بن زاك وجانب من تيار اليسار الجديد المتجدد
اتهم محمد بن زاك، عضو التنسيقية الوطنية لـ"تيار اليسار الجديد المتجدد" داخل الحزب الاشتراكي الموحد، قيادة الحزب بالتكلس البيروقراطي ودفن الديمقراطية الداخلية، مشيرا إلى استهداف العلمي الحروني كدليل على حملة إقصائية تعتمد التحريض والتشويه عبر وسائل التواصل.
في سياق التحليل العلمي المادي، لا يمكن فهم ظاهرة التكلس التنظيمي واستفحال النزعة البيروقراطية داخل بعض الإطارات التنظيمية إلا باعتبارها تعبيرا عن انحراف طبقي ايديولوجي عميق تتغذى جذوره من التسلل الهادئ للمرضيات الليبيرالية إلى أجسادها، هذه المرضيات ليست مجرد أخطاء سلوكية معزولة وإنما هي انعكاس لهيمنة قيم البرجوازية الصغيرة داخل البنية التنظيمية، حيث تستبدل مبادئ الصراع الطبقي والنقد والنقد الذاتي بمنطق التوفيق والولاءات الشخصية والحفاظ على المواقع بصناعة القيادة للقواعد وفق ثقافة الشيخ والمريد.
وإذا كان هذا التشخيص عاما فإن تجلياته في الواقع الملموس تزداد وضوحا داخل حزب الإشتراكي الموحد، حيث أضحت القيادة البيروقراطية تمارس قطيعة فعلية مع أبسط القواعد الديمقراطية التي طالما رفعتها كشعار، فأحيلت الديمقراطية الداخلية إلى متحف العاديات بجانب الفأس البرونزي والمغزل الخشبي في استعارة دقيقة لحجم التراجع والإنحطاط التنظيمي الذي يعيشه هذا الحزب في هذه الفترة الحساسة، ولم يعد النقاش الحر أو الإختلاف المشروع ينظر إليه كرافعة للتطور بل كتهديد ينبغي قمعه واستئصاله.
إن هذه القيادة المتشبعة بالذهنية البيروقراطية لم تكتف بإفراغ التنظيم من محتواه الديمقراطي بل أعادت تشكيله وفق منطق الولاء مقابل المنصب حيث تكافأ الطاعة ويعاقب الفكر النقدي. و طبعا في هذا السياق أصبح التلويح بسلاح الطرد أداة جاهزة في وجه كل صوت معارض غيور مبدئي خاصة في حق رفاق "تيار اليسار الجديد المتجدد" الذين اختاروا موقع الإنحياز لقضايا الجماهير ورفعوا راية النقد من داخل التنظيم لا من خارجه.
في هذا الصدد يأتي استهداف منسق تيارنا الرفيق "العلمي الحروني" كتعبير صارخ عن هذا المنحى الإقصائي القروسطوي، فهذا المناضل المشهود له بتفانيه وتضحياته لم يكن يوما باحثا عن موقع أو امتياز، بل ظل وفيا لخط الجماهير منخرطا في معاركها اليومية مدافعا عن قضاياها بصلابة ووضوح، كما أن الهجوم عليه ليس مجرد خلاف شخصي بل هو هجوم على خط سياسي بأكمله وعلى تيار يحمل مشروعا نقديا يسعى إلى تصحيح المسار.
ولم تقف هذه الممارسات عند حدود هذه التهديدات الجبانة بل تجاوزتها إلى مستوى أكثر مكرا وأخطر يتمثل في التحريض الممنهج لبعض القواعد لشن هجوم واسع ومنسق على مختلف مواقع التواصل الإجتماعي، وهي مفارقة كاشفة ومنطق جبان مفضوح، إذ أن كثيرا من هؤلاء الذين جرى تحريكهم في هذه الحملة ظلوا غائبين عن ميادين النضال الفعلي لا يرى لهم أثر في لحظات المواجهة الحقيقية ولا يعرف لهم حضور إلا في مناسبات احتفالية معزولة عن حرائق الميدان... لقد ألفوا المكاتب المكيفة وابتعدوا عن نبض الجماهير لكنهم برزوا فجأة في الفضاء الإفتراضي كأدوات في حملة شعواء، هذه الحملة التي لم تقم على نقاش سياسي أو نقد مسؤول بل اعتمدت آليات خسيسة قوامها الكذب والإفتراء والتشويه المتعمد، ومن بين أبرز هذه الأساليب اقتطاع كلمات وتصريحات من سياقها الحقيقي وإعادة توظيفها بشكل مغلوط يخدم هدف التشويه والتضليل، وهنا يتجلى مرة أخرى العجز عن خوض الصراع الإيديولوجي الإيجابي الديمقراطي بشكل شفاف فيستعاض عنه بالتلاعب والتزوير والكذب والإفتراء.
إن استهداف الرفيق "الحروني" هو في جوهره استهداف لتيار اليسار الجديد المتجدد ككل ولرفاقه الذين يرفضون الإنصياع لمنطق البيروقراطية البئيسة ويتمسكون بحقهم في التعبير والنقد البناء، وهو بذلك يشكل هجوما مباشرا على ما تبقى من الديمقراطية الحزبية وعلى حرية الرأي داخل هذا التنظيم التاريخي وعلى إرثه المجيد، ويكشف عن نزعة سلطوية لا تختلف في جوهرها عن الممارسات التي أسس الحزب من أجل مناهضتها في الواقع المعاش.
إن ما يجري اليوم يطرح بإلحاح ضرورة خوض معركة مزدوجة معركة ضد المرضيات الليبيرالية التي تفرغ التنظيم من محتواه الكفاحي ومعركة ضد البيروقراطية التي تحتكر القرار وتخنق المبادرة، ولا يمكن لهذه المعركة أن تحسم إلا بإعادة الإعتبار للصراع الإيديولوجي وتفعيل آليات النقد والنقد الذاتي وربط المسؤولية بالمحاسبة لا بالولاء، كما أن الدفاع عن الرفيق "العلمي الحروني" ليس دفاعا عن شخص بل عن مبدأ، و ليس دفاعا عن موقع بل عن خط نضالي تاريخي، وهو في آخر المطاف دفاع عن حق المناضلين في الإختلاف وعن ضرورة بناء تنظيم ديمقراطي حي قادر على احتضان التعدد لا خنقه، لأن التنظيم الذي يخاف من النقد هو تنظيم فقد ثقته في نفسه والتنظيم الذي يقمع مناضليه هو تنظيم يسير نحو العزلة والإنحلال.
في الأخير نؤكد أن المعركة ضد البيروقراطية داخل الحزب ليست شأنا داخليا ضيقا بل هي جزء لا يتجزأ من معركة أوسع ضد كل أشكال الإستبداد التي نرفعها كشعار، ومن هذا المنطلق فإن التمسك بالديمقراطية الداخلية وبحرية التعبير وبحق التيارات في الوجود هو شرط أساسي لأي مشروع تغييري حقيقي يسعى إلى القطع مع واقع التهميش وبناء افق تحرري يخدم مصالح الجماهير الشعبية.