العدالة المنصفة: تمكين النساء والفتيات من الولوج للعدالة محور ندوة جهوية بطنجة

العدالة المنصفة: تمكين النساء والفتيات من الولوج للعدالة محور ندوة جهوية بطنجة جانب من اللقاء

احتضنت طنجة مؤخرا، لقاءً جهوياً موسعاً نظمته اللجنة الجهوية لحقوق الإنسان بجهة طنجة تطوان الحسيمة، تحت شعار: “العدالة المنصفة: مسارات في أفق تمكين ولوج النساء والفتيات للعدالة”.
ويأتي هذا اللقاء في سياق تخليد اليوم العالمي للمرأة، حيث تحوّل إلى فضاء للنقاش القانوني المتخصص، استهدف تقييم فعالية المنظومة التشريعية المغربية في تحقيق إنصاف فعلي للنساء، بدل الاكتفاء بمستوى “المساواة الشكلية” التي لا تنعكس دائماً في الممارسة القضائية.
سلمى الطود: العدالة المنصفة تبدأ بالاعتراف باختلالات قائمة
استهلت سلمى الطود، رئيسة اللجنة الجهوية، أشغال اللقاء بالتأكيد على أن مفهوم “العدالة المنصفة” يفترض ضمناً وجود اختلالات بنيوية في منظومة العدالة الحالية.
وأبرزت أن المساواة أمام القضاء تظل المدخل الأساسي لتحقيق عدالة حقيقية، غير أن الواقع يكشف عن شعور متزايد بالإحباط لدى النساء، خاصة في ظل محدودية تكافؤ الفرص داخل المسار القضائي.
وسجلت المتدخلة، رغم الإشادة بالتقدم الدستوري وتفاعل المغرب مع المعايير الدولية، استمرار تعثر ملاءمة التشريعات الوطنية، مستحضرة تأخر إصلاح مدونة الأسرة.
كما نبهت إلى استمرار ثغرات قانونية، من قبيل تزويج القاصرات وبعض أوجه التمييز في قانون الجنسية المغربي، مؤكدة أن الرهان لم يعد فقط في الاعتراف بالحقوق، بل في ضمان ممارستها الفعلية داخل المحاكم.
عائشة أشهبار: فجوة بين النص القانوني والتحولات المجتمعية
قدّمت عائشة أشهبار، من المعهد الوطني للعمل الاجتماعي بطنجة، قراءة تحليلية للإطار القانوني الوطني في ضوء التحولات التي أعقبت دستور المغرب 2011.
واعتبرت أن الإصلاحات التي أعقبت الدستور تمثل "جيلاً أول" من التحديث التشريعي، غير أن التحولات المتسارعة، خصوصاً الرقمية منذ 2016، كشفت محدودية المقاربات التقليدية.
وأكدت أن المرجعيات الدولية، وعلى رأسها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، لم تعد تختزل الإشكال في النصوص القانونية، بل تربطه بشروط اجتماعية واقتصادية وثقافية مركبة.
كما سجلت وجود فجوة واضحة بين القاعدة القانونية والتطبيق، مشيرة إلى غياب الانسجام داخل الترسانة التشريعية، خاصة فيما يتعلق بعائق اللغة بالنسبة للنساء الأمازيغيات في ظل تداخل القوانين.
وتوقفت المتدخلة أيضاً عند تحديات جديدة، من بينها العنف الرقمي، وضعف تأهيل آليات الاستقبال، معتبرة أن جزءاً من النصوص القانونية ما يزال أقرب إلى “التنظير” منه إلى الفعالية العملية.

 

 أنس سعدون: من المساواة القانونية إلى العدالة الواقعية:
من جانبه، شدد أنس سعدون، مستشار رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، على أن تحقيق العدالة المنصفة يقتضي تجاوز المساواة الشكلية نحو معالجة التفاوتات التاريخية التي تواجهها النساء.
واستعرض مجموعة من الإصلاحات القانونية، من بينها مراجعة قانون المسطرة الجنائية وقانون المسطرة المدنية، إلى جانب اعتماد قانون التنظيم القضائي 2022، والتي مكنت من إحداث خلايا التكفل بالنساء ضحايا العنف، وتعزيز أدوار المساعدة الاجتماعية داخل المحاكم.
غير أنه أبرز استمرار تحديات بنيوية، في مقدمتها:
-    كلفة الولوج إلى العدالة، في ظل محدودية نظام المساعدة القضائية؛
-    ضعف المعرفة القانونية لدى النساء بحقوقهن.
-    قصور بعض النصوص عن تجريم كافة أشكال العنف، مع الإشارة إلى غموض بعض المقتضيات كجريمة التحرش، والطرد من بيت الزوجية، وأموال الأسرة.
-    إشكالات جبر الضرر في غياب آليات فعالة لتعويض الضحايا.
-    عبء الاثبات : واستمرار تحميله للضحايا.
-    عوائق التقادم التي قد تؤدي إلى إفلات الجناة من العقاب.
كما دعا إلى توظيف التكنولوجيا لتبسيط الولوج إلى العدالة، عبر تعميم الاستشارة القانونية عن بعد وإحداث منصات استقبال افتراضية، مؤكداً ضرورة تسريع ملاءمة التشريعات مع الدستور ومواجهة الأعراف التمييزية.

 

 أسماء بنعدادة: العائق الثقافي كحاجز بنيوي أمام العدالة:
في مقاربة سوسيولوجية، اعتبرت أسماء بنعدادة أن الثقافة المجتمعية تشكل العامل الحاسم في عرقلة ولوج النساء إلى العدالة.
وأوضحت أن تداخل الفقر، والأمية يعمق هشاشة النساء، ويحد من قدرتهن على المطالبة بحقوقهن، خاصة في ظل الوصم الاجتماعي المرتبط بولوج النساء إلى المحاكم.
وأضافت أن الثقافة الأبوية ما تزال تبرر العنف بدعوى الحفاظ على “الشرف” أو “تماسك الأسرة”، مما يؤدي إلى تطبيع الانتهاكات، وطمسها داخل الفضاء الخاص.
وخلصت إلى أن أي إصلاح قانوني يظل محدود الأثر دون إحداث تحول ثقافي عميق يناهض الهيمنة الذكورية، ويشجع النساء على كسر الصمت.
أشغال الندوة تواصلت بعد فتح باب المناقشة حيث ركزت المداخلات على أن تحقيق “العدالة المنصفة” لا يمر فقط عبر تعديل النصوص القانونية، بل يتطلب مقاربة شمولية تدمج الإصلاح التشريعي مع التحول الثقافي وتعزيز النجاعة المؤسساتية، بما يضمن انتقالاً فعلياً من المساواة القانونية إلى الإنصاف القضائي الملموس.