غابة "العروك" باليوسفية بين ذاكرة الطفولة والتدهور البيئي
- محكيات عن شخصية "الْعَرُّوكْ":
استحضر هنا والآن، شخصية حارس غابة مدينة اليوسفية الذي كان يلقب بـ "الْعَرُّوكْ" خلال فترة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي. كان يهيئ لنا ـ نحن أطفال تلك المرحلة ـ أن من أسندت إليه مهمة حراسة الغابة ـ الْعَرُّوكْ ـ لابد أنه رجلا صارما وقويا لا يشق له غبار. أي نعم، هو بشر مثلنا، لكنه لا يخاف من ظلام ليل الغابة، ولا من الأصوات التي تصدرها بعض الكائنات الحية وسط سكون وهدوء هذا الفضاء المخيف الذي مازلنا لم نستكشف مكنوناته وأسراره. كنا نتمثل أوصاف شخصية "الْعَرُّوكْ" مثل ما علق بأسطورة "الْغُولْ" الذي يهدّد كل من اقتحم عليه خلوته في المكان والزمان.
- "الْعَرُّوكْ" حارس المجال الغابوي:
في هذا السياق، أصبح المجال الغابوي محليا، يحمل صفات هذا الرجل الاستثنائي والقوي، حيث سُمِّيَ الفضاء البيئي بـ "غَابَةْ الْعَرُّوكْ"، التي كان يحرس أرجائها الشاسعة على صهوة حصانه الذي استأنس مع وحدته وتفاصيل حياته اليومية...متفقدا ومستطلعا أحيانا، ومانعا ومتدخلا كلما اقتضى الأمر ذلك.
كان "الْعَرُّوكْ" يقتفي أثر كل دابة تمشي خلسة على تربة محميته الخاصة، ويضبط الممرات الضيقة، ويستشعر وجود كل غريب عن المجال المحروس بحسه وحدسه. وفي مرحلة لاحقة كان ينتقل بين ممرات الأشجار الشامخة، يغازل تربة المرتفعات والتلال والهضاب على متن دراجته النارية التي تحدث ضجيجا "منبها" كل من سولت له نفسه القيام بسلوكات ممنوعة ومحرمة، مثل الرّعي الجائر أو سرقة الحطب وتكسير أغصان الأشجار واقتلاعها عنوة، وما إليه من أفعال محضورة بيئيا.
- غابة "الْعَرُّوكْ" ملاذ بيئي للوحيش:
قبل أن يجاور ويمتد الإسمنت لجنباتها، أذكر أن هكتارات المساحات العريضة لـ "غَابَةْ الْعَرُّوكْ"، كانت تؤثثها أشجار "الكاليتوس" المصفوفة بهندسة رائعة الإبداع. أشجار يانعة، وارفة الظلال، ضخمة، كثيفة، شامخة، إلى جانب أنواع أخرى من الشجيرات الجميلة بأغصانها وأوراقها ورائحتها التي تلطف الفضاء المشبع بالنباتات الطبيعية التي تكسو أراضيها الشاسعة. لذلك كان هذا الفضاء يمثل حينئذ، أحسن ملجأ وملاذ لمختلف الطيور والوحيش. بل كانت غابة "الْعَرُّوكْ" تمثل حقيقة، رئة المدينة الفوسفاطية التي تتنفس بها، وتلطف الأجواء، وتضخ الأوكسجين النقي ليلا، وتطرد الغازات السامة، وتكافح بشراسة ضد التلوث، حيث كان الناس يستشعرون أهميتها الطبيعية والإيكولوجية والاجتماعية.
كان فضاء غابة "الْعَرُّوكْ" الطبيعي والبيئي، قبل ربط بيوت أحياء ساكنة المدينة الفوسفاطية بمجاري قنوات التطهير، ـ كان ـ مصبا عشوائيا للمياه العادمة، حيث تشكلت وسط أعماقها بحيرات من المياه الملوثة. ولم يكن يصل إلى هذه النقط السوداء وسط الغابة، إلا القليل من عشاق صيد الطيور المغردة، وأصناف أخرى من الوحيش كـ " اليمام" و "الأرانب" و "القنافد" و "الحجل"...الذي كان آمنا مطمئنا وسط كثافة الأشجار، وتراكم الحطب والحشائش وأوكار الجحور التي تضمن توالد وحماية الوحيش، وما وَفَّرَ له سخاء الغابة من ماء وغذاء وحرية مطلقة وسط هذا الفضاء الطبيعة.
- بداية تدمير وكر أسطورة "الْغُولْ":
مع مرور الزمن، وفي مرحلة لاحقة، اكتشفنا أن "البيت" المشيّد بالحجارة فوق مرتفع من تضاريس الغابة، والذي كان يقطنه "الْعَرُّوكْ" قد دمّرت وتهاوت معالمه، ولم يبق منه سوى بعض الأطلال الشاهدة على أثر زمن ولى. واستطعنا حينئذ أن نتحدى أسطورة "الْغُولْ" ونقتحم وكره بدون خوف، والتجوال بين الأشجار السامقة، والوصول إلى مستنقعات المياه الملوثة، بحثا عن أعشاش الطيور وصيد أنواع أخرى بسلاح "الْفِخَاخْ" أو "الْمُقْلَاعْ". حيث بدأت بوادر التحدي وإرهاصات "الشجاعة" تنتشر بين أقراننا لاكتشاف أسرار "غَابَةْ الْعَرُّوكْ".
- غابة "الْعَرُّوكْ" فضاء بيئي... ولكن؟
بقدرة باحثين عن سحر الطبيعة وجمالها وهدوء الفضاء، خصوصا في فصل الربيع الذي كان يمتد من شهر مارس إلى غاية ماي، كانت فضاء غابة اليوسفية، يتحول إلى وجهة معلومة، وقبلة للساكنة خلال نهاية كل أسبوع. كنت تجد مجموعات من الوافدين يلعبون "ألعابا شعبيا" للمرح، ومنهم من انغمس في تهييئ أطباق الطاجين أو الكسكس رفقة زوجته، أو إقامة مأدبة شواء رفقة أفراد أسرهم. فكان قضاء ساعات اليوم في الفسحة والاستجمام والاسترخاء تحت ظلال أشجار الغابة المنعشة للروح والجسد.
- الغابة ملاذ للاستجمام وتجديد الطاقة:
في ركن من أركان الفضاء الغابوي، كان الأهل والأحباء يتحلقون حول صواني أتاي. مستمتعين بمجموعات شبابية تنشط الغابة بالأغاني الشعبية. تقابلهم في أماكن آمنة تحت ظلال الأشجار نساء عمال الفوسفاط رفقة أطفالهن يرددن أغانيهن المختارة والمفضلة، حيث ضبط إيقاع الميزان، لا يستوي ولا يستقيم إلا برنين بعض الأواني المنزلية، في مشهد يعكس سعادتهن وفرحهن في المكان والزمان. لقد كانت فعلا لحظات منفلتة من وسط جدران البيت، وروتين الحياة بحلوها ومرها، في غياب حدائق ومتنزهات للاستجمام وقتئذ. فكانت الغابة الملاذ الآمن والمتنفس الوحيد.
- الغابة مكان مفضل للرياضة والرياضيين:
في سياق متصل، كان ثلة من الرياضيين من شباب المدينة، يحرصون على ممارسة رياضاتهم المفضلة في هذا الفضاء الممتع بطقسه وأجوائه السليمة بيئيا، حيث كان المتجول في أرجائها، يصادف يوميا وعلى طول السنة مجموعة من الشباب يمارسون رياضة العدو الريفي والسباق على الطريق. وأخرين يختبرون قدرتهم على المشي مسافات طويلة عبر تضاريس الفضاء الغابوي، ومنهم من يقتصر على القيام بحركات تسخين لتقوية عضلاته لممارسة رياضة كرة القدم. كانت الغابة تمثل للساكنة، فضاء رياضيا رحبا يحتضن الأطفال والشباب والكبار والصغار.
- غابة "الْعَرُّوكْ" موقع جريمة بيئية:
اليوم للأسف الشديد، يتعرض فضاء غابة "الْعَرُّوكْ" بالمدينة الفوسفاطية، لإعدام ممنهج واغتيال أشجارها التي تموت واقفة رغم مقاومتها لعقود من الزمن، جراء أبشع صور الإهمال والتهميش دون حسيب ولا رقيب، بعد أن تحولت إلى مُكِبٍّ لمختلف النفايات الصلبة من بقايا "الرّْدَمْ" و "الْيَاجُورْ" و "لِيكُوشْ" و "أكياس أتربة إسمنتية"، فضلا عن ظاهرة قطع وسرقة أشجارها، بشكل فوضوي لا يراعي حتى أبسط شروط الحفاظ على تجديد نموها الطبيعي.
- التدمير البيئي والفرص الضائعة:
لقد كانت لي في هذا السياق جولة استطلاعية خلال شهر ماي المنصرم من السنة الجارية، رفقة منتج برامج وأفلام ومسلسلات مغربية رفقة طاقمه الفني والتقني من أجل تصوير حلقات مسلسل تاريخي بغابة "العروك"، يشارك فيها أكثر من ستين ممثلة وممثل، لكن للأسف لم نجد المكان المناسب لهذا العمل التلفزيوني، بالنظر إلى ما ذكرت سابقا من أضرار بيئية وتشوهات مسيئة طالت الفضاء الغابوي أمام مرأى ومسمع الجهات المسؤولة على تدبير الشأن المحلي. إذ قرر ذات المنتج تغيير الوجهة نحو غابة أخرى بتراب جماعة جنان أبيه بإقليم اليوسفية قبل حلول شهر رمضان برسم سنة 2026.
- نداء اليوسفية:
لا نجانب الصواب إن أكدنا على أن كل الزوار لغابة الْعَرُّوكْ قد لاحظوا وسجلوا "أشجارا مقطوعة، وتم العبت بجذوعها المتناثرة التي تحكي عن اقتراف جريمة بيئية، ونفايات صلبة تغزو الفضاء الغابوي بشكل يضر بالمجال البيئي". وكل الساكنة القريبة من الفضاء تشدد على أنه "لم تعد غابة الْعَرُّوكْ كما كانت منذ فترة الاستعمار، ولم يعد الصمت مقبولاً أمام هذا النزيف المستمر الذي يهدد ما تبقى من أشجار تقاوم المخاطر".
إن العديد من المراقبين والمهتمين بالشأن البيئي بمدينة اليوسفية يؤكدون على أن "ما يحدث في غابة الْعَرُّوكْ لا يمكن اختزاله في سلوك فردي معزول" على اعتبار أن الملف "يطرح أكثر من علامة استفهام حول مسؤولية الجهات المعنية بحماية المجال الغابوي، وحول مدى تفعيل القوانين الرادعة لكل أشكال التخريب البيئي".
في سياق متصل، تتساءل عدة فعاليات تهتم بالمجال البيئي، عن مآل مشروع تهيئة غابة الْعَرُّوكْ، الذي طال انتظار تنفيذه وتنزيل برنامجه على أرض الواقع رغم ما سال عنه من مداد على صفحات الجرائد والمواقع الوطنية والجهوية والمحلية، خصوصا أن ساكنة اليوسفية أبانت عن عشقها لجمال الطبيعة في فصل الربيع حيث اجتاحت جحافل الزوار فضاء الغابة ومحيطها، من أجل قضاء نهاية الأسبوع.