الصادق العثماني
قد ابتُلينا في هذا العصر بفتنٍ تتغذّى على الضجيج، وتترعرع في بيئةٍ صنعتها منصّات التواصل الاجتماعي، حيث الكلمة تُقتطع من سياقها، والعبارة تُحمَّل ما لا تحتمل، فيتحوّل الخلاف اليسير إلى معركةٍ مفتوحة، ويصير التباين الطبيعي بين أهل الفضل وقودًا لفتنةٍ لا تُبقي ولا تذر. وفي خضمّ هذا المشهد المضطرب، برزت ظاهرةٌ أشدّ خطرًا وأعمق أثرًا: ظاهرة “الدعاة الجدد” الذين يتكلمون في كل شيء، ويفتون في كل نازلة، ويتصدّرون لكل قضية، كأنهم قد حازوا مفاتيح العلوم جميعًا، وأُوتوا الإحاطة بأسرار السياسة، ودقائق الشريعة، وتعقيدات القانون، وخفايا العلاقات الدولية.
هذه الظاهرة ليست مجرد انحرافٍ فردي، بل هي عطبٌ منهجي يضرب في عمق الوعي، ويشوّه صورة العلم، ويخلط بين التخصّص والادّعاء، وبين الدعوة والتطفّل. إذ لم يعد الأمر مقتصرًا على موعظةٍ أو تذكيرٍ بفضائل الأعمال، بل تجاوز ذلك إلى اقتحام مجالاتٍ دقيقة لا يُحسنها إلا أهلها، فتجد الواحد منهم يتحدّث في الفقه وكأنه إمامٌ مجتهد، ثم لا يلبث أن يخوض في التحليل السياسي وكأنه خبير استراتيجي، ثم ينتقل إلى القانون الدولي كأنه من كبار فقهائه، بل وربما رسم خطط الحروب، ووزّع الأدوار بين الدول، وحدّد مآلات النزاعات وكأنه يجلس في غرف صناعة القرار! . والمصيبة ليست في الجرأة فحسب، بل في الترويج لهذه الجرأة على أنها “شجاعة في قول الحق”، وفي تصفيق جمهورٍ عريضٍ يُفتن بالكلام المنمّق، ويغترّ بالطرح الحماسي، دون أن يملك أدوات التمييز بين العلم والادّعاء. وهكذا تتكوّن دائرة مغلقة: متكلّمٌ جاهل، وجمهورٌ منبهر، ومنصّاتٌ تبحث عن الإثارة، فيُعاد إنتاج الجهل على أنه وعي، والسطحية على أنها عمق، والتهوّر على أنه بصيرة.
إن من أخطر ما في هذه الظاهرة أنها تهدم مبدأ التخصّص الذي قامت عليه الحضارات، وأكّده الشرع قبل ذلك حين قال الله تعالى: ”فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون”. فليس كل من حفظ نصًا صار فقيهًا، ولا كل من امتلك لسانًا صار محلّلًا، ولا كل من صعد منبرًا صار مؤهّلًا للإفتاء في قضايا الأمة الكبرى. إن العلم مراتب، وله أهله، وله أدواته، ومن تجاوز حدّه أفسد أكثر مما أصلح، وأضلّ أكثر مما هدى. وقد قيل قديمًا: “من تكلّم في غير فنه أتى بالعجائب”، ونحن اليوم لا نرى العجائب فحسب، بل نعيش آثارها المدمّرة. فكم من فتوى متعجّلة أشعلت خلافًا، وكم من تحليلٍ سطحي زاد من تعقيد المشهد، وكم من خطابٍ شعبوي غذّى الكراهية، وأذكى نار الانقسام بين المسلمين. إن هؤلاء المتصدّرين لا يدركون أنهم – بحسن نية أحيانًا – يتحوّلون إلى أدوات تفتيت، يزرعون الشك، ويهدمون الثقة في العلماء الراسخين، ويقدّمون نموذجًا مشوّهًا للدعوة.
ثم إن الخلط بين مجالات المعرفة ليس مجرد خطأ معرفي، بل هو خلل أخلاقي أيضًا، لأن فيه اعتداءً على حقوق أهل الاختصاص، وتضليلًا للعامة، واستسهالًا للكلام في قضايا تمسّ مصائر الشعوب والأمم. فهل يُعقل أن تُختزل تعقيدات العلاقات الدولية في مقطعٍ لا يتجاوز دقائق؟ وهل تُدار الحروب بالتحليلات المرتجلة؟ وهل تُبنى الأحكام الشرعية على ردود فعلٍ آنية، لا على أصولٍ راسخة وقواعد محكمة؟ .
إن أخطر ما في هذا المشهد هو أن بعض هؤلاء قد جعل من الدعوة سلّمًا للشهرة، ومن القضايا الكبرى مادةً لجذب المتابعين، فصار يتنقّل بين الملفات الساخنة بحثًا عن الأضواء، لا عن الحق. وإذا كان السلف قد حذّروا من “حبّ الظهور”، وقالوا إنه يقصم الظهور، فإننا اليوم نرى هذا المرض وقد استشرى، حتى صار بعضهم يقيس نجاحه بعدد المشاهدات، لا بمدى إصابته للحق.
وفي المقابل، يغيب صوت العلماء الحقيقيين، أو يُهمَّش، لأن خطابهم لا ينسجم مع منطق الإثارة، ولا يقدّم إجاباتٍ سريعة ترضي الجمهور. فهم أهل تأنٍّ وتثبّت، يزنون الكلمة قبل أن تقال، ويقدّرون العواقب قبل أن يُفتوا، ويعرفون أن السكوت في بعض المواطن علم، كما أن الكلام في غير موضعه جهل. لكن زمن السرعة لا يحتمل هذا النوع من الخطاب، فيُقصى الراسخون، ويتصدّر المتعجّلون.
وما يزيد الأمر خطورة أن هذه الظاهرة تُغذّي ثقافة التنازع، إذ يتحوّل الخلاف إلى مادةٍ للتشهير، ويُستدعى الجمهور ليكون طرفًا في النزاع، فيُصفّق لهذا ويهاجم ذاك، وتضيع الحقيقة بين الضجيج. وهنا تتحقّق الفتنة التي أشرتَ إليها: خلافٌ محدود يتحوّل إلى خصومةٍ واسعة، وكلمةٌ عابرة تصبح قضية رأي عام، ويتحوّل الإخوة إلى خصوم، لا لشيء إلا لأن بعض المتطفّلين قرّروا أن يكونوا قضاةً على الجميع.
إن النقد هنا ليس موجّهًا إلى الدعوة في ذاتها، ولا إلى تجديد الخطاب، بل إلى هذا التسيّب الذي يُفرغ الدعوة من مضمونها، ويحوّلها إلى فوضى. فالدعوة مسؤولية، والعلم أمانة، والكلمة موقف، ومن لم يُحسن تقدير هذه المعاني فالأولى به أن يصمت. وليس في السكوت عيب، بل العيب كل العيب في أن يتكلّم الإنسان فيما لا يعلم، ثم يصرّ على ذلك، ويكابر، ويُلبس جهله ثوب الجرأة.
وإذا أردنا الخروج من هذه الفتنة، فلا بد من إعادة الاعتبار لمبدأ التخصّص، وتعظيم مكانة العلماء، وتربية الجمهور على التمييز بين من يتكلّم بعلمٍ ومن يتكلّم بهوى. كما يجب أن نُرسّخ آداب الخلاف، وأن نُعيد النقاش إلى إطاره العلمي، بعيدًا عن التهييج والتشويه. فالأمة لا تُبنى بالضجيج، ولا تُدار بالعواطف، ولا تُحفظ بالخطابات الشعبوية، بل بالعلم الرصين، والرأي الحكيم، والتقدير الدقيق للمصالح والمفاسد .
وختاما، فإن أخطر ما نواجهه اليوم ليس الجهل وحده، بل الجهل المتصدّر، ولا الخطأ فحسب، بل الخطأ المروَّج له على أنه صواب. وإن لم نُدرك خطورة هذه الظاهرة، ونتصدَّ لها بوعيٍ وحزم، فإننا سنظل ندور في حلقةٍ مفرغة، نُعيد فيها إنتاج الفتنة، ونُسهم – من حيث لا نشعر – في تمزيق ما تبقّى من وحدة الصف. فليتقِ الله كل من تصدّر، وليعلم أن الكلمة أمانة، وأن الصمت في غير موضع العلم نجاة، وأن الأمة لا تحتاج إلى من يتكلم في كل شيء، بل إلى من يُحسن الكلام فيما يعلم، ويصمت عمّا لا يعلم . وصدق الله العظيم حيث قال في كتابه العزيز: "ولَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (سورة الإسراء: 36) .
الصادق العثماني - أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية