الصادق العثماني : إمارة المؤمنين بالمغرب كنموذج للتوازن.. قراءة في تدبير العلاقة بين الديني والسياسي

الصادق العثماني : إمارة المؤمنين بالمغرب كنموذج للتوازن.. قراءة في تدبير العلاقة بين الديني والسياسي الصادق العثماني

لم يكن التداخل بين الدين والسياسة في العالم العربي والإسلامي ظاهرة عابرة أو حادثة طارئة، بل هو امتداد تاريخي لتجارب بشرية متعددة حاولت أن تؤسس لنظام يحقق العدل ويصون الكرامة ويضمن الاستقرار. غير أن هذا التداخل، الذي بدأ في سياقات مختلفة وبنيات اجتماعية متباينة، تحول في كثير من الأحيان إلى مصدر إشكال عميق، حيث اختلط المقدس بالبشري، والثابت بالمتغير، والرسالة الإلهية بالمصالح السياسية، فكانت النتيجة أزمات متراكمة لا تزال آثارها ماثلة في واقعنا المعاصر.
إن الدين في جوهره منظومة قيمية أخلاقية تهدف إلى هداية الإنسان وإصلاحه، وتوجيهه نحو الخير والعدل والرحمة، بينما السياسة مجال تدبير المصالح وتنظيم الشأن العام وفق مقتضيات الواقع المتغير. وعندما يتم الخلط بين المجالين دون وعي فلسفي أو مقاصدي، تتحول السياسة إلى سلطة مقدسة لا تقبل النقد، ويتحول الدين إلى أداة توظيف تخدم مصالح آنية، فيفقد كل منهما طبيعته ووظيفته .
لقد شهدت كثير من الدول العربية والإسلامية نماذج متعددة لهذا الخلط، حيث تم توظيف الخطاب الديني لتبرير الاستبداد، أو لتكريس شرعية سياسية، أو لمواجهة الخصوم، فتم استدعاء النصوص خارج سياقاتها، وتقديم تأويلات تخدم السلطة أكثر مما تخدم مقاصد الدين . وفي المقابل، ظهرت حركات سياسية  دينية سعت إلى احتكار الحقيقة الدينية، وتقديم نفسها بوصفها الممثل الوحيد للإسلام، مما أدى إلى تضييق دائرة الاختلاف، وإقصاء الآخر وتكفيره، بل وأحياناً إلى العنف والصراع .
هذا الواقع يطرح سؤالاً فلسفياً عميقاً: هل المشكلة في الدين ذاته أم في طريقة فهمه وتوظيفه؟ والجواب المقاصدي يقتضي التمييز بين الدين كمرجعية قيمية عليا، وبين التدين كفهم بشري قابل للخطأ والصواب. فالدين في ذاته لا ينتج الاستبداد، بل إن سوء الفهم وسوء التوظيف هما اللذان يحولانه إلى أداة قمع أو صراع.
إن من مقاصد الشريعة الكبرى حفظ الدين والنفس والعقل والمال والكرامة، وهذه المقاصد لا يمكن أن تتحقق في ظل أنظمة توظف الدين لتبرير الظلم أو لقمع الحريات. بل إن حفظ الدين نفسه يقتضي تحريره من التوظيف السياسي، لأن تسييسه يفقده مصداقيته، ويجعله عرضة للتقلبات والصراعات.
ومن هنا تبرز أهمية الفصل بين الدين والسياسة، ليس بمعنى إقصاء الدين عن الحياة العامة، أو نزع القيم الأخلاقية من المجال السياسي، وإنما بمعنى التمييز بين المجالين، بحيث يبقى الدين مرجعاً قيمياً وأخلاقياً موجهاً، دون أن يتحول إلى أداة سلطة أو وسيلة صراع. هذا الفصل هو في حقيقته حماية للدين من الابتذال، وحماية للسياسة من التقديس .
إن التجارب التي لم تفصل بين الدين والسياسة في العالم العربي والإسلامي أفرزت عدة سلبيات، من أبرزها تديين الصراع السياسي، حيث يتحول الخلاف السياسي إلى صراع ديني، فيُكفَّر الخصوم أو يُخوَّنون باسم الدين، مما يؤدي إلى تمزيق المجتمعات وإشعال الفتن. كما أدى هذا التداخل إلى تعطيل النقد والمساءلة، لأن الحاكم الذي يلبس لباس الدين يصبح فوق النقد، ويُنظر إلى معارضته على أنها معارضة للدين نفسه .
ومن السلبيات أيضاً إضعاف الخطاب الديني، حيث يفقد استقلاليته وصدقيته عندما يرتبط بالسلطة، فيتحول إلى خطاب تبريري لا يعبر عن هموم الناس ولا يعالج قضاياهم الحقيقية. كما أن تسييس الدين يؤدي إلى انقسام المؤسسة الدينية نفسها، حيث تنشأ ولاءات متباينة مرتبطة بالسلطة أو بالمعارضة، مما يضعف دورها التوجيهي والإصلاحي.
وفي سياق البحث عن نماذج عملية تسعى إلى تحقيق التوازن بين المجالين الديني والسياسي، تبرز التجربة المغربية بوصفها محاولة متميزة داخل العالم العربي والإسلامي لمعالجة هذا الإشكال المركب. ذلك أن مؤسسة إمارة المؤمنين في المغرب تمثل صيغة تاريخية دستورية تهدف إلى ضبط العلاقة بين الدين والسياسة، من خلال توزيع دقيق للاختصاصات يراعي خصوصية كل مجال. فالدستور المغربي ينص على أن أمير المؤمنين، بصفته رئيساً لمؤسسة إمارة المؤمنين، يتولى حماية الدين وضمان حرية ممارسة الشؤون الدينية، والسهر على ثوابتها، وهو ما يمنح المجال الديني نوعاً من الاستقلال المنظم الذي يحول دون توظيفه في الصراعات السياسية أو الحزبية .
إن هذه الصيغة لم تقم على الفصل الحاد بين الدين والسياسة بقدر ما قامت على التمييز الوظيفي بينهما، بحيث يتم تحصين الدين من التسييس، وفي الوقت نفسه يتم منع الفاعلين السياسيين من احتكار الخطاب الديني أو استغلاله لتحقيق مكاسب ظرفية. وبهذا المعنى، فإن مؤسسة إمارة المؤمنين تسهم في الحفاظ على وحدة المرجعية الدينية، وتحدّ من بروز التنازعات المذهبية أو التوظيف الإيديولوجي للدين، وهو ما انعكس نسبياً على الاستقرار الديني الذي تعرفه المملكة المغربية مقارنة بعدد من السياقات الأخرى التي شهدت توترات حادة نتيجة خلط المجالين .
وفي هذا السياق، برزت إصلاحات الحقل الديني في المغرب بوصفها امتداداً عملياً لهذا التصور، حيث قام جلالة الملك محمد السادس منذ توليه العرش بإعادة هيكلة المجال الديني وتنظيمه بما ينسجم مع ثوابت الأمة ويحميه من الاختراقات الإيديولوجية. وقد عملت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في السنوات الأخيرة على ضبط مجال الوعظ والإرشاد داخل المساجد، مع اعتماد آليات تنظيمية من أبرزها توحيد خطب الجمعة، وذلك بهدف صيانة بيوت الله من التمذهب الضيق والتوظيف السياسي والإيديولوجي. ويأتي هذا الإجراء في إطار اختصاصات مؤسسة إمارة المؤمنين، التي تضطلع بدور الإشراف والتوجيه العام، بينما تمثل الوزارة أداة مؤسساتية لتفعيل هذه التوجيهات على أرض الواقع، بما يضمن وحدة الخطاب الديني واتزانه، ويحفظ للمسجد وظيفته الروحية والتربوية بعيداً عن التجاذبات .
كما أن هذه التجربة المغربية تعكس وعياً مقاصدياً بأهمية حماية الدين من الابتذال السياسي، وحماية السياسة من التقديس الديني، من خلال إيجاد مرجعية عليا تضبط هذا التوازن دون أن تلغي التعددية السياسية أو الحيوية المجتمعية. ومن ثم، يمكن اعتبار النموذج المغربي محاولة اجتهادية معاصرة تسعى إلى تنزيل مقاصد الشريعة في سياق الدولة الحديثة، عبر بناء علاقة تكاملية قائمة على التمييز لا على الصراع، وعلى التنظيم لا على الفوضى .
وبذلك، يقدّم هذا النموذج مثالاً على إمكانية تطوير صيغ داخلية نابعة من الخصوصيات التاريخية والثقافية للعالم الإسلامي، قادرة على تجاوز إشكالية التداخل بين الدين والسياسة، دون الوقوع في الاستنساخ أو القطيعة مع المرجعية الدينية .
في المقابل، فإن الفصل الواعي بين الدين والسياسة يفتح المجال أمام بناء نظام سياسي قائم على الكفاءة والمساءلة والشفافية، دون أن يفقد البعد القيمي والأخلاقي. فالدين حين يكون حراً ومستقلاً، يستطيع أن يؤدي دوره في نقد السلطة وتوجيهها، بدل أن يكون تابعاً لها. والسياسة حين تتحرر من التقديس، تصبح قابلة للإصلاح والتغيير وفق إرادة الشعوب.
إن هذا الفصل لا يعني تبني نماذج غربية بشكل أعمى، بل يقتضي قراءة مقاصدية للتراث الإسلامي، تستحضر روح الشريعة وأهدافها، وتستفيد من التجارب الإنسانية المعاصرة. فالإسلام لم يأت بنظام سياسي محدد مغلق، بل ترك مجال الاجتهاد مفتوحاً وفق ما يحقق المصلحة ويدفع المفسدة. وهذا يفتح الباب أمام بناء نظم سياسية حديثة تراعي الخصوصيات الثقافية والدينية، دون أن تقع في فخ التوظيف السياسي للدين.
إن من أهم ما يجب التأكيد عليه في هذا السياق هو أن الدين لا يحتاج إلى سلطة سياسية ليحيا أو ينتشر، بل إن قوته الحقيقية تكمن في اقتناعه الذاتي وتأثيره الأخلاقي. والتاريخ يشهد أن الدين كان أكثر تأثيراً حين كان مستقلاً عن السلطة، وأقل مصداقية حين ارتبط بها. كما أن السياسة لا تحتاج إلى قداسة دينية لتكون شرعية، بل إن شرعيتها تنبع من رضا الناس وعدالتها وكفاءتها.
وفي العالم العربي والإسلامي اليوم، تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الدين والسياسة، في ظل التحديات المتزايدة، من صراعات داخلية، وتدخلات خارجية، وأزمات اقتصادية واجتماعية. ولا يمكن مواجهة هذه التحديات دون بناء وعي جديد يميز بين ما هو ديني وما هو سياسي، ويضع كل مجال في إطاره الصحيح.
إن هذا الوعي يتطلب إصلاحاً عميقاً في التعليم والخطاب الديني، بحيث يتم التركيز على المقاصد الكبرى للدين، وعلى قيم الحرية والعدل والكرامة، بدل الانشغال بالجزئيات والخلافات. كما يتطلب بناء مؤسسات سياسية قوية ومستقلة، تقوم على سيادة القانون، وتحترم التعددية، وتضمن المشاركة الشعبية.
وفي الختام، فإن فصل الدين عن السياسة ليس دعوة إلى العلمنة بالمعنى الإقصائي، بل هو دعوة إلى التوازن والتمييز، وإلى تحرير الدين من التوظيف، وتحرير السياسة من التقديس. وهو في جوهره مشروع حضاري يسعى إلى إعادة الاعتبار للإنسان، بوصفه محور الاستخلاف، وغاية التشريع، وأساس العمران.
فحين يستعيد الدين صفاءه الأخلاقي، وتستعيد السياسة عقلانيتها ومرونتها، يمكن للمجتمعات العربية والإسلامية أن تتجاوز أزماتها، وأن تبني مستقبلاً أكثر عدلاً واستقراراً، يحقق مقاصد الشريعة، ويصون كرامة الإنسان، ويجمع بين الإيمان والحرية، وبين القيم والتقدم .

 

الصادق العثماني - أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية