محمد خوخشاني: معضلة السياسة المغربية.. خطاب يتجدد وقيادات لا تتغير

محمد خوخشاني: معضلة السياسة المغربية.. خطاب يتجدد وقيادات لا تتغير محمد خوخشاني

شكّلت الحلقة الأولى من برنامج «ساعة الصراحة» على القناة الثانية (2M) أكثر من مجرد لقاء حواري تقليدي مع أمين عام حزب سياسي. فقد كانت، في جوهرها، اختباراً لحالة التوتر الصامت بين النخب السياسية التقليدية وجيل جديد من المغاربة لم يعد يكتفي بالاستماع إلى الخطابات، بل صار يحللها، ويقارنها بالواقع، ويطلّ عبر منصات التواصل الاجتماعي بنقد لاذع لم يعد ممكناً تجاهله.

 

استُهل البرنامج بحضور محمد نبيل بنعبدالله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، الذي جلس أمام الصحافيين جامع كولحسن وسناء رحيمي في محاولة لفتح نقاش صريح حول قضايا السياسة والاقتصاد ودور المعارضة. الرجل، الذي راكم تجربة تمتد لعقود في الحقلين الحزبي والحكومي، بدا واثقاً، هادئاً، ومتمكناً من أدوات الخطاب السياسي. لكن هذه الثقة نفسها، التي قد تُقرأ كعلامة على النضج، تحولت في عين شريحة واسعة من المشاهدين الشباب إلى دليل على استمرار نمط من الممارسة السياسية تجاوزه الزمن.

 

الخطاب المتمكن… والواقع المتجمد

ركز بنعبدالله خلال الحلقة على قضايا راهنة: ارتفاع الأسعار، العدالة الاجتماعية، ودور المعارضة في المراقبة. وقد حرص على تقديم حزبه كقوة سياسية حداثية تدافع عن الطبقات المتوسطة والهشة، وتؤمن بمعارضة مسؤولة. لكن المفارقة أن هذا الخطاب، رصانته ووضوحه رغم ذلك، اصطدم بسؤال غير معلن راود كثيراً من المشاهدين: إذا كان هذا الوعي بالرهانات قائماً، فلماذا لا ينعكس على بنية الأحزاب نفسها؟

 

في الفضاء الرقمي، وتحديداً على منصات فيسبوك وإكس ويوتيوب، لم تتركز التعليقات على ما قيل داخل الاستوديو بقدر ما تركزت على هوية القائل ومدى قدرته على أن يكون حاملاً فعلياً للتغيير. لاحظ متابعون أن بنعبدالله، الذي تحدث عن ضرورة فتح أبواب الحزب أمام الشباب وعن أهمية تجديد النخب السياسية، يتولى الأمانة العامة لحزب التقدم والاشتراكية منذ عام 2010. وهو منصب قيادي ظل شاغراً أمام أي محاولات فعلية للتداول الداخلي، رغم أن الحزب ينتمي نظرياً إلى العائلة التقدمية التي رفعت لواء التجديد لعقود.

 

هنا تكمن المعضلة التي كشفها البرنامج، وإن بطريقة غير مباشرة: عندما يستمر الفاعل السياسي نفسه في تمثيل خطاب التجديد لسنوات طويلة، فإن الخطاب، مهما كان مقنعاً، يتحول إلى مجرد وصفة متكررة تفقد بريقها. السياسة في المغرب لم تعد تعاني فقط من غياب الرؤى أو ضعف البرامج، بل تعاني أيضاً من أزمة ثقة مرتبطة بغياب دينامية تداول الأجيال داخل قيادات الأحزاب.

 

ثنائية الدعوة إلى التجديد واستئثار القيادة

ما تطرحه حلقة «ساعة الصراحة» بهدوء هو تناقض بنيوي: الأحزاب السياسية المغربية، وفي مقدمتها حزب التقدم والاشتراكية، تدعو الشباب إلى الانخراط في العمل الحزبي، وتحثهم على المشاركة في الحملات الانتخابية وتنشيط الهياكل، لكنها تترك لهم في المقابل أدواراً هامشية بعيدة عن مراكز القرار. يظل الطريق نحو الأمانة العامة، أو المجلس الوطني، أو حتى القيادات الجهوية، محفوفاً بعراقيل غير معلنة، تجعل من فكرة «تداول النخب» مجرد شعار يزين البلاغات والخطابات.

 

وهذا ليس مجرد إشكال تنظيمي داخلي، بل هو جوهر أزمة أكبر تتعلق بمصداقية الأحزاب في عيون المواطنين. فكيف يمكن لجيل ولد في عهد التعددية الحزبية وترعرع في فضاء رقمي مفتوح أن يقتنع بأن الانخراط في حزب يعني مستقبلاً سياسياً واعداً، بينما المشهد القيادي لا يتغير لعقود؟

 

لقد أثبتت النقاشات الحادة التي عرفتها المنصات الرقمية عقب الحلقة أن الشباب المغربي ليس بعيداً عن السياسة، كما يُروّج أحياناً. بل إنه مهتم بالشأن العام، متابع بتفاصيله، وناقد بشراسة. لكنه يريد أن يكون فاعلاً، لا مجرد متفرج. يريد أن يرى وجهاً جديداً تعكس تجربته تحولات المجتمع، لا أن يظل أسير استهلاك خطاب سياسي راكمت فاعليته التاريخ نفسها.

 

نحو جيل سياسي جديد: من الشعار إلى الممارسة

إن ما تحتاجه السياسة المغربية اليوم ليس فقط خطاباً جديداً يتناغم مع تحديات اللحظة، بل جيلاً سياسياً جديداً قادراً على ترجمة هذا الخطاب إلى ممارسة مؤسسية حقيقية. وهذا الجيل لن يظهر عفواً، ولن ينبت في الفراغ؛ بل هو رهن بآليات تداول واضحة داخل الأحزاب، تسمح بانتقال تدريجي للقيادة، وبظهور كفاءات شابة تمتلك شرعية الخبرة الميدانية لا شرعية الأقدمية فقط.

 

محمد نبيل بنعبدالله، في حواره، قدم نموذجاً للسياسي المتمرس القادر على قراءة المعادلات الكبرى. لكن ما تحتاجه الساحة السياسية اليوم هو نماذج قادرة على إدارة هذه المعادلات نفسها بأدوات جديدة، وبحساسية مختلفة، وبجرأة على التفكيك والتركيب تتناسب مع تحولات المشهد الوطني والدولي.

 

خاتمة: السياسة بين الاستمرارية والقطيعة

لعل ما أنتجته حلقة «ساعة الصراحة» من نقاش عميق حول واقع الأحزاب هو أهم مخرجاتها. فالبرنامج، رغم كونه حلقة حوارية عابرة، نجح في أن يكون مرآة لحالة سياسية أوسع. لقد أظهر أن الجمهور، خاصة الشاب منه، لم يعد ينظر إلى السياسي كمتحدث باسم الحزب فقط، بل كرمز لممارسة سياسية شاملة تمتد من داخل الحزب إلى خارجه.

 

الرسالة التي خرج بها كثيرون من هذه الحلقة لم تكن مجرد تقييم لأداء أمين عام حزب التقدم والاشتراكية، بل كانت سؤالاً مفتوحاً على مستقبل العمل السياسي بأسره: هل ستظل الأحزاب المغربية سجينة قياداتها التاريخية، أم ستمتلك الشجاعة لفتح الباب على مصراعيه أمام جيل جديد قادر على إعادة تعريف السياسة بلغة العصر؟

 

في النهاية، تبقى السياسة كالكائن الحي: إذا توقفت عن التجدد، بدأت في الانحسار. وما كشفته «ساعة الصراحة» هو أن الرغبة في التجديد موجودة لدى الشباب، لكنها تنتظر من يحولها من طموح فردي إلى مشروع جماعي داخل بنيات حزبية أكثر انفتاحاً على المستقبل.