غلاف الكتاب ومؤلفه عبد العزيز البعلي
لا شك أن الفضاء الإعلامي المعاصر يعيش على إيقاع تحولات عميقة ومتسارعة، حيث إن ثورة الاتصال الرقمي، بما حملته من انفتاح غير مسبوق، أفرزت في الآن ذاته اختلالات بنيوية مستجدة، وفي مقدمتها ظاهرة الأخبار الزائفة التي أضحت تتسلل إلى الوعي الجمعي في هيئة معطيات تبدو في ظاهرها بريئة، بينما تخفي في عمقها إمكانات واسعة للتضليل والتوجيه… ومن ثم، يبرز كتاب الأخبار الزائفة في ضوء التشريع والعمل القضائي والصحفي لمؤلفه عبد العزيز البعلي باعتباره اجتهادًا علميًا رصينًا، يهدف إلى إعادة ترتيب هذا المشهد المتداخل، عبر مقاربة تحليلية تستند إلى منطق قانوني دقيق، يستحضر النص، ويستقرئ الاجتهاد، ويفكك الممارسة.
ومن المؤكد أن هذا العمل يتجاوز حدود المعالجة السطحية، إذ إن المؤلف ينفذ إلى صميم الإشكال، متقصيًا الأبعاد المفاهيمية للأخبار الزائفة، ومبرزًا كيف تحولت من مجرد انحراف إعلامي عابر إلى ظاهرة مركبة ذات امتدادات قانونية واجتماعية وسياسية… حيث إن مفهوم “الخبر الزائف” ذاته يطرح إشكالات تأويلية متعددة، تتعلق بحدود الحقيقة، ومعايير التحقق، ومدى قابلية النصوص القانونية لاحتواء هذه التحولات المتسارعة. وبالتالي، فإن الكتاب لا يكتفي بتقديم تعريفات جاهزة، وإنما ينخرط في مساءلة المفهوم، وإعادة بنائه في ضوء السياقات المتغيرة.
وعلاوة على ذلك، فإن المؤلف يعمد إلى تفكيك الإطار التشريعي المؤطر لهذه الظاهرة، مستعرضًا الترسانة القانونية بمختلف مستوياتها، من النصوص الدستورية ذات الصلة بحرية التعبير والحق في الوصول إلى المعلومة، إلى القوانين التنظيمية والمقتضيات الجنائية التي تؤطر الجرائم المرتبطة بالنشر والتداول… حيث إن هذا الامتداد التشريعي يعكس من جهة إرادة المشرع في الضبط والتنظيم، ومن جهة أخرى يكشف عن صعوبة تحقيق التوازن بين حماية النظام العام وصون الحقوق والحريات. ومن ثم، تتجلى أهمية هذا العمل في كونه لا يكتفي بسرد النصوص، بل يعمد إلى تحليلها، واستنطاق فلسفتها، وبيان حدود فعاليتها في مواجهة واقع رقمي متحول.
إضافة إلى ذلك، يولي المؤلف عناية خاصة للاجتهاد القضائي، باعتباره آلية حيوية لتفعيل النصوص وتكييفها مع الوقائع المستجدة… إذ إن القضاء، بما يملكه من سلطة تقديرية، يضطلع بدور محوري في تفسير النصوص القانونية، وتحديد نطاق تطبيقها، وضبط حدود المسؤولية في قضايا الأخبار الزائفة. وبالتالي، فإن استحضار القرارات والأحكام القضائية يشكل عنصرًا أساسيًا في هذا العمل، حيث يكشف عن دينامية المؤسسة القضائية، وعن قدرتها على مواكبة التحولات، رغم ما يعتري ذلك من تردد أو تباين في بعض الأحيان.
كما أن المؤلف لا يغفل البعد الصحفي، حيث يتناول الممارسة الإعلامية من زاوية المسؤولية المهنية والأخلاقية، مبرزًا أن حرية الصحافة، رغم كونها حقًا دستوريًا أصيلًا، تظل مقيدة بضوابط موضوعية، تستمد مشروعيتها من ضرورة حماية الحقيقة وصون المصلحة العامة… ومن ثم، فإن العلاقة بين الإعلام والقانون تظهر في هذا السياق بوصفها علاقة تكامل وتوتر في آن واحد، حيث يسعى القانون إلى الضبط والتأطير، بينما ينزع الإعلام بطبيعته إلى الحرية والانفتاح. وهذا التوتر المشروع يفرض بدوره ضرورة البحث عن صيغ توازنية، تضمن عدم الانزلاق نحو الرقابة المفرطة، وفي الوقت ذاته تحول دون الانفلات الإعلامي.
ومن الثابت أن ظاهرة الأخبار الزائفة لا يمكن مقاربتها بمنطق قانوني صرف، إذ إن تعقيدها يقتضي استحضار أبعاد متعددة، تتقاطع فيها التكنولوجيا مع الاجتماع، ويتداخل فيها الإعلام مع السياسة… لذلك، فإن هذا الكتاب يكتسب أهميته من كونه يتبنى مقاربة شمولية، تستوعب هذه التداخلات، وتقدم قراءة مركبة، تتجاوز الاختزال، وترفض التبسيط. حيث إن المؤلف يربط بين انتشار الأخبار الزائفة وبين التحولات التي مست بنية الإعلام ذاته، خاصة مع صعود منصات التواصل الاجتماعي، التي أضحت فضاءً مفتوحًا لتداول المعلومات دون رقابة مسبقة.
وعلاوة على ذلك، فإن الكتاب يثير إشكالية الإثبات في قضايا الأخبار الزائفة، وهي مسألة دقيقة ذات أبعاد إجرائية معقدة… حيث إن إثبات زيف الخبر، وتحديد مصدره، وإثبات القصد الجنائي، كلها عناصر تطرح تحديات عملية أمام الجهات القضائية، خاصة في ظل الطابع العابر للحدود الذي يميز الفضاء الرقمي. ومن ثم، فإن المؤلف يقارب هذه الإشكالات بمنهج تحليلي دقيق، مستحضرًا المبادئ العامة للقانون الجنائي، ومبرزًا الحاجة إلى تطوير آليات الإثبات بما يتلاءم مع طبيعة الجرائم الرقمية.
كما يتوقف العمل عند مسألة الجزاء، سواء في بعدها الزجري أو المدني، حيث يناقش فعالية العقوبات المقررة في ردع مرتكبي جرائم الأخبار الزائفة، ومدى تناسبها مع خطورة الأفعال المرتكبة… إذ إن التشدد في العقوبة قد يفضي إلى تقييد حرية التعبير، في حين أن التساهل قد يشجع على التمادي في نشر الأخبار المضللة. وبالتالي، فإن البحث عن توازن دقيق بين الردع والحماية يظل هاجسًا مركزيًا في هذا المجال.
ومن زاوية أخرى، يبرز المؤلف أهمية الوقاية، حيث إن مواجهة الأخبار الزائفة لا تقتصر على المقاربة الزجرية، بل تقتضي كذلك تعزيز الوعي الإعلامي، وترسيخ ثقافة التحقق، وتطوير أخلاقيات المهنة الصحفية… إضافة إلى ذلك، فإن دور المؤسسات التربوية والإعلامية يظل حاسمًا في بناء مواطن واعٍ، قادر على التمييز بين الخبر الصحيح والمعلومة المضللة.
لذلك، يمكن التأكيد أن هذا الكتاب يشكل إضافة نوعية في حقل الدراسات القانونية والإعلامية، حيث يجمع بين الدقة المفاهيمية، والعمق التحليلي، والاستحضار الواقعي… وهو ما يجعله مرجعًا أساسيًا لكل باحث أو مهتم بإشكالية الأخبار الزائفة، في زمن تتسارع فيه الوقائع، وتتداخل فيه الحقائق، وتتعاظم فيه الحاجة إلى مرجعيات علمية رصينة تؤطر الفهم وتوجه النقاش.
وفي المحصلة، فإن الأخبار الزائفة في ضوء التشريع والعمل القضائي والصحفي لمؤلفه عبد العزيز بنعلي لا يقدم مجرد قراءة في ظاهرة معاصرة، وإنما يؤسس لرؤية قانونية متكاملة، تستند إلى التحليل والتفكيك، وتسعى إلى الإحاطة بظاهرة معقدة، تتطلب تضافر الجهود التشريعية والقضائية والإعلامية… ومن ثم، فإن قيمته تتجاوز حدود اللحظة الراهنة، ليشكل لبنة أساسية في بناء فهم أعمق لعلاقة القانون بالإعلام، في زمن تتغير فيه قواعد اللعبة، وتتعقد فيه رهانات الحقيقة.