خديجة الكور: الحماية الاجتماعية في المغرب.. تغطية تتسع.. وحماية تتراجع

خديجة الكور: الحماية الاجتماعية في المغرب.. تغطية تتسع.. وحماية تتراجع خديجة الكور

لم تعد الحماية الاجتماعية  مجرد ورش تقني، بل أصبحت معياراً حقيقياً لمدى التزام الدولة بالعدالة الاجتماعية. فحين يشعر المواطن أن المرض لا يسقطه في الهشاشة، وأن الشيخوخة لا تتحول إلى مصدر قلق، يمكن الحديث عن دولة اجتماعية.
و يشكل تعميم الحماية الاجتماعية أحد أهم الأوراش الإصلاحية في المغرب. غير أن نجاح هذا الورش لا يُقاس فقط بتوسيع قاعدة المستفيدين، بل بمدى قدرته على إحداث أثر ملموس في حياة المواطنين. وهنا تظهر مفارقة واضحة: نعم، اتسعت التغطية، لكن الحماية الفعلية لا تزال ناقصة، والفجوة قائمة بين الانخراط في المنظومة والإحساس الحقيقي بالأمان داخلها.
ولا يمكن فهم حدود هذه المنظومة دون العودة إلى الإطار القانوني الذي يؤطرها. على رأسه القانون رقم 65-00 المتعلق بالتغطية الطبية الأساسية، الصادر بموجب الظهير الشريف بتاريخ 3 أكتوبر 2002، الذي شكل اللبنة الأولى لبناء نظام التأمين الإجباري عن المرض بالمغرب. فقد أسس هذا القانون لنظام مزدوج يقوم، من جهة، على التأمين الإجباري لفائدة الأجراء والفئات القادرة على المساهمة، ومن جهة أخرى، على نظام للمساعدة الاجتماعية موجّه للفئات المعوزة، في إطار منطق التضامن الوطني. كما تم تعزيز هذا الإطار عبر تعديلات متتالية، أبرزها القانون رقم 120-13 لسنة 2014، ثم القانون رقم 27-22 الصادر في 25 نونبر 2022، الذي جاء في سياق تنزيل ورش تعميم الحماية الاجتماعية وإدماج الفئات الهشة ضمن نظام التأمين الإجباري الأساسي بدل نظام المساعدة الطبية.
غير أن هذا البناء القانوني، رغم أهميته، يكشف عن حدود واضحة في التطبيق؛ إذ يقوم في جوهره على آليات تعويض مبنية على التعريفة المرجعية، وعلى توازنات مالية هشة، دون أن يواكب بالسرعة الكافية التحولات العميقة التي عرفها القطاع الصحي وارتفاع تكاليف العلاج. كما أن الجمع بين منطق التأمين والمساعدة داخل نفس الإطار القانوني، دون وضوح كاف في الحدود والآليات، ساهم في خلق التباس في طبيعة الحقوق، وأضعف في بعض الحالات فعالية الحماية. وهكذا، فإن الإشكال لم يعد في غياب النصوص، بل في قدرتها على مواكبة الواقع وضمان ترجمة فعلية لمبدأ الحق في العلاج كما يقره الدستور.
وتتجلى أبرز اختلالات النظام في تعويضات التأمين الإجباري عن المرض، خاصة على مستوى التعريفة المرجعية المعتمدة. فهذه التعريفة لا تعكس الكلفة الحقيقية للعلاج، ما يجعل المواطن يتحمل جزءاً كبيراً من المصاريف، خصوصاً في القطاع الخاص. على سبيل المثال، إذا توجه مريض إلى مصحة خاصة لإجراء فحص أو عملية بسيطة قد تصل كلفتها إلى 4000 درهم، بينما التعريفة المرجعية لا تتجاوز 2000 درهم، فإن التعويض يُحتسب على هذا الأساس. وإذا كانت نسبة التعويض 70%، فإن المريض يسترجع حوالي 1400 درهم فقط، ما يعني أنه يتحمل من جيبه نحو 2600 درهم، أي أكثر من نصف الكلفة الفعلية.
ويتكرر نفس الوضع مع الفحوصات اليومية؛ فاختبار مخبري قد يكلف 500 درهم، بينما التعريفة المرجعية لا تتجاوز 200 درهم، فيتم تعويض جزء بسيط فقط، ويظل الباقي على عاتق المواطن. وتتفاقم المشكلة حين لا يلتزم بعض مقدمي الخدمات الصحية بالتعريفة المرجعية أصلاً، خاصة في القطاع الخاص، حيث تُفرض أسعار أعلى دون أن تقابلها تغطية موازية. وهكذا يجد المواطن نفسه أمام مفارقة صعبة: فهو منخرط في نظام التأمين ويدفع مساهماته بانتظام، لكنه عند الحاجة إلى العلاج يكتشف أن التعويض لا يُحتسب على ما أدّاه فعلياً، بل على تقدير إداري أدنى، لا يعكس واقع السوق الصحية. يتحول المرض بذلك من عبء صحي إلى ضغط مالي يثقل كاهل الأسر، خاصة الفئات الهشة والطبقة المتوسطة.
إضافة إلى ذلك، تواجه المنظومة تحديات مالية حقيقية. ضعف الموارد، واتساع الاقتصاد غير المهيكل، وظاهرة التصريح الناقص كلها عوامل تحد من قدرة الصناديق على الاستجابة للطلب المتزايد، في مقابل ارتفاع مستمر في النفقات. وهو ما ينعكس مباشرة على توازنات أنظمة التقاعد، التي تمثل التزاماً أخلاقياً تجاه أجيال ساهمت وتنتظر حقها في العيش الكريم.
ويزداد الوضع تعقيداً مع التداخل بين منطق التأمين ومنطق المساعدة الاجتماعية، مما يهدد وضوح المنظومة ويؤثر على ثقة المواطنين فيها. فالدعم ضروري للفئات الهشة، لكن الحفاظ على منطق الحقوق داخل نظام التأمين يبقى أساسياً. كما أن الحماية الاجتماعية لا تكتمل دون عرض صحي منصف ومتاح، غير أن الواقع يكشف استمرار اختلال واضح بين قطاع خاص مرتفع الكلفة وضعيف التقنين، وقطاع عمومي يعاني من ضغط الإمكانات، مما يجعل الولوج الفعلي للعلاج غير متكافئ.
إلى جانب ذلك، تظل المساطر الإدارية المعقدة عائقاً أمام استفادة المواطنين من حقوقهم، رغم جهود الرقمنة، مما يقلل من قيمة الحق ذاته.
إن المغرب حقق خطوة مهمة بتوسيع التغطية، لكنه لم يحسم بعد معركة العدالة داخل المنظومة. فالتحدي اليوم لم يعد إدماج المزيد من المواطنين، بل ضمان حماية فعلية، عادلة ومستدامة.
ان الحماية الاجتماعية ليست امتيازاً، بل التزام دستوري وأخلاقي، ولا تُقاس بعدد المنخرطين، بل بمدى شعور المواطنين بالأمان. وبين الانتماء إلى المنظومة والإحساس بالحماية، تكمن المسافة الحقيقية بين إصلاح يتم الاعلان عنه وإصلاح ينجح.

 

خديجة الكور، رئيسة منظمة النساء الحركيات