مصطفى الحيسوني
إن فقدان الثقة بين الشعب والسياسيين ليس ظاهرة عابرة، بل نتيجة تراكمات من الممارسات التي أفرغت الفعل السياسي من معناه النبيل.
ومع اقتراب كل استحقاق انتخابي، تتكرر نفس المشاهد: حملات مبكرة، نفس الوجوه ونفس الخطابات، وكأن الزمن السياسي لا يتحرك.
السؤال الحقيقي ليس فقط: هل هذه دينامية ديمقراطية؟ بل: هل ما زالت السياسة تؤدي وظيفتها الأخلاقية في خدمة الصالح العام؟ فالديمقراطية لا تختزل في الانتخابات وحدها، بل تقوم على التنافس النزيه، وتكافؤ الفرص، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
إن اختزال السياسة في السعي إلى السلطة والامتيازات يفرغها من بعدها القيمي، ويحولها إلى مجرد سباق ظرفي، بدل أن تكون مشروعاً مجتمعياً قائماً على الأفكار والرؤى. كما أن غياب تجديد النخب لا يرتبط فقط بالأشخاص، بل أيضاً بضعف إنتاج الأفكار، وغياب ثقافة سياسية تؤمن بالكفاءة والاستحقاق.
تجديد الثقة يمر عبر تجديد حقيقي في الممارسة: شفافية، مصداقية، نخب مؤهلة، وأحزاب تؤطر المواطن بدل استغلاله. فالوطنية ليست شعاراً موسمياً، بل التزام أخلاقي دائم يترجم في خدمة المواطن وصون كرامته.
السياسة، في جوهرها، مسؤولية قبل أن تكون سلطة.
وإن لم تستعد هذا المعنى، سيظل الفاصل يتسع بين المجتمع ومؤسساته.
الدكتور مصطفى الحيسوني، أستاذ جامعي مقيم بإيطاليا