محمد هرار: بين نار الحرب وضيق العيش.. تساؤلات الشارع العربي والإسلامي

محمد هرار: بين نار الحرب وضيق العيش.. تساؤلات الشارع العربي والإسلامي محمد هرار

في خضم ما يشهده العالم اليوم من صراعات متسارعة، تعود الحروب لتفرض نفسها كواحدة من أكثر الظواهر قسوة وإثارة للقلق. فهي، بلا شك، ليست مجرد مواجهات عسكرية بين أطراف متنازعة، بل مآس إنسانية مفتوحة يدفع ثمنها الأبرياء قبل غيرهم، وتطال آثارها الإنسان والبيئة، دون تمييز أو رحمة.
لقد بات من المسلّم به أن الحروب لا تحمل في طيّاتها قيما أخلاقية ثابتة، بقدر ما تحكمها المصالح والتوازنات والقوة. وفي واقعنا المعاصر، تتكرر مشاهد النزاعات التي تُشن تحت عناوين متعددة، بينما تظل نتائجها واحدة: دمار واسع، أزمات إنسانية قاتلة، واختلالات سياسية واقتصادية تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من حدود الدول المتحاربة.
وفي خضم هذه المشاهد، يقف المواطن العربي والمسلم أمام تساؤلات معقدة لا يجد لها إجابات واضحة. 
فالأطراف المتنازعة، على اختلافها، لكل منها سجل يثير الجدل، ومواقف يصعب معها تبني  اصطفاف مطلق، أو تأييد غير مشروط. كيف يمكن للإنسان أن يحدد موقفه في صراع تختلط فيه المصالح، وتتداخل فيه الأدوار، وتتغيّر فيه التحالفات؟
يزداد هذا التساؤل إلحاحا حين تبدو بعض الدول وكأنها تدفع أثمانا باهظة، ماديا ومعنويا، مقابل وعود بالحماية أو الاستقرار، دون أن تنعكس تلك الترتيبات على واقع الأمن كما كان مأمولا!. وفي المقابل، تظهر قوى أخرى بأدوار متباينة، بين الفعل المباشر والتأثير غير المباشر، في مشهد يكرس شعورا عاما بعدم اليقين.
وإلى جانب الخسائر المباشرة، تمتد آثار هذه الحروب إلى حياة الناس اليومية بشكل يثقل كاهلهم ويرهق معيشتهم. فقد شهدت أسعار المواد الغذائية ومصادر الطاقة ارتفاعات ملحوظة، في وقت تبقى فيه مستويات الدخل على حالها أو ترتفع بشكل طفيف لا يوازي هذا التصاعد، مما يفاقم الأعباء المعيشة ويضع شريحة واسعة من المجتمعات أمام ضغوط اقتصادية متزايدة. 
ومع استمرار التوترات، تتزايد المخاوف من تعقد الأوضاع أكثر، والدخول في موجات تضخم عالمي قد تجعل تلبية الاحتياجات الأساسية أمرا بالغ الصعوبة.
وسط كل ذلك، تتجه الأنظار إلى الضحية الأولى في هذه المعادلة: الإنسان المدني. فهو الذي يواجه وطأة الصواريخ، ويفقد الأمن والاستقرار، ويواجه واقعا تتلاشى فيه أبسط مقومات الحياة، سواء في مناطق النزاع أو حتى بعيدا عنها حيث تصل تبعات الحرب الاقتصادية والاجتماعية.
ومن هنا، يبرز تساؤل جوهري: هل الموقف يجب أن يكون مع طرف ضد آخر، أم مع الإنسان في وجه المعاناة؟
إن الشارع العربي والإسلامي، في مجمله، لا يبدو منحازا بقدر ما هو حائر. حيرة ناتجة عن إدراك بأن المشهد أعقد من أن يُختزل في ثنائية صواب وخطأ، وأن كثيرا من الصراعات لا تُدار بمنطق العدالة بقدر ما تُحكم بمنطق القوة والمصالح.
وفي ظل هذه التعقيدات، يظل الثابت الوحيد هو رفض العدوان أيا كان مصدره، ورفض أن يكون المدنيون وقودا لصراعات لا يملكون قرارها. فالمسؤولية، في نهاية المطاف، تقع على كل من يبادر بإشعال فتيل الفتن والحروب، ويُمعن في إدامتها، غير آبه بما تخلّفه من مآس إنسانية واقتصادية تثقل كاهل الشعوب.

وتظل الأسئلة عالقة، ويبقى القلق حاضرا، لكن الأمل يظل معقودا على وعي جمعي يرفض الانجرار وراء التبرير أو الاصطفاف، ويضع كرامة الإنسان وسلامته في مقدمة كل اعتبار.