عبد الصمد الشنتوف
ظل أبي يردد طيلة السنة أنه إذا نجحت في امتحان الشهادة الابتدائية سيقتني لي دراجة هوائية. فعلا، أوفى بوعده، كما أنني لم أخيب ظنه، بل تفوقت بميزة حسن جدا. في ذاك اليوم القائظ الذي ظهرت فيه النتائج، اصطحبني معه إلى محل الدراجات الهوائية لصاحبه ميلود، وهو المحل الوحيد بالمدينة الرابض مقابل حديقة الأسود. فاتح أبي ميلود في الموضوع بعد التحية، لكن للأسف لم يكن لديه دراجة صغيرة تناسبني. أصبت بخيبة شديدة. طلب مني الرجل الأشيب التريث لبضعة أيام ريثما يستقدمها من الدار البيضاء، إلا أنني اعترضت على الفكرة لأنني كنت مستعجلا، ولم أستطع صبرا. فما كان منه إلا أن أشار على أبي بمحل السيكليست عبد الحق الموجود ب"رحبة الزرع". كان عبد الحق فارع الطول، عريض الكتفين وداكن البشرة، متخصص في بيع وكراء الدراجات المستعملةً. قلت لا بأس! سأقبل العرض ما دامت الدراجة سليمة وفي حالة جيدة. المهم أن أقتني دراجة هوائية كيفما كان نوعها ولونها. سدد أبي ثمنها نقدا بمبلغ مائة درهم ورحنا فورا على البيت.
كنت في عجلة من أمري. حاولت ركوبها كي أسوقها لكنني أخفقت. لم يسبق لي أن ركبت دراجة من قبل. عاودت الكرة ثانية، لكن هذه المرة فقدت توازني فسقطت على الأرض لأصاب بجروح طفيفة في ساقي اليمنى، حتى أن ركبتي طالتها بعض الندوب والخدوش فصارت تؤلمني. قلت لأبي لما لا تمتطيها أنت وتسوقها بنفسك؟ رد علي بلكنته الجبلية الخفيفة: لا أعرف. قررت أن أضع يدي الصغيرتين على مقود الدراجة وأدفعها نحو الأمام، إلا أنها بدأت تتعثر ولا تسير بسلاسة. في الأخير، انبرى لأبي أن أمسك بالعجلة الأمامية، فيما يمسك هو بالعجلة الخلفية ونسير بها مرفوعة في الهواء. كان المشهد يبعث على كثير من الضحك والسخرية. شرع المارة يتوقفون وينظرون إلينا في ذهول، وكأنها لقطة من فيلم شارلي شابلن وإبنه. بعد لحظات، صادفنا في الطريق شاب قوي البنية بشعر مجعد، فأشار على أبي أن يركبها هو ونحن نتبعه، لكنني أبديت رفضا تاما خوفا من أن يهرب بالدراجة ويضيع مني شيء ثمين بمثابة حلم. قال لي أبي لما أنت هكذا لا تثق في أحد؟ قلت له لأنك تحسن الظن بالجميع، أما أنا فأرى العالم مليء بالأشرار. ضحك أبي وقال: أنت تبحث عن المشاكل والصعاب، ثم أخذ يسرد علي نصوصا دينية تثني على حسن الظن بالناس. ما لبث أن صاح بعصبية: هيا أمسك العجلة من جديد ولنحمل الدراجة على أكتافنا مثل خروف العيد.
وصلنا مشارف الحي ونحن على ذلك الحال. كان أبي قلقا معكر المزاج، ذلك لأني رفضت اقتراح الشاب الغريب لمساعدتنا. أخذ أبي يتصبب عرقا. تكمشت بذلته الأنيقة وتلطخت بزيوت السلسلة الحديدية، بينما ربطة عنقه تلاشت وكادت تطير من عنقه. أما أنا فأتلفت سروالي بعد أن تمزق وطاله ثقب على مستوى فخذي الأيسر بسبب مكابح الدراجة. لا يهم قلت في نفسي. المهم أن أمتلك دراجة وأتباهى بها بين أطفال الحي. ما أن اقتربنا من البيت حتى أخذ الجيران والأطفال يتقاطرون على مدخل البيت. جاؤوا من كل حدب وصوب لرؤية الدراجة الملونة العجيبة، فيما أطلقت جارتنا مليكة زغرودة مجلجلة معلنة فرحتها لقدوم الوافد الجديد.
غمرتني فرحة عارمة وأنا أنظر إلى أصدقائي الأطفال يطرفون حول الدراجة متزلفين إلي، على أمل أن أتقاسم معهم ركوب دراجتي لاحقا. كان بالنسبة لي، يوم عيد وفرح باذخ لن أنساه أبدا.
فجأة طلب الأطفال من أبي أن يقف جانبا، ليتطوعوا جماعة ويحملوا الدراجة البالية ويتسلقوا بها السلالم نحو سطح بيتنا في الطابق الثاني. لفني شعور بفخر واعتزاز فائقين. كنت أسير خلفهم منهكا، مجرجرا قدمي بصعوبة لافتة.
وفي لحظة لم أتوقعها، وصل غريمي عزيز الملقب بزيزو ليقف مسندا ظهره إلى جدار قبالة بابنا. كان يرمق المشهد في غيرة وحنق. وعلى حين غرة، طفق يتهكم منتقصا من دراجتي الملونة قائلا: إنها مجرد دراجة بالية ذات ألوان باهتة ومنفرة، في تلميح ملحوظ إلى لونيها أخضر غامق مع أصفر حائل. أجبته في توتر واضح: دراجتي صنعت في البرازيل وتحمل ألوان الفريق العالمي العتيد، ليطلق زيزو قهقهة ماكرة "هاهاها"!. كان طفلا مشاغبا وصفيقا ينافسني في كل شيء وسط الحي، وكنت للتو هزمته في لعبة "روندا" قبل يومين، لذا لم يكن ليهدأ له بال وهو يرى أطفال الحي يتحلقون حولي لينالوا حظوتي في ركوب الدراجة. وعندما استشعرت وصول أصدقائي إلى سطح البيت، رميت زيزو بنظرة ازدراء مخرجا لساني هازئا منه، ثم صفقت الباب بقوة في وجهه. سرعان ما بدأت في صعود الدرج مبتسما، وقد ارتسمت على محياي نشوة الانتصار، على الرغم من عرجتي التي كانت تؤلمني ألما شديدا.