منير لكماني: ديرو النية.. من الشعار إلى الفلسفة الكروية

منير لكماني: ديرو النية.. من الشعار إلى الفلسفة الكروية منير لكماني

منذ أن أطلق وليد الركراكي عبارته الشهيرة «ديرو النية»، لم تبق مجرد شعار جماهيري، بل صارت فلسفة وطنية. «النية» في قاموس الركراكي تعني الثقة، الإتحاد، والإيمان بالقدرة على صنع المستحيل. كان يرى أن النتيجة لا تأتي من التكتيك وحده، بل من روح المجموعة حين تؤمن بما تفعل. ولهذا تحولت لغة الرجل البسيطة إلى قوة معنوية هزمت بها الأسود أعتى المنتخبات، من إسبانيا إلى البرتغال.  

لكن «النية» ليست خطة لعب، بل نشوة نفسية تسند التكتيك. أحيانا تصيب الكرة المرمى، وأحيانا «تضرب في العرضة وتخرج» — كما يحدث في الحياة، بين أمل وواقعية، بين حلم الجماهير وحدود الإمكان. في قطر 2022 بلغ المغرب نصف نهائي المونديال، وكان العالم يقول إنها معجزة. غير أن الركراكي كان يراها نتيجة طبيعية حين «تدير النية» وتصنع منظومة متماسكة تؤمن بنفسها أكثر مما تخاف من الخصم.

 

الركراكي: التكتيك اللامركزي والروح الجماعية  

في الأداء الفني، اعتمد الركراكي على ما يمكن تسميته بـ«الواقعية المرنة». نظام 4-1-4-1 الذي طبقه أمام المنتخبات الكبرى لم يكن دفاعا صرفا، بل توزيعا ذكيا للطاقة والمساحات. منح الحرية للأجنحة، واعتمد على انضباط وسط الميدان بقيادة أمرابط. كانت خطته تقوم على توازن بين الجرأة والإحتياط.  

التواصل مع الصحافة كان أيضا إمتدادا لهذه المدرسة: لغة عامية قريبة من الشارع، لكنها مفعمة بالوعي والتفاؤل. لم يكن شعرا منمقا، بل كلام رجل عرف كيف يصنع من المفردات الشعبية خطابا كرويا وطنيا. جعل الجمهور جزءا من الخطة، والإعلام حلقة في الإنتصار المعنوي.

 

وهبي: الواقعية الهادئة والعقل البارد  

اليوم، مع محمد وهبي، يدخل المنتخب محطة جديدة. الرجل القادم من تجربة تكوين طويلة، يختار أن يبدأ بصمت وحساب. ليس من النوع الذي يرفع الشعارات، بل يزرع الثقة بالعمل والتصحيح المتدرج. وجاءت أولى رسائله فنية: تعادل ثمين مع الإكوادور، أحد أقوى المنتخبات في أمريكا الجنوبية والمشارك في مونديال 2026.  

وهبي أدار المباراة كمن يختبر نبض الفريق لا النتيجة. ركز على إغلاق المركز الدفاعي، تعويض الغيابات، وبناء خطوط متقاربة تشبه مدرسة المدربين الأوروبيين في الواقعية والتحكم في الإيقاع. الصحفيون لاحظوا توازنه: تصريحاته قصيرة، دقيقة، بلا وعود، لكنها مشبعة بوعي تحليلي. الرجل لا يبيع الأمل، بل يزرع اليقين خطوة بخطوة.

 

من «النية» إلى «العقل»: هل يلتقي الطريقان؟  

يبدو أن الكرة المغربية الآن تقف بين مدرستين: مدرسة الروح ومدرسة الفكرة. الركراكي جعل الجماهير تؤمن أن الإرادة تسبق التكتيك، ووهبي يذكر أن التكتيك هو ما يمنح الإرادة طريقها المنظم. فهل يمكن للإثنين أن يلتقيا؟  

ربما تكون الإجابة أن «النية» لا تلغى بالعقل، بل تحتاجه كي لا تبقى مجرد حماس عابر. فكما أن الركراكي ألهم أبناء الجالية والإفريقيين بحلم «المستحيل الممكن»، يأتي وهبي ليبني مرحلة النضج: الواقعية بعد المجد، التفكير البارد بعد الإنفعال الجميل.  

النية وحدها قد تصطدم بالعرضة، والعقل وحده قد يقتل الحلم. لكن حين يجتمعان، إيمان الركراكي وعقل وهبي يولد توازن جديد: منتخب يعرف أنه يستطيع، ويعرف أيضا كيف يفعل.  


هل تكفي النية لبلوغ نصف نهائي جديد؟  

المونديال القادم في أمريكا سيكون إختبارا للفكر لا للعواطف. المغرب اليوم مطالب بالمواصلة لا بالمفاجأة، بالاستمرارية لا بالبطولة الواحدة. ترك الركراكي إرثا اسمه «النية»، وجاء وهبي ليمنحه هيكلا أكثر علمية ومنهجية.  

فهل يحتاج وهبي إلى رفع نفس الشعار؟ ربما لا. يكفي أن «يدير الفكرة» بصفاء النية، ليكتمل الطريق الذي بدأه من قبله. بين القلب والعقل، هناك دائما وطن يصفق: ديرو النية، ولكن بخطة ترسمها الحكمة.