أحمد المطيلي
تستأثر الصحة النفسية للزعماء السياسيين باهتمام بالغ في أيامنا هذه، وتعلو الأصوات الداعية إلى التحقق من السلامة العقلية لمن يسعى منهم إلى إشعال نار الفتنة وقرع طبول الحرب. وعلى ذلك صارت مسألة السلامة العقلية لهؤلاء الزعماء مثار شكوك كثيرة ومخاوف متزايدة من أن تفضي قراراتهم إلى مخاطر تهدد السلم العالمي إن عاجلا أو آجلا. فلا جرم أن يشترط غير واحد من العقلاء إجراء فحوص نفسية وخبرات عقلية لمن يتقدم لمنصب الرئاسة أو يتولى زمام الحكم وبالخصوص في الدول الصناعية الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي.
ويتصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قائمة الزعماء السياسيين الذين لفتوا أنظار الرأي العام الدولي في الآونة الأخيرة، وما ذلك إلا لما اتسمت به شخصيته من اختلال وتناقض ولما يبدو عليه من تخبط في أقواله وأفعاله وتقلب سريع في مزاجه. هذا إلى صلف وعُجْب وادعاء وخُيلاء يحمله حملا على اعتلاء المنابر والمجاهرة بما يحلو أن يتفوه به بمناسبة وغير مناسبة دونما روية أو تعقل ؛ فما أن يقر رأيه على أمر اليوم حتى ينقضه نقضا في الغد على نحو يبعث على الدهشة والاستغراب حتى من أقرب المقربين إليه. وهو فوق ذلك لا يني في الانتشاء بانتصارات موهومة وبفتوحات مذهلة تشي بامتلائه بذاته وتزكيته لنفسه ؛ فهو القائد الملهَم لأعظم أمة ولأعتى جيش وكأنه فريد عصره ووحيد زمانه !
لقد ابتدأ حملته الانتخابية بالدعوة إلى استعادة أمجاد بلاده مناديا بملء شدقيه : "أمريكا أولا"، وقد تأتى له أن يلغي اتفاقات ويبرم أخرى وأن يجدد خطط الأمن القومي ويرفع ميزانية الدفاع العسكري ويوسع القدرات النووية والفضائية على نحو غير معهود. ولما نجح في ولايته الثانية واستتب له الأمر شن حربا شعواء على المهاجرين غير الشرعيين منعا وقمعا وترحيلا، وأمر باعتقال الرئيس الفنزويلي وزوجته من القصر الجمهوري خلال حملة عسكرية خاطفة أشبه ما تكون بمشهد هوليوودي، وخطط لغزو جزيرة غرينلاند تعزيزا لنفوذ بلاده في وجه الخصوم. وما أن أحيى الذكرى السنوية الأولى لعودته للرئاسة حتى صار يتبجح بإنجازاته التي لم يحققها أحد من قبله بما في ذلك إنهاء الحروب وبسط السلم. لقد كان يحلم بأن يوقف الحرب الروسية الأوكرانية في يوم واحد وها هو اليوم يتعهد بالقضاء على "إمبراطورية الشر الإيرانية" كما يصفها بما يحشده من جند وعدة وعتاد.
والحق أن مخاوف كثيرة كانت تحوم حول صحته الجسمية أثناء ولايته الأولى بعد أن تجاوز سن السبعين، وتضاعفت الشكوك في اتزانه العقلي وهو على مشارف سن الثمانين. ولطالما وصفه المراقبون بالعُجب وحب الذات والغطرسة والتباهي والمفاخرة، وهي سمات نموذجية للشخصية النرجسة على نحو ما هو مقرر في أدبيات علم النفس والطب النفسي، تلك الشخصية التي تدور في فلك نفسها بما يطغى عليها من كبرياء وتطلع مفرط إلى النجاح وشعور مفعم بالتفرد والتميز. فهي إذن شخصية أنانية متكبرة متعالية لا تأبه بالغير ولا تقدره حق قدره، بل هي أميل إلى استغلال الناس وتسخيرهم لمصالحها أفرادا وجماعات. فلا غرابة أن يستهزئ بمنافسيه ويهينهم ويتوعدهم بفتح أبواب الجحيم في وجوههم وأن لا يتوانى البتة في السب والشتم والوعد والوعيد والتهديد لكل من تسول له نفسه أن يعترض أو ينتقد وقد فعلها مع أحد أمراء الخليج وهو الذي كان منه حتى عهد قريب ملء السمع والبصر. وإن أنْس لا أنس اللقاء العاصف الذي جمعه بزعيم أوكرانيا على مرأى ومسمع من العالم بأسره، ومشهد أحد الزعماء العرب وقد جلس بين يديه مرتعبا مطأطأ الرأس لا تكف أجفانه عن الرفيف.
نستطيع إذن في ضوء ما تقدم أن نفهم حق الفهم كيف أن من كانت شيمته التباهي بالنفس والإعجاب بالذات والغطرسة سهُل عليه أن يركب رأسه فيستهين بمواضعات الأمم وقوانينها ومراسيمها ويأمر بمعاقبة المحكمة الجنائية الدولية ومدعيها العام حتى لا يعلو صوت فوق صوته ويخلو له الجو فيصول ويجول ويعلو في الأرض علو الفراعنة والأكاسرة والجبابرة بلا حسيب ولا رقيب. وما أيسر أن يجد في بطانته من ينساق وراءه مزينا له سوء عمله فيحمله حملا على القتال والاحتراب !
إلى هذا الحد إذن يصل الصلف بصاحبه فيذهب به كل مذهب في الوقاحة والسفاهة والعرامة حتى ليستثير مشاعر العداوة والبغضاء. قد يقول قائل بأن الرجل ينهج "خطة المجنون" تشبها بمسلك سلفه ريتشارد نيكسون الرئيس الأمريكي الأسبق إبان حرب فيتنام. وتقتضي خطة المجنون هذه أن يتظاهر صاحبها بقلة العقل وفساده حتى يوقع خصمه في الحيرة والارتباك فلا يدري ما يقدم وما يؤخر خوفا وحيرة. قد تنجح الخطة في إرباك الخصم وتثبيط همته وكسر إرادته وقد تفضي إلى تصعيد عسكري لا مرد له إن واجهت خصما عنيدا مستميتا لا يكل ولا يمل. هذا ما يتخوف منه عدد غير قليل من المراقبين والخبراء في المواجهة العسكرية الضارية في أيامنا هذه.
لقد سبق لجاستين فرانك وهو محلل وطبيب نفسي أمريكي أن نشر دراسة نفسية ضافية لشخصية دونالد ترامب، وفيها يكشف عن اختلالات نفسية عميقة تتمثل في جفائه العاطفي الناجم عن حضور باهت لصورة الأم وعجزه عن تحمل المعاناة والإحباط واستشعاره الشاذ للمخاطر والمهالك على النحو الذي يحمله على أن يستقطب بلاده وينصب نفسه هاديا ومنقذا[1]. وتطلعنا بعض البيانات المتصلة بطفولته أنه كان صبيا متمردا غضوبا صعب المراس لأب صارم شديد أراد لابنه أن ينشأ على القوة والانضباط. ويذكر معارفه أن مخالفته لضوابط المدرسة وتمرده وعصيانه جعله عرضه للعقاب أكثر من مرة، وقد حدا الأمر بوالده إلى أن يرسله وهو في سن الثالثة عشرة إلى مؤسسة عسكرية لمدة خمس سنوات.
وجدير بالذكر أن استنتاجات جاستين فرانك في كتابه هذا الصادر يوم 28 شتنبر من سنة 2018 قد وقفت عند السنتين الأوليين من ولاية دونالد ترامب السابقة. ولو قدر لبحثه أن يشمل السنوات اللاحقة وما شابها من أحداث ولاسيما اتهامه لنتائج الانتخابات الرئاسية لعام 2020 بالتزوير والاحتجاجات الدامية التي حرض عليها دونالد ترامب بنفسه وصولا إلى الهجوم العسكري المزدوج على إيران لكان لبحثه شأن آخر.
إن شخصية الرجل بصلفها وجبروتها وطغيانها لتبدو للناظر بمظهر الشخصية القوية القائدة والمؤثرة والجريئة في قراراتها، بيد أن الاستقصاء النفسي المتمعن في خفاياها قد يحملنا على القول بأن الصلف والمباهاة وتبخيس الناس والتعالي عليهم إنما هو وسيلة للتعويض عن الإحساس الدفين بالدونية. وليست الحاجة الشديدة إلى لفت الانتباه ونيل الإعجاب والتقدير والمدح والثناء واعتلاء المنابر وتصدر وسائل الإعلام والامتعاض من كل نقد أو تجريح إلا دليلا على انعدام الثقة في النفس.
على أن تضخم الذات والحرص على التفاخر والتباهي والتعالي ربما كان مدعاة لكثير من مشاعر الإحباط والحرمان والسخط الذي يستشعره صاحبه إن لم يحظ بما هو جدير به من الاهتمام والتقدير، فضلا عما يلاقيه من نقد واستهجان يملأه غضبا وحنقا ومذلة. ويزداد استهجان الناس له وامتعاضهم منه بمقدار سعيه إلى إيذائهم والحط من شأنهم والسيطرة عليهم والتحكم في رقابهم وإذلالهم والتشهير بهم، فما بالك بمن يتجرأ على مقاضاة المحكمة الجنائية الدولية واعتقال رئيس دولة واغتيال العشرات من القادة السياسيين والعسكريين بمن فيهم المرشد الأعلى لجمهورية إيران الإسلامية في الحرب الدائرة في أيامنا هذه ؟ أفلا يُخشى في لحظة من لحظات الجنون السياسي المتصاعد أن يسعى دونالد ترامب -وهو زعيم لأعتى قوة سياسية وعسكرية في التاريخ- إلى شن حرب نووية لا تبقي ولا تدر ؟
[1] Justin A. Frank (2018). Trump on the Couch : Inside the Mind of the President. New York, Penguin Publishing Group
الدكتور أحمد المطيلي (نفساني عيادي ومعالج)