عثمان زويرش
ولعله لا يمكن عزل هذه المبادرة "تأسيس تيار اليسار الجديد المتجدد" عن السياق العام لأزمة اليسار المغربي، وهو سياق يتسم بأزمة بنيوية تتجلى أساسا في ضعف الارتباط بالطبقات الشعبية، وانزلاق جزء من النخب نحو خطاب نخبوي منفصل عن الواقع الاجتماعي. غير أن المفارقة تكمن في أن البعض، مجيمعة صاحبنا والأربعين موقعا، اختار مواجهة هذه الأزمة عبر مضاعفتها بدل تفكيكها. فما يُطرح هنا لا يمثل استجابة لهذه الأزمة، بل يندرج ضمن إعادة إنتاجها، من خلال مبادرة فوقية لا تستند إلى امتداد اجتماعي أو تراكم تنظيمي، بل إلى إعلان إعلامي يسعى إلى خلق شرعية من خارج شروطها الموضوعية. فبدل أن ينبثق "التجديد" من داخل الصراع الاجتماعي عبر إعادة بناء العلاقة مع الجماهير الشعبية، يتم الارتهان على فعل إرادوي معزول واللجوء إلى اختراع "تيارات" قسرا وعلى المقاس، دون سياق سياسي أو تنظيمي، وهو ما يعكس قصورا في فهم طبيعة التحول السياسي لدى المجيمعة، وكأن أزمة اليسار تُحل بتكثير العناوين لا بتعميق المضمون. لقد انتهى ماركس أن التاريخ يعيد نفسه “مرة كمأساة ومرة كمهزلة”، ويبدو أننا هنا أمام نسخة ثالثة من توقيع صاحبنا والأربعين موقعا: تعاد فيها الأزمة كعرض إعلامي.
إن ما قُدم تحت عنوان “اليسار الجديد المتجدد” لا يمكن اعتباره مبادرة سياسية جادة، بقدر ما هو تمرين في الإشهار السياسي يُغلف بخطاب يساري فاقد لمقوماته، يكشف منذ البداية عن نزعة التفاف واضحة على المؤسسات، وعن عجز بيّن عن الاشتغال داخل الإطارات التنظيمية للحزب. يبدو معه الأمر أقرب إلى بلاغ ولادة سياسية في غير أوانها، حيث يُعلن "المولود" قبل أن تتشكل شروط وجوده "تيار وُلد إعلاميا قبل أن يولد سياسيا".
الأخطر من ذلك هو هذا الخلط المتعمد في مسألة الشرعية، حيث يتم الجمع بين خطاب المظلومية وحديث عن "مراسلات حزبية متعددة" و"عدم الاستجابة"، وبين ادعاء أن الأرضية "نوقشت داخل المجلس الوطني". ". أي منطق هذا؟ أهي مبادرة تم إقصاؤها أم مُعترف بها؟ إن هذا النوع من التناقض وإن كان لا يعكس ارتباكا فقط، فهو يوحي بشكل جلي ولا غبار عليه بوجود استراتيجية لدى صاحبنا والأربعين موقعا قائمة على اللعب على جميع المواقع دون الاستقرار في أي منها.. استجداء الاعتراف من داخل التنظيم، واستثمار التعاطف من خارجه. وهو ما يعكس غياب تموقع واضح، ويحول الخطاب إلى أداة لتبرير ما لا يبرر.
إن القول بأن "اليسار قد تقادم" لا يرقى إلى تحليل، بل يعكس نوعا من الكسل النظري المقنّع بالجرأة. فبدل فهم أسباب التراجع، يتم إعلان “وفاة اليسار” بشكل استعجالي، وكأن صاحبنا ومجيمعته يرددون -بوعي أو بدونه- خلاصة مفادها: "إذا عجزت عن فهم الأزمة، فأعلن نهاية التاريخ." والحال أن اليسار لا يتقادم، بل يتراجع حين ينفصل عن طبقته الاجتماعية ويُقصى حين يبتعد عن شروط وجوده.. ومن يعجز عن فهم هذا المعطى، يستبدل التحليل بشعارات فضفاضة حول "التجديد"، دون أن يقدم بديلا فعليا.
ويتأكد هذا الانزلاق في الدعوة إلى "التأسيس على أساس المواطنة"، حيث يصبح الصراع الطبقي مجرد تفصيل يمكن تجاوزه بلغة توافقية. وهنا يحق لنا أن نتساءل: هل تحول اليسار إلى جمعية مدنية تُدبر الاختلاف بدل أن تفسره؟ أم أننا أمام محاولة "تلطيف" الصراع بدل تفجيره وتحليله؟. فالمواطنة هنا لا تُطرح كأداة نضال داخل سياق اجتماعي محدد، بل كبديل عن الصراع نفسه، مما يؤدي إلى تفريغ المشروع اليساري من مضمونه، وتحويله إلى خطاب أخلاقي عام قابل للتكيف مع نفس البنيات التي يُفترض أن يعارضها. وهو ما يتكشف معه غموض إيديولوجي عميق وتجاهل واضح للواقع الاجتماعي، حيث تتعمق الفوارق الطبقية بشكل غير مسبوق. إن مثل هذا الطرح لا يعكس قراءة جديدة بقدر ما يعبر عن محاولة للالتفاف على جوهر الصراع، عبر استبداله بمفاهيم فضفاضة تفتح المجال لنزعة شعبوية غير مؤطرة، ويمكن اعتباره (على سبيل الاحترام) جرأة لغوية لا تسندها أي جرأة تحليلية. فالطبقات، على ما يبدو، لم تختفِ إلا في هذا الخطاب تحديدا! وكأن الواقع الاجتماعي بكل تناقضاته قد تقرر -بقدرة خطابية- أن ينسحب احتراما لهذا الاكتشاف الجديد عند أصحابنا.
ويزداد هذا التناقض وضوحا حين يتم الحديث عن "التأهيل الإيديولوجي" و"التأهيل التنظيمي" في الوقت الذي يتم فيه القفز على التنظيم نفسه، وتجاوز قنواته الشرعية. فمن يدعو إلى تقوية التنظيم لا يبدأ بإضعافه، ومن يتحدث عن التأهيل لا يمارس الفوضى باسم التجديد. إن هذا التباين بين القول والفعل يعكس غياب انسجام داخلي، ويحوّل الخطاب إلى مجرد غطاء أخلاقي لممارسة تناقضه.
ففي العمق، تعكس مبادرة صاحبنا والأربعين موقعا هذه نزوعا واضحا نحو اختزال العمل السياسي في إنتاج الخطاب، حيث يتم تضخيم المفاهيم دون أن تجد ترجمتها في الواقع. وهو ما يحول المشروع إلى شكل من "يسار الواجهة"، الذي يراهن على الحضور الإعلامي بدل التأطير الميداني، وعلى إنتاج اللغة بدل المبادرة للفعل. وهذا النمط من الاشتغال يعمّق أحد أبرز أعطاب اليسار، وهو الانفصال بين السياسي والاجتماعي، حيث يتحول الفعل الحزبي إلى مجال لإعادة توزيع المواقع، بدل أن يكون أداة لتنظيم الصراع داخل المجتمع.
كما أن ما يُقدّم بصفته "نقدا للوضع الحزبي" ينزلق إلى تغذية مناخ من التبخيس والتشكيك، دون تقديم بدائل تنظيمية واقعية، وهو ما يسهم موضوعيا في إضعاف الأداة الحزبية بدل تقويتها. فالنقد الذي لا يفضي إلى البناء يتحول إلى عنصر هدم، ويصبح جزءا من الأزمة بدل أن يكون مدخلًا لتجاوزها. فلما كان "التنظيم هو سلاح الطبقة العاملة'' قرر البعض تفكيكه باسم ''التجديد"... إننا أمام حالة يُرفع فيها شعار التنظيم نظريا، ويُفرَّغ عمليا، في مشهد أقرب إلى الدعوة إلى بناء بيت عبر هدم أساساته.
إن ما نراه هنا ليس تعبيرا عن دينامية تجديد، بل عن حالة من التسرع في إعلان القطيعة دون خوض الصراع داخل التنظيم لتغييره. وهو سلوك يعكس نزعة هروب من التناقضات بدل الاشتباك معها، في حين أن العمل اليساري الحقيقي يقوم على التراكم، وعلى "الصبر" التنظيمي، وعلى بناء المواقف من داخل الصراع لا من خارجه.
يتضح أن هذه المبادرة لا تقوم على مشروع بقدر ما تقوم على صناعة موقع، حيث يتم تضخيم الخطاب واستدعاء الرموز والظهور الإعلامي لتعويض غياب الامتداد. وكأننا أمام ما يمكن تسميته بـ "يسار الميكروفون": حاضر في الندوات، غائب في الواقع الاجتماعي.
في المحصلة، لا يتعلق الأمر بتأسيس تيار، بل بمحاولة إنتاج وهم تيار، ولا بمشروع سياسي، بل بـخطاب يبحث عن واقع يحتضنه، ولا بتجديد، بل بإعادة إنتاج الأزمة في صيغة أكثر ارتباكا. وكأننا أمام تجربة تختصر نفسها في مفارقة بسيطة:
الكثير من الكلام… والقليل من السياسة. إن تضخيم الشعارات، واستدعاء الرموز، والظهور الإعلامي، كلها أدوات تُستخدم لتعويض غياب القاعدة الاجتماعية والتنظيمية، مما يجعل هذه المبادرة أقرب إلى تمرين في بناء صورة ذاتية منها إلى مشروع سياسي فعلي. أما ما يُقدم كـ "نقد للوضع الحزبي"، فينقلب في كثير من الأحيان إلى نقد بلا أفق، يكتفي بهدم القائم دون تقديم بديل، وهو ما يجعل هذا النقد أقرب إلى تمرين في التبخيس منه إلى مشروع في البناء.
لا تكمن خطورة هذه المجيمعة في ضعفها فقط، بل في ما تحمله من دلالات، فهي تعكس نزوعا نحو تخريب الرصيد التنظيمي للحزب عبر خلق كيانات موازية، وتشتيت النقاش، وإضعاف وحدة الإرادة الجماعية. وهذا ليس تجديدا، بل تشويش على المهام الحقيقية لليسار، التي تظل مرتبطة بإعادة بناء الارتباط بالطبقات الشعبية، وتأطير النضالات الاجتماعية، وتقوية التنظيم كأداة جماعية للصراع.
اليوم، لا يحتاج اليسار إلى من يعلن عن "تيارات" من خارج مؤسساته، بل إلى من يشتغل داخلها، يعمّق حضوره في الواقع الاجتماعي، ويعيد الاعتبار للنضال الميداني. أما المبادرات التي تبدأ بالإعلام وتنتهي عند الخطاب، فلن تكون سوى صدى مرتفع لأزمة عميقة.
فما يُقدم باسم "اليسار الجديد المتجدد" ليس تيارا بالمعنى السياسي والتنظيمي، بل وهم تيار يفتقر إلى شروط التأسيس الفعلي وليس مشروعا سياسيا متماسكا، بل خطاب متضخم بلا سند، تتراكم فيه الشعارات دون أن يسندها واقع أو ممارسة. كما أنه لا يمثل تجديدا، بل إعادة إنتاج للأزمة في شكل أكثر ارتباكا وفردانية، يبتعد أكثر عن جوهر الفعل اليساري القائم على التنظيم والارتباط بالطبقات الشعبية، وخوض الصراع داخل الواقع لا على هامشه.