الحبيب كمال ( يمينا) وعبد الرزاق الحنوشي
بمبادرة من المنظمة المغربية لحقوق الإنسان ( فرع بني ملال) و بتعاون مع كلية الآداب والعلوم الإنسانية (جامعة السلطان مولاي سليمان) تم تنظيم حفل تكريمي للفاعل الحقوقي و الجمعوي الحبيب كمال يوم الجمعة 27 مارس 2026 بقاعة المحاضرات بالكلية بحضور حشد هام من الأساتذة والطلبة و فعاليات مدنية و سياسية و إعلامية ، و خلال هذا اللقاء قدمت بعض الشهادات في حق المحتفى به ، نورد هنا شهادة أحد الأصدقاء المقربين من المحتفى به ، و يتعلق الأمر بالفاعل الحقوقي : عبدالرزاق الحنوشي(المنسق العام للوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان)
يقال أن لكل مرء من اسمه نصيب، والحبيب كمال يتطابق فيه الاسم والمسمى، ذلك أن قواميس اللغة العربية تفيدنا في فهم معاني كلمة " كمال" فهي تعني: " تمام الشيء واكتماله دون نقصان"، وتعني أيضا : "بلوغ أعلى درجات الجودة والنضج والصفات الحميدة ،يقال رجل كامل أي بلغ النضج والفضل. أما كلمة " الحبيب" فتعني: الشخص الودود، العزيز، الرفيق المقرب، أو الشخص ذي المكانة العالية، الشخص الذي يميل له القلب".
صحيح أن القواميس تنبهنا إلى أن بلوغ الكمال هو صفة تنفرد بها الذات الإلهية وحدها، لذلك نقول: "الكمال لله"، غير أن القواميس ذاتها تفسح المجال لاستعمالات متعددة لهذا اللفظ وفقا لسياقات معينة. وأجدني عندما أتأمل مسار هذا الرجل وأحاول أن أتبين عمق شخصيته وملامحها الكبرى، أجدني لا أستطيع أن أجد بديلا عن ما صاغه أصحاب القواميس في تحديد معاني المفردتين "الحبيب" و "الكمال".
أعترف مسبقا أن شهادتي هاته، ذاتية وغير مكتملة، لكنها ليست بعيدة عن قدر كبير من الموضوعية والواقعية، صحيح أن معرفتي بالرجل كانت متأخرة –نسبيا- فأنا لم أكن أعرفه وهو في مرحلة النضال الثوري كأحد رموز اليسار الماركسي وبالتحديد ضمن تنظيم: "لنخدم الشعب"، وذلك راجع بالأساس لفارق السن بيننا، وكذا لتباين التنشئة السياسية لكلانينا، فهو اختار نهجا ثوريا وأنا خريج نهج إصلاحي، رغم أننا ألتقينا معا في ساحة النضال الجمعوي المشترك في أواخر سنة 1997، ومنذ ذلك الحين، تأسست بيننا علاقة صداقة متينة لم تزدها السنوات المتعاقبة إلا رسوخا ومتانة.
مسؤولية وازنة
جمعتني إذن بالصديق الجبيب كمال تجربة "الفضاء الجمعوي" الذي كان من المبادرين إلى تأسيسه في 27 دجنبر 1996 إلى جانب ثلة من الفاعلات والفاعلين في الساحة الجمعوية، وأستطيع القول، بكل موضوعية وتجرد أن إسهاماته في كل ما حققه القضاء الجمعوي عند توليه للمسؤولية، كانت حاسمة ووازنة لاسيما فيما يخص قدرته على تعبئة الموارد المالية المستدامة والحرص على تأمين تنفيذ البرامج وتحصين استقلالية القرار والحيلولة دون الارتهان لأجندات الجهات المانحة.
لقد غادر الحبيب كمال المسؤولية في الفضاء الجمعوي بعد ان مكنه من حيازة مقر في ملكية الجمعية، وهنا لابد من التنويه بالدور القيادي للصديقة ليلى رحيوي التي كانت رئيسة الفضاء الجمعوي في تلك الفترة، كما غادره بعد أن بات الفضاء الجمعوي أحد أهم الجمعيات في المغرب وفي شمال افريقيا والشرق الأوسط بفضل تركيزه على ما هو مشترك وعرضاني في اهتمامات النسيج الجمعوي: كإصلاح الإطار التشريعي للعمل الجمعوي، بناء القدرات ، توثيق وتثمين البحث والتفكير حول العمل الجمعوي وتوطيد ثقافة العمل المشترك والتشبيك والترافع والتحول إلى قوة اقتراحية يحسب لها ألف حساب في الداخل والخارج.
مبادرات خلاقة
بعد ذلك سيبادر الحبيب كمال مع ثلة من المتطوعات والمتطوعين إلى تأسيس منتدى بدائل الجنوب « FMAS » في سنة 2003، وسيسخر كل طاقاته وجهوده لتثبيت وجود هذه الجمعية الفتية ليجعل منها اليوم بؤرة ومشتلا للعديد من المبادرات الخلاقة والمبتكرة لعل أهمها الإذاعة الجمعوية، "جسور" ومعهد تكوين العاملين في مجال التنمية (IFAD) والمرصد المغربي للحماية الاجتماعية والائتلاف المغربي للتعليم للجميع، كما شكل المنتدى نقطة ارتكاز ودينامو المنتديات الاجتماعية بالمغرب وبالمنطقة المغاربية وعلى الصعيد الدولي، علاوة على المساهمة الوازنة في تأسيس وإشعاع تجربة مغربية رائدة و مرجعية في الملاحظة المستقلة للانتخابات عبر إحداث شبكة جمعوية متخصصة. كما ساهم بشكل نشيط وفعال في تأسيس الائتلاف المغربي من أجل العدالة المناخية ، والذي اهتم بالتغيرات المناخية في علاقتها بحقوق الإنسان كان له حضور وازن خلال استضافة المغرب لمؤتمر الأمم المتحدة للتغيرات المناخية (كوب 22 ) سنة 2016 بمراكش.
الحبيب كمال كرس جهده لتوحيد عمل الفاعلين و الفاعلين وإطلاق مبادرات مشتركة في مجالات أخرى، لذلك تجده حاضرا وفاعلا في تأسيس أو دعم العديد من التجارب الجمعوية المتميزة من قبل المنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف إلى جانب المناضل الفذ الراحل إدريس بنزكري ، ونجده أيضا حاضرا في تأسيس الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة – ترانسبراسي المغرب إلى جانب صديقه وفريق دربه المناضل الراحل سيون أسيدون، وعند إحداث هيئة الإنصاف والمصالحة، كان الحبيب كمال مطلوبا- وبإلحاح- للانضمام إليها ففضل طريقا آخر لمواكبة هذه التجربة من خلال تأسيس نسيج جمعوي في المناطق المشمولة بجبر الضرر الجماعي.
هذا الاختيار، أي العمل لفائدة الصالح العام من خارج المؤسسات، هو نفسه الذي سنجده لدى الحبيب كمال عندما كان مطلوبا منه الالتحاق بالمجلس الوطني لحقوق الإنسان سنة 2011 من موقع المسؤولية التدبيرية، لكنه اعتذر بلطف معتبرا أن دوره خارج المجلس سيكون أكثر إفادة وأكثر مردودية للبلاد و العباد ، وكذلك كان، حيث انخرط الحبيب كمال وبحماس منقطع النظير في مجمل الأوراش التي أطلقها المجلس دون أن يتنازل عن حسه النقدي البناء وعن "شغبه الجميل"، عندما تقتضي الضرورة ذلك ، ومن إسهاماته المتميزة انخراطه في إنجاح الدورة الثانية للمنتدى العالمي لحقوق الإنسان المنظم بمراكش سنة 2014 ومشاركته في العملية الاستثنائية لتسوية الوضعية القانونية للمهاجرين غير النظامين بالمغرب والتي استفاد منها أزيد من 50 ألف مهاجر ، وفي مؤتمر الكوب 22 .
عمل متعدد
التزام الحبيب كمال النضالي في العمل المدني غني ومتعدد وسيكون من باب المجازفة حصره، لدرجة وأنا أعد هذه الشهادة كنت كلما اعتقدت أنني قد حصرت لائحة الجمعيات والمبادرات التي أطلقها أو ساهم فيها، إلا وتذكرت أنني قد أغفلت أمورا أخرى، لذلك كان علي أن أشحذ ذهني وأستعين ببعض الوثائق والمستندات والصور فقد تنوعت وتعددت اهتمامات الحبيب كمال فنجده سندا قويا للحركة النسائية سواء من خلال انخراطه الفعلي في بعض الجمعيات التي كانت لها الريادة والسبق في الاهتمام ببعض القضايا التي كانت تشكل طابو هات في المجتمع من قبل الأمهات العازبات وتزويج القاصرات والفتيات عاملات المنازل ضحايا شبكات السمسرة والاتجار في البشر، لذلك نجده مساهما في تجربة جمعية إنصاف وجمعية التضامن النسوي التي أسستها الراحلة عائشة الشنة سنة 1985، كما نجده ضمن شبكة دعم الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية ( 1998- 2000 )، وداعما لمختلف الديناميات النسائية.
بنفس الجدية والالتزام نجد الحبيب كمال داعما لمبادرات العمل الجمعوي عن قرب في الأحياء الشعبية من خلال الشبكة التي أسسها المناضل الراحل عبد الله زعزاع بمدينة الدار البيضاء، وانتشرت بعد ذلك في عدة مدن أخرى ،كما انخرط أيضا في العمل الإنساني التضامني لاسيما خلال فترات الكوارث الطبيعية (الزلازل، الفيضانات، الأوبئة....) من خلال مساهمته في تأسيس ودعم "البنك الغذائي". و مجموعة الحداثة و الديمقراطية.
ظل الحبيب كمال منشغلا ببعض قضايا حقوق الإنسان بشكل دائم ومستمر وفي طليعة هذه القضايا اهتمامه بحرية الجمعيات ورفع كل أشكال القيود على عملها، حيث كان أحد اهم المبادرين إلى تأسيس أولى الشبكات الجمعوية المهتمة حصرا بالترافع على إصلاح الإطار التشريعي للعمل الجمعوي بالمغرب والتي شرعت منذ 1998 في قيادة حملة وطنية لتغيير ظهير 1958 والتي أدت إلى الإصلاحات التي أدرجت على هذا الظهير بصدور القانون رقم 75.00 سنة 2002.
حضور دائم
كما عمل الحبيب كمال على تأسيس المرصد المغربي للحريات العامة كجمعية حقوقية متخصصة ، ثم ساهم بشكل فعال في تأسيس "دينامية نداء الرباط "كبديل على ما سمي بالحوار الوطني حول الأدوار الدستورية لمنظمات المجتمع المدني الذي أطلقه الوزير الأسبق المكلف بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني السيد الحبيب الشوباني.
اهتمامات الحبيب كمال الحقوقية امتدت أيضا إلى حقوق السجناء، من خلال مساهمته الوازنة في تأسيس المرصد المغربي للسجون كجمعية حقوقية متخصصة أصبحت مرجعا في هذا المجال من خلال جودة عملها ولاسيما تقاريرها السنوية. كما ساهم في تأسيس ودعم الائتلاف المغربي للمناهضة عقوبة الإعدام إلى جانب النقيب ذ. عبد الرحيم الجامعي وفعاليات أخرى ، وقبل ذلك سنجده في طليعة المساهمين في تأسيس مؤسسة إدريس بنزكري للديمقراطية وحقوق الإنسان سنة واحدة بعد رحيل الفقيد إدريس بنزكري ( 2008).

طيلة مساري المتواضع نسبيا وقياسيا إلى مسار الحبيب كمال، لم أعثر على شخص بهذا الحضور الدائم على كل هذه الواجهات وبهذا الزخم وبهذه الكثافة، لدرجة أنني عندما أصاب بين الفينة والأخرى ببعض العياء والإحباط ، أستحضر عطاءات الحبيب كمال فأخجل من نفسي، واعتقد أننا أمام مناضل يمكن أن يسجل اسمه في كتاب "غينيس" للأرقام القياسية، فهذا البيلدوزر لا يتوقف عن العمل، سواء في التنظيمات المدنية التي يعمل فيها متطوعا أو داخل المقاولة التي يدبرها، وأتذكر خلال الزيارات التي تردد فيها على مكتبته هناك بشارع خريبكة بالدار البيضاء، أجده معتكفا يتابع الصغيرة والكبيرة ويجيب على المكالمات ويتولى الإجابة على الرسائل الإلكترونية، تجده أول الملتحقين بالمكتب وآخر المغادرين يكتفي في طعامه بكأس شاي وقليل من "الحرشة" ، وتعقبه فناجين القهوة ثم وجبة غذاء بسيطة بعد العصر، غالبا ما تكون "أومليط بالكاشير"، ولا أدري كم ساعة يخلد فيها إلى النوم، لكنني أعرف أنه يشتغل 14 ساعة يوميا على الأقل وعلبة السجائر لا تفارقه (ولعلها إحدى عاداته السلبية القليلة التي لاحظتها فيه وأتمنى أن يقلع عنها ).
مثقف عضوي
كيف يمكن استعراض إسهامات الحبيب كمال دون الحديث عنةما قام به من تحركات ومبادرات لدعم مختلف الحركات الاحتجاجية متضامنا ومآزرا للمناضلات والمناضلين وعائلاتهم وساعيا لفتح قنوات الحوار مع أصحاب القرار مقترحا حلولا لتجاوز حالات الاحتقان التي غالبا ما تكون كلفتها باهظة على الدولة والمجتمع. كما ظل دائم الحضور في كل أشكال الدعم للقضية الفلسطينية.
الحبيب كمال إلى جانب كل من هذه الإسهامات العملية والميدانية هو أيضا تجسيد لمفهوم المثقف العضوي المنخرط في عملية التنوير والتثقيف الجماهيري من خلال مساهماته المتعددة والمتنوعة في العديد من الندوات والمناظرات الفكرية في المغرب وخارجه وما أقدر فيه عاليا ،جديته وحرضه على احترام الجمهور المستهدف والجهات المنظمة، إذ لم يسبق لي شخصيا أن حضرت ندوة شارك فيها الحبيب كمال دون تحضير مسبق والحرض على تدوين وتوثيق مداخلته والاجتهاد في البحث والتنقيب على المعلومات المستجدة والمفيدة.
هل وفيت الحبيب كمال حقه ؟وهل نجحت في الإحاطة بكل جوانب عطاءاته ؟ بالتأكيد لا، لكنني قدمت شهادتي هاته فقط بما استطعت أن اتذكره مما جمعني به من علاقة صداقة صادقة، لذلك أنا ممتن له شخصيا على كل ما قدمه لي من نصح وتوجيه ودعم وما منحه لي من ثقة لدرجة أنه كان يفوض لي أن أتحدث باسمه وأنوب عنه في بعض المهام.
العمل بصمت
وفي هذا الصدد تعلمت من كمال الحبيب، الكثير من القيم كان فيها – ولازال- القدوة الحسنة، فخلال ثلاث عقود من علاقتنا لم أسمع منه كلمة سوء في حق أحد، حتى في حق الذين كانوا أحيانا يسيئون إليه، كان يكتفي بالصمت ويكتم غيظه، دائما يحسن الظن بالناس، لا يرد طلبا كلما كان قادرا على تلبيته أو على الأقل تمكين صاحبه من المعلومات التي قد تساعده على نيل مبتغاه، بل غالبا ما يحرص على متابعة الأمر فيما يشبه "الخدمة ما بعد البيع" ليطمئن قلبه.
طيلة سيرته النضالية كما واكبتها. ظل الحبيب كمال يعمل في صمت لا يتهافت على الظهور والتباهي، يحرض على الاطمئنان على أحوال أصدقائه من باب الوفاء لا يتردد في دعم ومآزرة المحتاج دون رياء أو منة، وفي تكتم تام من باب حرصه على حفظ الكرامة وعزة النفس.
أكيد أن الإحاطة بكل منجز الحبيب كمال مجازفة، لكن بعد هذه الشذرات التي أوجزتها في هذه الشهادة، يحق لي أن أؤكد ما سبق أن بدأت به شهادتي من تطابق بين ما حملته قواميس اللغة العربية في تحديد معاني لفظي "الحبيب" و"كمال" وبين سيرة المحتفى به، الذي لم يكن لا نبيا ولا قديسا ولا حتى من "أولياء الله"، لكن المؤكد هو أنه من الذين "تقضى على أيديهم حوائج الناس"، وهذا أعز ما يطلب هنا والآن وفي كل الأزمنة والأمكنة.
قدمت هذه الشهادة في حفل تكريم الحبيب كمال من قبل المنظمة المغربية لحقوق الإنسان (فرع بني ملال) ضمن ندوة حول: " دور الجامعة في الوقاية من التمييز القائم على النوع الاجتماعي " بتعاون مع كلية الآداب والعلوم الإنسانية ، جامعة السلطان مولاي سليمان، يوم الجمعة 27 مارس 2026.