أنور الشرقاوي: حارسة الحبوب و عربة الأقدار

أنور الشرقاوي: حارسة الحبوب و عربة الأقدار رجل على كرسي متحرك ودجاجة وفهم الصمت

ما الذي يشدّ انتباهنا في إنسانٍ غريب يجلس بقربنا صدفة؟
هل هي ملامحه؟ أم صمته؟ أم تلك الهالة الخفية التي توحي بأن وراء الوجه حكاية لم تُحكَ بعد؟

أول ما لفت انتباهي في ذلك الرجل كانت ابتسامته.
ابتسامة هادئة، كأنها تعرف شيئًا عن الحياة لا نقوله عادة بصوت عالٍ.
ابتسامة تحمل طمأنينة خفيفة، لكنها لا تخلو من غموض، وكأنها تخفي وراءها أسئلة أكثر مما تقدم من أجوبة.

أما نظرته فكانت أعمق من تلك الابتسامة. فيها بريق ذكاء متوارٍ، ذكاء لا يحب الظهور ولا الصخب، بل يكتفي بأن يراقب العالم من مسافة، مثل حكيمٍ تعب من الجدال.

كان يجلس على كرسيه المتحرك أمام المقهى التي كنت أحتسي فيها كأس شاي.

لحيته البيضاء تنتشر على وجنتيه في شيء من الفوضى، لكنها فوضى الزمن نفسه؛ كأن كل شعرة فيها تحفظ أثر سنةٍ مرّت، أو تجربةٍ عَبَرَت.

تساءلت في داخلي:
كم حكاية تختبئ في وجه إنسانٍ كهذا؟
وكم خسارة يحتاج المرء ليصل إلى تلك السكينة التي تشبه الاستسلام الحكيم؟

كان يتكلم قليلًا.
وحين يتكلم، تبدو كلماته كأنها خرجت بعد تفكير طويل، لا بعد انفعال عابر.

كان يتحدث عن الحياة كما يتحدث بحّارٌ عجوز عن البحر: يعرف جماله… ويعرف قسوته أيضًا.

قال لي بصوت هادئ:
“حادثة سير واحدة… تكفي لتغيّر حياة كاملة.”
ثم سكت.
وكأن الصمت كان الجزء الأصدق من الجملة.

في تلك الحادثة فقد القدرة على المشي. ومنذ ذلك اليوم صار الكرسي المتحرك طريقه الوحيد في التنقل.

لكن السؤال الذي راودني لم يكن عن الحادثة.
بل عن هذا الهدوء الذي بدا عليه.
لماذا لا يبدو مهزومًا؟
كيف يستطيع الإنسان أن يتصالح مع قدرٍ أخذ منه الحركة وترك له التأمل؟

غير أن فضولي لم يتجه إليه وحده.
كان هناك عنصر آخر في المشهد…
شيء صغير يتحرك بجانبه.
دجاجة.

في البداية ظننت الأمر مجرد صدفة عابرة. لكنني لاحظت أن الدجاجة لا تبتعد عنه.

كانت تسير قربه بثقة، كأنها تعرف موقعها في هذا العالم الصغير.
وحين يناديها بصوت خافت، ترفع رأسها وتتجه نحوه.
وأحيانًا وهذا ما أدهشني كانت  تقفز إلى حجره وتستقر هناك، كما لو كانت قد وجدت مكانها الطبيعي.

تساءلت: كيف تنشأ مثل هذه العلاقة؟
هل يحتاج الإنسان إلى الوحدة كي يكتشف لغاتٍ لم يكن يعرفها من قبل؟

لقد اعتدنا أن نرى الإنسان يروّض الكلاب أو الخيول، وربما الدلافين والأسد.

أما أن ينسج علاقة فهمٍ مع دجاجة… فذلك أمر لم يكن متداولًا في مخيلتنا.

سألته، وفي صوتي شيء من الفضول:
“هل تفهمك؟”
ابتسم.
كانت ابتسامة فيها شيء من الدعابة… وربما شيء من الحكمة أيضًا.
قال: “أحيانًا… تفهمني أكثر من البشر.”

ثم بدأ يحدثها كما لو كانت فردًا من الجلسة.

في تلك اللحظة أدركت فكرة لم تخطر ببالي من قبل: ربما لا تكمن المشكلة في أن الحيوانات لا تفهمنا… بل في أننا نحن لا نعرف كيف نصغي.

قال الرجل بصوت تأملي:
“البشر يعتقدون أنهم وحدهم يتكلمون… لكنهم لا يسمعون جيدًا.”

ثم مسح برفق على ريش الدجاجة وأضاف: “هذه لا تكذب… ولا تخون… ولا تكثر من الجدل.”
ابتسمتُ.

تساءلت بيني وبين نفسي:
هل البساطة فضيلة فقدها الإنسان المعاصر؟
وهل يحتاج المرء أحيانًا إلى مخلوقٍ بسيط كي يستعيد توازنه مع العالم؟
في كلامه كان شيء من حكمة الفلاسفة، وشيء من تلك المفارقة التي أحبها الأدباء حين يجعلون الحيوان مرآةً لطبائع البشر.

حين غادرت المقهى في ذلك المساء، بقي الرجل في مكانه.
والدجاجة إلى جانبه.

لكن المشهد لم يعد غريبًا كما بدا لي في البداية. بل بدا لي فجأة وكأنه سؤال مفتوح عن معنى الصحبة، ومعنى الوحدة، ومعنى الإصغاء في عالمٍ يمتلئ بالكلام.
وربما…كان العالم، رغم كل ضجيجه، قادرًا أحيانًا أن يختصر نفسه في صورة بسيطة:
رجلٌ بلحية بيضاء،
وكرسيٌّ متحرك،
ودجاجةٌ…
تفهم الصمت.