الحسين معنان
لم يعد موضوع تنظيم قطاع حراس السيارات بمدينة الدار البيضاء مجرد مطلب فئوي محدود، بل تحوّل إلى قضية قانونية ومجتمعية تلامس جوهر الحكامة الترابية، وتختبر مدى احترام المؤسسات لمقتضيات الدستور والقوانين التنظيمية، خصوصًا حين يتعلق الأمر بتفعيل مقررات المجالس المنتخبة داخل آجال معقولة.
لقد شكّلت دورة مجلس جماعة الدار البيضاء المنعقدة بتاريخ 07 ماي 2025 محطة حاسمة في مسار تنظيم هذا القطاع، حيث صادق المجلس الجماعي، بأغلبية سياسية واضحة، على دفتر تحمّلات خاص بقطاع حراس السيارات، باعتباره وثيقة تنظيمية تروم تقنين نشاط ظل لسنوات طويلة خارج الضبط القانوني، بما نتج عنه من فوضى ميدانية، وهشاشة اجتماعية، وتوترات يومية بين المواطنين والعاملين في القطاع.
غير أن هذا المسار التنظيمي، رغم اكتماله على مستوى التداول والمصادقة داخل المؤسسة المنتخبة، ظل معلقًا على مستوى التنفيذ، بسبب عدم التأشير على دفتر التحملات، وهو الإجراء الذي يدخل ضمن صلاحيات السلطة الإدارية الترابية في إطار مراقبة مشروعية مقررات الجماعات الترابية، وفق ما نص عليه القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات.
أولاً: الإطار القانوني لمراقبة مشروعية مقررات الجماعات
تنص المادة 118 من القانون التنظيمي رقم 113.14 على أن مقررات المجالس الجماعية المتعلقة بالجوانب التنظيمية أو المالية لا تصبح قابلة للتنفيذ إلا بعد التأشير عليها من طرف سلطة المراقبة الإدارية، متى كانت داخلة ضمن نطاق المراقبة القبلية للمشروعية.
كما تنص المادة 119 من نفس القانون على أن سلطة المراقبة الإدارية تمارس رقابتها في إطار احترام مبدأ المشروعية، دون المساس بحرية تدبير الجماعات لشؤونها، وهو ما يؤكد أن التأشير ليس سلطة مطلقة، بل اختصاص مقيد بالقانون ومحدود بأهداف الرقابة القانونية فقط.
أما المادة 117 من القانون ذاته، فتؤكد أن المقررات التي تخضع للمراقبة الإدارية يجب أن يتم البت فيها داخل آجال محددة، وأن عدم الرد داخل الأجل القانوني يُعد في بعض الحالات بمثابة قبول ضمني، بما يحفظ استمرارية المرفق العام ويمنع تعطيل مصالح المرتفقين.
ثانيًا: التأخير في التأشير بين السلطة التقديرية وحدود المسؤولية القانونية
إن استمرار تعليق التأشير على دفتر التحملات الخاص بقطاع حراس السيارات، رغم مرور مدة زمنية طويلة على المصادقة عليه، يطرح إشكالًا قانونيًا حقيقيًا يتعلق بمدى احترام مبدأ الآجال القانونية المعقولة، وهو مبدأ مستقر في الفقه الإداري، ويُعد من مقتضيات الأمن القانوني الذي كرسه الدستور المغربي في تصديره، باعتباره أحد مرتكزات دولة الحق والقانون.
فإذا كانت سلطة الوالي، باعتباره ممثل السلطة المركزية على مستوى الجهة، تملك صلاحية التأشير أو طلب التعديل، فإن هذه الصلاحية تظل مقيدة بواجب تعليل القرار الإداري، وفق ما نص عليه القانون رقم 01.03 المتعلق بإلزامية تعليل القرارات الإدارية، والذي يفرض على الإدارة توضيح أسباب رفض أو تعليق أي مقرر إداري، خاصة حين يترتب عن ذلك تعطيل مصالح عامة أو فئات اجتماعية.
وفي هذا السياق، فإن غياب توضيحات رسمية للرأي العام بشأن أسباب عدم التأشير على دفتر التحملات، رغم مرور مدة معتبرة على المصادقة عليه، يجعل من التساؤل حول المسؤولية القانونية تساؤلًا مشروعًا، لا يحمل طابع الاتهام، بل يستند إلى مقتضيات القانون ومبادئ الحكامة الجيدة.
ثالثًا: مسؤولية التعطيل الإداري في ضوء مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة
لقد نص الفصل الأول من الدستور المغربي بشكل واضح على أن التنظيم الترابي للمملكة يقوم على مبدأ التدبير الحر، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والتضامن بين الجماعات الترابية.
كما أكد الفصل 154 من الدستور على أن المرافق العمومية تخضع لمعايير الجودة، والاستمرارية، والمساءلة، والشفافية، وهو ما يجعل أي تعطيل غير مبرر
لتفعيل مقرر تنظيمي مصادق عليه، مسألة تستدعي توضيحًا مؤسساتيًا ينسجم مع هذه المبادئ الدستورية.
ومن هذا المنطلق، فإن استمرار تعليق التأشير على دفتر التحملات الخاص بقطاع حراس السيارات، دون تحديد آجال واضحة لتسوية الملف، يمكن أن يُفهم على أنه عامل من عوامل استمرار الفوضى، وإطالة أمد الهشاشة المهنية التي يعاني منها العاملون في القطاع، فضلًا عن انعكاساته على النظام العام المحلي.
رابعًا: الأثر الاجتماعي والقانوني لتعليق التأشير على دفتر التحملات
إن قطاع حراس السيارات لا يمثل مجرد نشاط هامشي، بل يشكل مصدر رزق لآلاف الأسر، ويؤدي وظيفة ميدانية مرتبطة بتنظيم الفضاءات العمومية، وهو ما يجعل تقنينه ضرورة اجتماعية قبل أن يكون مطلبًا إداريا.
غير أن غياب إطار تنظيمي مُفعل، نتيجة تعليق التأشير على دفتر التحملات، أدى إلى استمرار حالة من الفوضى الميدانية، تتجلى في تعدد المتدخلين، وغياب معايير موحدة، وارتفاع منسوب النزاعات بين المواطنين وبعض الممارسين، فضلًا عن استمرار مظاهر الهشاشة الاجتماعية داخل القطاع.
كما أن هذا الوضع يضعف ثقة المواطنين في فعالية القرارات المؤسساتية، ويعطي الانطباع بأن الزمن الإداري قد يتحول إلى أداة تعطيل بدل أن يكون وسيلة لتنفيذ القانون.
خامسًا: بين سلطة التأشير وواجب التعليل… أين يكمن الحل؟
إن معالجة هذا الملف لا تتطلب صراعًا مؤسساتيًا، بل تستدعي وضوحًا قانونيًا، قائمًا على مبدأ الشفافية، من خلال:
توضيح أسباب عدم التأشير على دفتر التحملات، إن وجدت ملاحظات قانونية جوهرية.
تحديد آجال واضحة لإعادة عرض الوثيقة بعد التعديل، إن اقتضى الأمر ذلك.
احترام مبدأ استمرارية المرفق العام، بما يضمن إخراج القطاع من دائرة الفوضى إلى مجال التنظيم القانوني.
إن استمرار تعليق التأشير على دفتر التحملات الخاص بقطاع حراس السيارات بالدار البيضاء، رغم المصادقة عليه داخل المجلس الجماعي بتاريخ 07 ماي 2025، يضع مسألة المسؤولية المؤسساتية في صلب النقاش العمومي، ليس من باب المواجهة، بل من باب حماية دولة القانون، وصون حقوق الفئات المهنية، وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات.
فالمسؤولية، في نهاية المطاف، ليست تهمة تُلقى، بل التزام قانوني يُمارس، وواجب مؤسساتي يُفعل، ومبدأ دستوري يُحترم.
ويبقى السؤال المشروع الذي ينتظر جوابًا واضحًا من الجهات المختصة:
هل سيظل دفتر تحمّلات حراس السيارات بالدار البيضاء معلقًا بين المصادقة والتأشير، أم أن لحظة الحسم القانوني قد حانت لإنهاء حالة الفوضى، وترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة؟
الحسين معنان/كاتب جهوي لنقابة الاتحاد الوطني للشغل بالدار البيضاء/ قطاع حراس السيارات