومتضامناً، ومؤمناً بقوة العمل الجماعي. حمل الحركة البديلة في المغرب والمغرب الكبير، وربطها بالحركة العالمية من أجل عالم آخر ممكن. كان ولا يزال يؤمن بأن الشعوب تتقاسم نفس المعاناة ويمكنها بناء جسور التضامن، فكان حلقة وصل بين النضالات المحلية والدولية في مواجهة العولمة.

يُحسب لكمال أيضاً الإسهام في إخراج عدد من القوانين إلى حيز الوجود، مثل قانون الجمعيات، ومبدأ المراقبة المستقلة للانتخابات.

 

932d9932-a054-4d8e-a6c8-783ae86ac2c8.jpeg

 

 

كمال كذلك رجل المواقف الشجاعة، وصوت النقد البنّاء؛ فقد انتقد النظام الجبائي المغربي في علاقته بالعمل الجمعوي، ودافع عن شفافية تمويل الجمعيات. مواقفه دائماً مبنية على معطيات دقيقة وأرقام، يحرص على تقديمها لتوضيح حجم التحديات.

وكمال أيضاً الحكيم، رجل الحوار، الوسيط الذي يُلجأ إليه في الأزمات لتقريب وجهات النظر وإصلاح ذات البين؛ ونستحضر هنا مثلاً حراك الريف.

لقد كان النضال إلى جانب كمال مدرسة حقيقية بالنسبة لي: مدرسة الحكمة، والانضباط، والنزاهة، وقبول الاختلاف واحترامه، ومدرسة النفس الطويل، لأنه لا بد منه للحفاظ على الإيمان بإمكانية التغيير.

شكراً كمال، لأنك تجعلنا نؤمن من جديد بأن العمل الجمعوي عمل نبيل، في زمن يطغى فيه اليأس. تمنحنا الأمل بأن التغيير قادم لا محالة.