جمال العزيز: تمكين النساء مدخل أساسي لإصلاح التزكيات الحزبية

جمال العزيز: تمكين النساء مدخل أساسي لإصلاح التزكيات الحزبية الدكتور جمال العزيز

التزكيات الحزبية مرآة تعكس  نضج الممارسة الديمقراطية، ومؤشر على قدرة الأحزاب السياسية على إنتاج نخب ذات مصداقية وكفاءة. ذلك أن الخلل في منطق التزكية ينعكس على التمثيلية و جودة العمل التشريعي برمته، ويغذي في الآن ذاته مظاهر العزوف وفقدان الثقة في الفعل السياسي.

 

إن الإرتقاء بمنظومة التزكيات البرلمانية يفرض الإقرار بوجود أعطاب بنيوية لازالت تطبع هذه العملية داخل عدد من الأحزاب، حيث تغلب اعتبارات التوازنات الداخلية والولاءات الضيقة ومنطق الجاهزية الإنتخابية على حساب الكفاءة و الإستحقاق. وهو ما يجعل المنهجية الديمقراطية غائبة في الممارسة.

 

من هنا، تبرز الحاجة إلى تبني مقاربة شمولية تقوم على إرساء مساطر واضحة وشفافة في منح التزكيات، تضمن تكافؤ الفرص بين المناضلين، وتربط المسؤولية بالكفاءة، وتفتح المجال أمام الطاقات الجديدة للمساهمة في تجديد النخب السياسية. فالرهان الحقيقي هو القدرة على تحويل الإستحقاقات الإنتخابية لعرس ديمقراطي ، لإعادة بناء الثقة بين المواطنين والعمل الحزبي (الثقة في المؤسسات).

 

وعند استحضار التجارب المقارنة في عدد من الديمقراطيات الراسخة، يتضح أن مسطرة التزكية تخضع في الغالب لقواعد مؤسساتية دقيقة، تتراوح بين الإنتخابات التمهيدية كما هو معمول به في الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية، أو عبر لجان مستقلة داخل الأحزاب تعتمد معايير مضبوطة تتعلق بالكفاءة والمسار النضالي والنزاهة. كما أن إشراك القواعد الحزبية في عملية الإختيار يظل عنصرا حاسما في ضمان الشفافية والمصداقية، مما يحد من منطق التعيين الفوقي ويعزز الشعور بالإنتماء والمشاركة.

 

غير أن استلهام هذه النماذج يتطلب تكييفها مع الخصوصيات المغربية ، في إطار رؤية إصلاحية متدرجة، قوامها ترسيخ الديمقراطية الداخلية وتفعيل آليات المحاسبة وتعزيز استقلالية القرار الحزبي عن مختلف أشكال التأثير غير المشروع.

 

وفي صلب هذا النقاش، تبرز قضية التمكين السياسي للنساء كمدخل أساسي لأي إصلاح حقيقي لمنظومة التزكيات. إذ لا يمكن الحديث عن ديمقراطية مكتملة في ظل استمرار ضعف تمثيلية النساء في المؤسسات المنتخبة، أو حصر حضورهن في آليات تكميلية كاللائحة الجهوية. إن المطلوب اليوم هو الإنتقال إلى مرحلة جديدة، يتم فيها منح النساء تزكيات فعلية في الدوائر الإنتخابية، باعتبارهن فاعلات سياسيات كاملات الأهلية و قادرات على خوض غمار التنافس الإنتخابي وتحقيق نتائج وازنة.

 

وفي هذا الإطار، تسجل جهة سوس ماسة سابقة ذات دلالة سياسية مهمة جهويا ، من خلال اختيار وكيلتين لحزب التجمع الوطني للأحرار، في خطوة تعكس إرادة واضحة لكسر الأنماط التقليدية في تدبير التزكيات، وإرسال إشارات إيجابية بخصوص الإنفتاح على الكفاءات النسائية التي راكمت تجارب مؤسساتية لتمكينها من مواقع القرار. وهي مبادرة و إن كانت رمزية، إلا أنها تؤسس لتحول نوعي في الثقافة الحزبية، إذا ما تم تعميمها وترسيخها.

 

إن تجديد النخب السياسية يظل رهينا بمدى قدرة الأحزاب على القطع مع الممارسات التقليدية، والإنفتاح على كفاءات جديدة، شبابية ونسائية، قادرة على مواكبة التحولات المجتمعية وصياغة أجوبة مبتكرة للتحديات الراهنة. كما أن إشراك الجميع على قاعدة تكافؤ الفرص، يشكل مدخلا أساسيا لمحاربة العزوف السياسي، الذي لا يمكن فصله عن الإحساس بالإقصاء وغياب العدالة في الولوج إلى مواقع المسؤولية.

 

إن الإرتقاء بمنظومة التزكيات الحزبية ورش سياسي بامتياز، يرتبط بإعادة بناء الثقة في المؤسسات، وتجديد النخب، وترسيخ ديمقراطية حقيقية تبدأ من داخل الأحزاب. فبقدر ما تكون التزكية تعبيرا عن الإرادة الجماعية والمعايير الموضوعية، بقدر ما تساهم في إفراز تمثيلية قوية وذات مصداقية، قادرة على الإضطلاع بأدوارها الدستورية بكفاءة ومسؤولية.

 

إن الرهان اليوم هو ترسيخ منطق البناء المؤسسي، والإنتقال من  ديمقراطية الواجهة إلى ديمقراطية الممارسة،لفتح آفاق جديدة أمام العمل السياسي، والتأسيس لمرحلة قوامها الثقة و الكفاءة والإنصاف.