منير الطاهري: حروب المرحلة.. مخاض عسير بين اقتصاد السلاح واستراتيجيات الصراع العالمي

منير الطاهري: حروب المرحلة.. مخاض عسير بين اقتصاد السلاح واستراتيجيات الصراع العالمي منير الطاهري

سنحاول في هذا المقال تفكيك هذه الإشكالية استناداً إلى معطيات وتحليلات متداولة في الأدبيات الاستراتيجية المعاصرة. ولو اننا نعتقد بان إمكانية اندلاع اصطدام شامل أو حرب عالمية ثالثة مجرد فرضية نظرية يصعب إثباتها في ظل طبيعة الصراعات الدولية الراهنة..

أولاً: هل الحروب الحالية مجرد مختبرات تجريب بين شركات السلاح ؟

حسب خلاصات الندوة التي نظمها الحزب الاشتراكي الموحد بمدينة تمارة بمشاركة عدد من الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والإعلاميين في المغرب فإن الحرب الأوكرانية–الروسية يمكن اعتبارها أكبر مختبر عسكري منذ نهاية الحرب الباردة، هذه الخلاصة قد تكون صحيحة بالنظر لما اعتمدته هذه الحرب من اختبار واسع لأنظمة الدرونز وإعادة تقييم الدبابات الروسية القديمة والمدفعية التقليدية التي تسببت في أكثر من 70% من الخسائر.

 أغلب مراكز الدراسات، اكدت واستخلصت أن السلاح الأرخص والأكثر كما أحيانا يتفوق على الأكثر تطورا وأن الشركات لم تعد تبيع فقط ولكنها أصبحت تستغل الحروب لتتعلم وتطور كفاءتها ومنتجاتها مباشرة من ساحة المعركة

فيما يتعلق بالمواجهة الإيرانية الأمريكية  أو الصهيو أمريكية لازلت معظم التقارير تعتقد ان الحرب الإقليمية الشاملة لم تبدأ بعد أوأنها مازالت في مرحلة التجارب الصاروخية والضربات الجوية الدقيقة مع تسجيل تفوق إلكتروني وجوي للطرف الصهيو-أمريكي والقيمة الحربية للدرونات والصواريخ المنخفضة التكلفة الإيرانية أمام أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلي وأنظمة الكشف الذكي عن مواقع إطلاق الصواريخ الإيرانية  

وبالفعل، فإن هاته الحرب هي مختبر تكتيكي حقيقي منخفض التكلفة وعالي التأثير بالنسبة للإيرانيين لأن استخدام درونات انتحارية ببعض آلاف الدولارات وصواريخ قصيرة/متوسطة أو بعيدة بتكلفة محدودة أصبح يستنزف صواريخ اعتراض قد تصل لملايين الدولارات.

كما أن هاته الحروب قد تعيد ترتيب الشركات الكبرى لبيع السلاح في العالم الذي ينشر سنوياً من طرف معهد SIPRI، والتي أظهرت حسب معطيات (2024–2025) هيمنة واضحة للشركات الأمريكية، ، إذ أن  10 شركات سلاح في العالم (حسب مؤشر حجم مبيعات الأسلحة  (تجعل الولايات المتحدة  الأولى عالميا عبر شركة  Lockheed Martin في الطائرات (F-35) وأنظمة الصواريخ وكذا بواسطة شركة  RTX Corporation  المتخصصة في  صواريخ الدفاع الجوي وأنظمة الرادار وكذا شركة  Northrop Grumman  افي إنتاج  الطائرات الشبحية والأنظمة الفضائية وشركات أخرى في الأنظمة الفضائية و الدبابات والغواصات النووية بالإضافة لشركة  BAE Systems البريطانية كأكبر شركة أوروبية في المجال العسكري ، أما الشركات الصينية فهي في المرتبة السابعة من خلال شركات   لصناعة الطائرات العسكرية والأسلحة البرية والذخيرة ، وفي دراسات ذات صلة  بالموضوع فإن مجموع مبيعات أكبر 100 شركة سلاح في العالم  بلغ حوالي 679 مليار دولار في 2024 (رقم قياسي قد يفوق بكثير ميزانية العشرات من الدول الإفريقية). وحسب نفس الدراسات فإن الشركات الأمريكية وحدها تمثل حوالي نصف السوق العالمي والتي تمد السوق الحربي العالمي بمختلف طلباته في أوكرانيا والشرق الأوسط وإفريقيا وعدد من البلدان الاسيوية.

ثانياً: المواجهات الحالية تخرج الحرب من مشروع منافسة بين شركات التسلح الكبرى  إلى مواجهات استراتيجية

لأن إيران تعتمد على حرب الاستنزاف الطويلة ومحاولة نقل المعركة بعيداً عن أراضيها من خلال شبكة وكلاء (حزب الله في لبنان والعراق، الحوثيون  في اليمن…) لتفادي حرب مباشرة مع الويلات المتحدة الأمريكية (وهو ليس خطا في الطباعة) كما أن الاستراتيجية الصهيو-أمريكية بما لها من تفوق جوي واستخباراتي تسعى بدورها لتفادي المواجهة البرية ومحاولة تحقيق انتصار من خلال ضربات دقيقة (. وهو ما يجعلنا أمام توازن ردع غير مستقر تكبدت فيها أمريكا بعض الخسائر رغم انها تتكثم عن خسائرها في القواعد العسكرية (العراق، قطر، الكويت، السعودية، الإمارات) كما تكبدت فيها إسرائيل خسائر بشرية ومادية مهمة، أما إيران فقد أصبحت خسائرها مكشوفة ومؤلمة . ورغم ذلك فجميع الأطراف الآن تفضل حافة الحرب بدل المغامرة في الحرب الشاملة .

 ما يجري من مواجهات اليوم ليس حروباً تقليدية ولكنها قد تكون حروب مختبرية سمحت بدخول شركات وقوى جديدة للمنافسة في سوق السلاح ومنها الشركات غير الغربية سواء الصينية أو الروسية أو الصناعات الحربية المحلية في كوريا الشمالية وباكستان وإيران والتي أبانت عن قدرات متطورة في التكنولوجيات المتقدمة والاستشعار والاستخبارات ما أكد أن السلاح لم يعد حكراً على القوى التقليدية وأن الدخول أصبح ممكناً عبر التكنولوجيا الحربية المحلية الرخيصة

 نحن فعلا أمام أفخاخ اختبار قبل الاصطدام الكبير لكن الاختبار الحقيقي مستقبلا سيكون حول العقيدة العسكرية و سلاسل الإمداد وقدرة الاقتصاديات على تحمل حرب طويلة، وكذا الفلسفات العسكرية القتالية بين الجيوش .

موقع إسرائيل وأوكرانيا في هذه المرحلة يمكن تحليله على مستويين : الأول تقني وتكتيكي والثاني استراتيجي . فعلى المستوى التقني والتكتيكي إسرائيل كما أوكرانيا في هاته المرحلة هي مختبرات لأنظمة الدفاع الجوي والبري وفي الحرب السيبرانية والاستخبارات كما أن إسرائيل تمتلك أنظمة الردع النووي وهي عناصر تجعلها مختبرا تقنيا دقيقا ومصغرا للحرب الكبرى التي ينتظرها وينظر لها مهووسو العقيدة الصهيو مسيحية المتطرفة، أما على المستوى الاستراتيجي فإن انتصار إسرائيل وأوكرانيا في هاته الحرب سيفرض حسابات جديدة على الصعيد العالمي لأن تحكمهما في الغرب الآسيوي أو الشرق أوروبي بعد الإطاحة بإيران وببرنامجها النووي ونظامها الإمامي الشيعي ولجم نظام بوتين الأوراسي والقومية المسيانية الرامية إلى استعادة المجال الحيوي الأوكراني، يعني وضع أمريكا يدها على آسيا القارة القديمة والكبيرة والمنافسة للهيمنة الامريكية إديولوجيا واقتصاديا والتي تحتضن ست دول دات قدرات ردع نووية حثى الآن، ما قد يفسح المجال لفرض التوازن النووي من وجهة نظر أمريكية ويحد من شبح التهديد الصيني الذي أصبح فوبيا أمريكية بكل المقاييس 

إسرائيل، على وجه الخصوص، قد تعد، قبل الاصطدام الكبير المزعوم، بيئة اختبار متقدمة لأنظمة الدفاع الجوي المتعددة الطبقات (اعتراض قصير ومتوسط وبعيد المدى)، وكذلك مجال تدبيري لتكامل الاستخبارات مع النيران، وللحرب السيبرانية. وهو ما قد يمنحها ميزة سرعة التعلم من الاشتباك الفعلي، والقدرة على دمج التقنيات (رادارات، أقمار صناعية، ذكاء اصطناعي، اتصالات) في منظومة واحدة. كذلك وحسب ما تؤكده العديد الدراسات الحديثة فإن هذا التفوق التقني لا يمكن ان يتحول إلى تفوق استراتيجي إلا إذا ترافق مع قابلية فرض وقائع سياسية مستقرة بعد العمليات من خلال عمق لوجستي–اقتصادي يسمح بحرب ممتدة وبتفوق استراتيجي وبالتالي فإن بناء نظام إقليمي مستقر بدون إيران يتطلب تفكيك البنية الغرب آسيوية برمتها  وترتيبات أمن جماعي لمنطقة الخليج والغرب الآسيوي برمته  بما فيها أسيا الصغرى أي تركيا، إن لم نقل ترتيبات أخرى  في قارة آسيوية تحتضن أكثر من ثلثي النادي النووي لتأخير أو منع دخول لاعبين جدد إلى هذا النادي .

 إسرائيل دولة نووية خارج المظلة النووية الرسمية وهو ما تأكد من خلال تهديدات خرقاء لبعض وزرائها بمواجهة حماس بضربة نووية أودعوات نتنياهو غير المعلنة لضرب إيران نوويا وهو ما جعل دولا مثل السعودية أو قطر تتوجس كثيرا حول ما تتكرم به من ضمانات أمنية وتحالفات دفاعية بديلة بلا مقابل في وضع إقليمي موبوء بتهديدات مقلقة.

 تحييد إيران من الغرب الاسيوي وتقليص “الفوبيا” الأمريكية تجاه الصين يتعامل مع الوقائع بسطحية كبيرة لأنه يعتقد أن التحدي الصيني الكبير مركز حول قضايا شرق آسيا (تايوان، بحر الصين الجنوبي) ومنصب نحو التفوق الصيني الصناعي–التكنولوجي وأن  الغرب الآسيوي قد لا يشكل حاليا بالنسبة للصين مصدرا مهما للقلق في موضوع الطاقة والممرات أوحثى رهانا لتحقيق توازنات دولية في الصراع العالمي الحالي.

التجربة الأوكرانية وحروب الشرق الأوسط تشير حاليا إلى أن الحسم العسكري السريع هو أمر غير ممكن بسبب الإغراق العددي لمنظومات السلاح وتزايد الابتكار منخفض التكلفة في الصناعات الحربية المعاصرة، ولذلك يبقى التحول نحوالاحتواء وإدارة التصعيد بدل السعي إلى كوارث بيئية وبشرية هو القرار الوحيد الممكن والمرجح والذي تحاول أمريكا فرضه بواسطة حرب الضربات المحدودة والضغط الاقتصادي، لكن انزلاق إسرائيل نحو تمديد الحرب وفتحها على اطراف أخرى عبر ضرب منشآت الغاز ومصادر الطاقة قد يجر المنطقة نحو مفاجئات غير سارة للعالم، لأنه سيعطل حتما ويشل مختلف سلاسل الإنتاج والشحن والتأمين في مضيق هرمز وقد يمتد إلى باب المندب، ماقد يؤدي لارتفاعات صاروخية في أسعار الطاقة و جر أطراف غير متوقعة في حرب الاستراتيجيات الغرب آسيوية  

مواجهات اليوم، تمثل فيها إسرائيل وأوكرانيا وكذلك إيران مختبراً تقنياً متقدما للصناعة الحربية وقدرتها على فرض هيمنة استراتيجية إقليمية وتوازنات القوى الكبرى، مواجهات لن تتمكن من حسم التنافس الأمريكي–الصيني آنيا بقدر ما ستكشف عن معايير توازن الردع غير المستقر على الصعيد العالمي عبر آليات جديدة تقوم على التكنولوجيا الحربية (تعطيل، تشويش، استخبارات) وكذلك على الدكاء الصناعي والأقمار الصناعية، كما تذكرنا هاته المواجهات بأن النزال البري القائم بين أوكرانيا وروسيا يحسم بالجنود وبعدد الشهداء وليس بالتفوق الجوي فقط وأن السيطرة تعني احتلالا فعليا للأرض بواسطة المشاة والمدفعية والدبابات والإنزالات المظلية و كذا القدرة على تقديم ضحايا بشرية وشهداء يدافعون عن حبهم للوطن وهو ما يغيب عن العقيدة العسكرية الأمريكية في هاته الحرب.

مواجهات اليوم تكشف كذلك أن أسواق الصناعة الحربية تغيرت بعد دخول لاعبين جدد وتراجع الاحتكار الغربي كما تعلمنا هاته المواجهات أننا أمام  مدرسة عسكرية مفتوحة لكل الدول والأكيد أنها لا تعني بداية حرب عالمية نووية بقدر ما هي مرحلة اختبار في ساحات الحرب لتأطير وتحديد القائمين الجدد على شؤون السلم العالمي.