التأق أو الحساسية المفرطة في المغرب.. غياب قلم الأدرينالين مسألة حياة أو موت

التأق أو الحساسية المفرطة في المغرب.. غياب قلم الأدرينالين مسألة حياة أو موت الدكتور أنور الشرقاوي (يسارا) والأستاذ أحمد غسان الأديب

بقلم الدكتور أنور الشرقاوي والأستاذ أحمد غسان الأديب ، اختصاصي التخدير والإنعاش / العناية المركزة / طب الطوارئ

 

لماذا يبقى هذا القلم الذي ينقذ الأرواح غائباً عندنا في بلادنا وفي مدننا وقرانا ؟

في أنحاء العالم، هناك أشخاص عادوا إلى الحياة الطبيعية بفضل حركة بسيطة لم تستغرق سوى ثوانٍ: حقنة ذاتية من الأدرينالين استُعملت فور ظهور تفاعل تحسّسي عنيف.Reaction anaphylactique

وفي المقابل، هناك أرواح انطفأت في صمت لأن هذا العلاج لم يُعطَ في الوقت المناسب.

بين قصص النجاة التي انتهت بارتياح كبير، وقصص الفقد التي تركت خلفها حزناً عميقاً، تبرز حقيقة طبية واضحة: عند حدوث التأق ( الحساسية المفرطة) ، يصبح الأدرينالين في كثير من الأحيان الحدّ الفاصل الهش بين الحياة والموت.

ومع ذلك، فإن هذا الجهاز البسيط وغير مكلف و المنقد للحياة ما يزال غائباً عن السوق في المغرب.

قد تبدأ القصة فجأة.
حلق يضيق على نحو مفاجئ.
تنفّس يصبح صعباً.
دوار يزحف إلى الجسد.
هكذا يبدأ التأق في كثير من الحالات.

إنه تفاعل تحسّسي حاد وغير متوقع، قد تسببه لسعة حشرة، أو نوع من الطعام، أو دواء، وأحياناً يحدث دون سبب واضح.

وخلال دقائق معدودة، قد ينزلق الجسم إلى صدمة خطيرة قد تفضي إلى الوفاة.

في مثل هذه اللحظات الحرجة، يتفق الطب في العالم كله على حقيقة واحدة: الإعطاء الفوري للأدرينالين هو العلاج المرجعي المنقذ للحياة.

كلما تم الحقن بسرعة، ارتفعت فرص النجاة.

في بلدان عديدة، أصبح هذا التدخل الحيوي متاحاً عبر جهاز بسيط: قلم ذاتي لحقن الأدرينالين،Stylo يحمله المرضى المعرّضون للخطر معهم ويستخدمونه فور ظهور الأعراض.

هذا الجهاز غيّر مصير كثير من الأشخاص.

الممثلة الأمريكية جولي بوين، المعروفة بدورها في مسلسل Modern Family، تتعايش مع حساسية شديدة.

ذات مرة، أثناء تناول الطعام، بدأت تشعر بأن حلقها ينغلق وأن التنفس يصبح صعباً.
أخرجت فوراً قلم الأدرينالين من جيبها وحقنت نفسها بالجرعة الطارئة.
بعد دقائق، استقرت حالتها.
وقد صرحت لاحقاً بأن هذا الجهاز الصغير هو السبب في أنها ما زالت على قيد الحياة اليوم.

أما أسطورة التنس العالمية مارتينا نافراتيلوفا فتعاني من حساسية شديدة تجاه لسعات النحل.
في إحدى الحوادث، وبعد تعرضها للسعة، بدأت الأعراض تظهر بسرعة.
لكنها كانت تحمل معها قلم الأدرينالين، فاستعملته فوراً وتمت السيطرة على الأزمة.
وقد وصفت هذا الجهاز بأنه أشبه بحزام أمان طبي يحمي حياتها.

كما تعرّض الممثل الاسكتلندي جيمس ماكافوي لتفاعل تحسّسي حاد بعد لسعة حشرة.
بفضل الحقن الذاتي بالأدرينالين الذي كان متوفراً لديه، تمكن من تثبيت حالته إلى حين وصول فرق الإسعاف.

هذه القصص تنتهي دائماً بشعور عميق بالارتياح.
تعود الحياة إلى مسارها لأن العلاج المنقذ كان متاحاً في اللحظة الحاسمة.

لكن قصصاً أخرى انتهت على نحو مأساوي.
في عام 2016، اشترت المراهقة البريطانية ناتاشا إدنان-لابروز شطيرة من أحد مطارات لندن.

كانت تعاني من حساسية تجاه مادة في السنودويتش.
وأثناء الرحلة الجوية، أصيبت بنوبة تأق حادة Forte allergie. 
لم تُعطَ الأدرينالين في الوقت المناسب.
وتوفيت الفتاة البالغة من العمر خمسة عشر عاماً بعد وقت قصير، في حادثة هزّت الرأي العام في بريطانيا.

وفي نيويورك، تناول المراهق إيلايجا سيلفيرا حلوى تحتوي على الحليب الذي كان يعاني من حساسية تجاهه.
كانت الاستجابة التحسسية سريعة وعنيفة.
لكن غياب حقنة الأدرينالين في الدقائق الأولى جعل الأزمة تتحول إلى مأساة لا رجعة فيها.

وفي بريطانيا أيضاً، طلب الشاب أوين كاري شطيرة دجاج.
لكن طريقة تحضير اللحم احتوت على مكوّن تسبب له في حساسية خطيرة.
اندلعت نوبة التأق بسرعة، ومع غياب الحقن الفوري بالأدرينالين تحولت الواقعة إلى فاجعة وطنية.

تذكرنا هذه القصص بحقيقة طبية صارمة: التأق لا يمنح سوى دقائق قليلة للتدخل.

وتشير التقديرات الدولية إلى أن هذه الحالة الطارئة تصيب نحو 46 شخصاً من كل 100000 سنوياً.

وعند إسقاط هذه النسبة على عدد سكان المغرب، فإن الأمر يعني آلاف الحالات المحتملة كل عام.
ورغم أن معدل الوفيات بين الحالات التي تصل إلى المستشفى يبقى محدوداً نسبياً، فإن كل وفاة بسبب التأق تظل مأساة كان يمكن تجنبها.

ومع ذلك، فإن قلم الأدرينالين الذاتي ما يزال غير متوفر في الصيدليات المغربية، ولا يدخل ضمن وسائل التدخل السريع في حالات الطوارئ.

في العديد من الدول، أصبح هذا الجهاز جزءاً عادياً من حقائب الإسعاف في المدارس ووسائل النقل والأماكن العامة.

بل إن الآباء والمعلمين أو زملاء العمل يستطيعون استخدامه فوراً إلى حين وصول فرق الإنقاذ.

إن غيابه في المغرب يمثل ثغرة مقلقة في منظومة التعامل مع هذه الحالة الطبية الطارئة.

السماح بتسويق قلم الأدرينالين الذاتي في المغرب سيشكل خطوة مهمة لتعزيز سلامة المرضى الذين يعانون من الحساسية الشديدة.

وينبغي أن تترافق هذه الخطوة مع توفيره في مسالك الطوارئ، ودعم المرضى المعرّضين للخطر حتى يتمكنوا من الحصول عليه دون عوائق.

كما أن تدريب المهنيين الصحيين والمعلمين والعاملين في المؤسسات التربوية سيساعد على ضمان التدخل السريع عند حدوث نوبة تأق.

أما إطلاق حملة وطنية للتوعية فسيُمكّن الأسر والمدارس من التعرف على الأعراض والتصرف بفعالية في الوقت المناسب.

وقد يشكل الأسبوع العالمي للحساسية المرتقب من 28 يونيو إلى 5 يوليوز 2026 فرصة حقيقية لوضع هذه القضية في صلب النقاش العمومي بالمغرب.

إن الأمر لا يتعلق برفاهية طبية ولا بمطلب هامشي.
بل هو قضية صحة عامة تمس الحق في الحياة.

فعند حدوث التأق، كل دقيقة قد تكون حاسمة.
وفي تلك الدقائق المصيرية، قد تكون حقنة بسيطة من الأدرينالين كفيلة بإنقاذ حياة إنسان.

لا ينبغي بعد اليوم أن يموت أحد بسبب حساسية فقط لأن العلاج المنقذ ليس متوفراً ببلادنا