فتح الله حافظي: الدعم بدل الجرأة… حين لا تصل كلفة القرار إلى جيب المواطن

فتح الله حافظي: الدعم بدل الجرأة… حين لا تصل كلفة القرار إلى جيب المواطن فتح الله حافظي

مرة أخرى، يختار الخطاب الرسمي الطريق الأسهل: تبرير الواقع بدل تغييره. ومرة أخرى، يخرج مصطفى بايتاس ليؤكد أن دعم مهنيي النقل هو الحل الممكن في سياق دولي مضطرب. لكن السؤال الذي يزداد إلحاحاً ليس: لماذا الدعم؟ بل: لماذا هذا الخيار تحديداً دون غيره؟
لماذا لم تلجأ الحكومة إلى تسقيف مؤقت لأسعار المحروقات، ولو لستة أشهر، إلى حين أن تهدأ العاصفة الدولية؟
ولماذا لم تُفعّل خفضاً مرحلياً لبعض الضرائب، كما فعلت دول في الضفة الشمالية للمتوسط، حين اختارت أن تتحمل جزءاً من الصدمة بدل تمريرها كاملة إلى المواطن؟
الجواب، وإن لم يُقل صراحة، واضح بين السطور:
الحكومة تفضل الدعم على خفض الضرائب… لأن الدعم يمكن التحكم فيه، بينما تخفيض الضرائب يعني تراجعاً مباشراً في المداخيل.
لكن بين هذا الاختيار وذاك، تضيع فئات كاملة خارج الحسابات.
أين هو الموظف من كل هذا؟
ذاك الذي يتقاضى أجراً ثابتاً، لا يرتفع مع الأسعار، ولا يتكيف مع تقلبات السوق. الموظف الذي يملأ خزان سيارته كل أسبوع، ويعيد حساباته كل شهر، دون أن يجد نفسه في أي خانة من خانات “الدعم غير المباشر”. هل يُطلب منه فقط أن ينتظر… وأن يقتنع بأن ما لا يصله، قد صُرف باسمه؟
وأين هو الفلاح، الصغير والمتوسط تحديداً؟
ذاك الذي يشتغل بآلياته، ويواجه كلفة متصاعدة للمحروقات في كل مراحل الإنتاج: من الحرث إلى السقي إلى النقل. هذا الفاعل الحيوي، الذي يُفترض أن يكون في قلب أي سياسة لحماية الأسعار، يوجد خارج دائرة الدعم، رغم أنه أول من يتأثر، وأول من يُمَرِّر الزيادة مضطراً إلى السوق.
ثم، من قال إن دعم النقل يصل فعلاً إلى المواطن؟
أين هي آليات التتبع؟
وأين هي الضمانات بأن لا يتحول الدعم إلى هامش ربح إضافي في سلسلة طويلة من الوسطاء؟
الحقيقة البسيطة هي أن الدعم، حين لا يكون مباشراً وواضحاً، يفقد معناه. بل يتحول إلى عبء مضاعف:
مواطن يمول الدعم عبر الضرائب،
ويدفع كلفة المحروقات،
ويتحمل زيادات غير مباشرة في الأسعار.
ثلاث مرات يدفع… ومرة واحدة يُطلب منه أن يتفهم.
الحكومة لا تخطئ حين تدعم، لكنها تخطئ حين تقدم الدعم كخيار وحيد، وتغلق الباب أمام بدائل أكثر عدلاً ووضوحاً.
لأن ما يغيب في هذا النقاش هو الجرأة على اتخاذ قرارات حقيقية:
تسقيف مرحلي يضع حداً لانفلات الأسعار،
أو تخفيض ضريبي يبعث رسالة ثقة للمواطن.
أما الاكتفاء بالدعم، فليس سوى تأجيل للأزمة…
وتوزيع لكلفتها بطريقة غير عادلة.
وفي النهاية، يبقى السؤال معلقاً:
هل وظيفة السياسات العمومية أن تحمي توازنات الأرقام…
أم توازنات العيش؟