الصويرة.. متحف مفتوح أمام الزوار المغاربة والسياح الأجانب لإكتشاف تاريخها وتراثها وجمالياتها

الصويرة.. متحف مفتوح أمام الزوار المغاربة والسياح الأجانب لإكتشاف تاريخها وتراثها وجمالياتها مشاهد من الصويرة

تشكل مدينة الصويرة متحفا مفتوحا يمكن لأي زائر أن يجد فيه مشهدا من مشاهد الماضي العريق، ويبدو هذا جليا في وحدة وانسجام البنايات التي حافظت على ملامحها رغم مرور عدة قرون على بنائها، فالطابع المعماري الفريد والمتميز للصويرة يمثل تمازجا متجانسا للمعمار الأوروبي بخاصية المعمار العربي، مما أكسب الصويرة بعدا جماليا وفنيا واضحين، لا يقل أهمية عن البعد الوظيفي النفعي، فهناك تناسق واضح بين انتظام الشوارع والأزقة والساحات ذات الطابع الأوروبي المتوسطي والهندسة المعمارية الإسلامية المتمثلة في شكل البنايات الخصوصية المنفتحة داخليا على فناء واسع والمنغلقة نسبيا على محيطها الخارجي.

 

 سقالات الصويرة

داخل السور المحكم للصويرة توجد شوارع و أزقة والسقالة، ومباني تاريخية ذات الطابع العسكري الدفاعي، هي الأكثر إثارة لهياكلها الضخمة والمتينة التي كانت تقوم بدور الحماية والدفاع عن المدينة من أي عدوان خارجي، دون أن يغفل مصمموها الجانب الجمالي والفني، من هذه المباني سقالة المدينة التي شيدت سنة 1765م من طرف السلطان سيدي محمد بن عبد الله، وهي عبارة عن مبنى مسطح، يحتوي على مستويين، مستوى سفلي يتكون من مجموعة غرف كانت تستعمل كمخازن للأسلحة والمؤونة و لإيواء الجنود، ومستوى علوي يحتوي على مجموعة من المدافع الحربية البرونزية التي يعود تاريخها للقرن 16.

وسقالة الميناء عبارة عن مبنى طوله 200 متر، تحده من جهة البحر شرفات مجهزة بمدافع برونزية، صنع معظمها في إسبانيا، كما يتوفر الحصن على برجين مربعي الشكل في كل من الجهة الشرقية والجهة الغربية، بالنسبة للمستوى الداخلي للحصن فيتكون من عدد من المخازن التي أعدت لتخزين المؤن من جهة وتكون مخدعا يأوي الجنود من جهة أخرى. 

ومن المباني الدفاعية كذلك، برج باب مراكش الذي بني في القرن 18، و هوموجه جهة البر لمراقبة وصد الهجمات الخارجية، ويقع هذا البرج في الجهة الجنوبية الغربية للمدينة العتيقة، ويتكون من طابقين.

 

 أسواق الصويرة

 تزخر المدينة بأسواق متعددة الوظائف، ك"السوق الجديد" بوسط المدينة الذي  يعد واحدا  من المعالم التاريخية البارزة بالصويرة، له أربعة أبواب، يضم دكاكين صغيرة متصل بعضها ببعض، يمتد على طول واجهتي شارع الزرقطوني، يجتمع فيه الباعة بشكل تخصصي، منهم المختصون في بيع الملابس الرجالية، ومنهم المختصون في بيع ملابس الأطفال وآخرون في بيع ملابس النساء، وثلة أخرى مختصة في بيع العطور ومستلزمات الخياطة. يعرف هذا السوق العتيق، حركة نشيطة صباحا ومساءا بشكل دائم، يعتبر ممرا سياحيا رئيسيا إلى مختلف الأزقة والشوارع بالمدينة القديمة.

 منها كذلك سوق السمك، وهو سوق تحيط به مجموعة من الحوانيت الصغيرة تباع فيها الأعشاب والتوابل.

وقبالة هذا السوق مباشرة، نجد سوق الرحبة، تحيط به مجموعة من الدكاكين، وبمحاذاته نجد ما يعرف ب "الجوطية" وهي ساحة صغيرة لبيع المواد المستعملة التي تباع بالمزاد العلني، وهذا السوق ثابت بهذا المكان منذ قرون.

ويتفرع عن شارع الاستقلال زقاق صغير يدعى "الصياغين"، حيت نجد مجموعة من المحلات لبيع الحلي، وهي الصناعة التي اشتهري بها مدينة الصويرة منذ زمن بعيد نسبيا، وشكلت مدرسة أعطت للصويرة طابعا خاصا انفردت به عن باقي المدن المغربية. وتضم زنقة الصياغين ثلاث قساريات، قسارية الصياغين وقيسارية بن بكار وقيسارية الكنوز، وهي منفتحة على بعضها البعض.

 

شاطئ الصويرة

يتمتع إقليم الصويرة بواجهة بحرية تمتد على طول 153 كلم انطلاقا من جبل الحديد شمالا إلى إمسوان جنوبا، ويعد شاطئ مدينة الصويرة من أجمل وأنظف الشواطئ المغربية، يمتد على طول 2500 متر، يمتاز بالهدوء والاطمئنان اللذين يوفران للزائر سياحة آمنة، ومما يزيد الشاطئ جمالا، جزيرة موكادور التي لا تبعد عنه إلا ب 900 متر، وهي كتلة من الصخور تبلغ مساحتها 30 هكتارا، ويشهد على ماضيها النشيط ما تحتويه من أثار وهي بعض البروج ومساكن ومسجد صغير، وهي ملجأ لبعض أنواع الطيور النادرة. ويعرف الشاطئ بين الفينة والأخرى تنظيم بطولات عالمية في الرياضات البحرية. 

 

مهرجانات الصويرة الموسيقية  

تعرف مدينة الصويرة على امتداد السنة تنظيم عدة مهرجانات موسيقية عالمية، تحظى بتتبع جماهير غفيرة من داخل وخارج المغرب، وتحظى بمواكبة إعلامية مكثفة من كبريات الجرائد والمجلات والقنوات الوطنية والدولية، وتسعى هذه المهرجانات من ضمن ما تسعى إليه إلى إنعاش وتطوير القطاع السياحي والاقتصادي للمدينة وإخراجها من العزلة التي تعاني منها لسنوات طويلة، من ضمنها مهرجان الأندلسيات الأطلسية، و مهرجان الموسيقى الكلاسيكية ليزاليزي، ومهرجان الثقافات، ومهرجان الجاز تحت الأركان، ومهرجان كناوة و موسيقى العالم، و يبقى هذا الأخير أهم مهرجان بالمدينة وأحد أهم المهرجانات على المستوى الدولي، إضافة للمواسم السنوية التي تنظمها مختلف الزوايا بالمدينة.

 

 الحايك" الصويري لباس تقليدي عريق 

عادة ما يقترن ذكر الحايك بواقع الصويرة المحافظ، حتى أصبح، إلى حد ما، بطاقة مميزة له، وهذا شرف بالنسبة لهذا الواقع، فأن يكتسب شهرة لا تخلو من الأهمية، فذلك ليس بالأمر الهين.

سوسيولوجيا، يمكن فهم ظاهرة الحايك في إطارها العام على أنها أصالة تنبع من الحشمة والوقار، بحكم الواقع المعاش الذي يجد مرتكزه الأساسي في القوقعة والانغلاق عن الذات، إتباعا لما تسنه التقاليد والعادات الصويرية، والحايك تراث صويري يختزل في ثناياه بعدا ثقافيا أكثر منه أي شئ آخر، وتمسك المرأة الصويرية به معناه تشبثها بتراثها التقليدي، وبأصالتها التي تضرب في جذور التاريخ. 

إن الواقع الصويري، بحكم تحفظه، يشترط في المرأة أن تكون كذلك بارتدائها الحايك، وجعله كقناع بينها وبين العالم المحيط  بها، وقد تداخلت في تشكيله عدة عوامل دينية و اجتماعية واقتصادية،  والحايك من مقومات ثقافتنا الشعبية فالحفاظ عليه هو الحفاظ على تلك المقومات ومحاولة استمرارية وجودها الفعلي داخل الأوساط الاجتماعية الصويرية، فهو رمز صويري خالد، وتراث حضاري عريق، ينبغي حمايته.

                                 

صناعة النقش على خشب العرعار بالصويرة

يعد قطاع النقش على خشب العرعار من أهم القطاعات التقليدية بمدينة الصويرة لدرجة أنه أصبح مقرونا باسم المدينة، ويأتي هذا القطاع في صدارة الاهتمامات نظرا لما يختزنه من عطاءات عبر سنوات خلت، ومن المؤكد أن هذه الحرفة واكبت عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله خلال النصف الثاني من القرن الثمن عشر، حيث كان العرعار يستخدم بكثرة في المنطقة لبناء سقوف وأبواب المنازل والمساجد، وكذلك نقالة الجير كانوا يستعينون به لحمل الجير فوق الجمال، ومنذ أواخر القرن التاسع عشر بدأت صناعة العرعار تتطور تدريجيا بفضل مجهودات الصناع الصويريين ومشاركة العرب النازحين من الأندلس الذين أغنوا هذه الصناعة بخبرتهم، وهكذا بدأت صناعة العرعار تكتسب شهرة كبيرة وطنيا بفضل جودة منتوجاتها.

 وقد ظلت صناعة النقش على خشب العرعار في منطقة الظل زمنا لا يقل عن ربع قرن لغاية 1915م حيث أقيم معرض (مغربي ـ فرنسي) بمدينة الدارالبيضاء، ووجهت الدعوة لصناع العرعار الصويريين، فشاركوا بأعمال قيمة، كان لها بعيد المدى، داخل المغرب وخارجه، وخصص لها حيز فسيح في المنشورات السياحية، ومذكرات السياح الأجانب، كما أن هذا المعرض حظي بإقبال كبير، و عدت الدارالبيضاء ـ طوال مدة العرض ـ قبلة جميع الصناع المغاربة وهواة الصناعة التقليدية، الذين لفت نظرهم طابع الصبر والإتقان الذي تنم عنه صناعة  النقش على خشب العرعار بالصويرة، والتي تفاوتت نماذجها من حيث الحجم وطريقة التزيين، فهناك صنيدقات متنوعة ذات تلوين بعرق الليمون للمعلم عبد القادر ساكات، وعود ممتاز يعمل به الموسيقيون للمعلم عبد الله الدنادني، ورباب للمعلم  سلام ولد العلج، كما نجد بجانب هذه الروائع خزانات صالحة للكتب والملابس للمعلم عبد الله احماد اوحماد، عرعار كبير مزخرف ومطعم بعرق الليمون للمعلم بوبكر بن عبد الوافي، مائدة أطلق عليها اسم "الشايلا" للمعلم عمر ولد العلج، وهذه "الشايلا" كانت أروع ما شاركت به الصويرة في المعرض المذكور، وقد أحرزت على ميدالية ذهبية، على أن كل الصناع الصويريين حصلوا على ميداليات وشواهد تعترف لهم بالروعة والإتقان في صناعة العرعار، ومن هذا التاريخ خرجت صناعة النقش على خشب العرعار إلى منطقة الضوء، وانفتح أمامها عهد جديد اكتسبت فيه شهرة عالمية غنية عن كل بيان.

 

 انتعاش الحركة السياحية بالصويرة                                                        

تعد الصويرة من بين المدن المغربية القليلة التي تحظى بتاريخ سياحي حافل، وهذا راجع لظروف نشأة المدينة والدور التجاري الذي كانت تقوم به خلال القرن الثامن عشر باعتبارها الميناء الرئيسي لصادرات وواردات المنطقة الوسطى للمغرب آنذاك، وأقام بها بسبب ذاك تجار أجانب من جميع الجنسيات الأوربية والأمريكية، كما شكلت المدينة مركز القنصليات الأجنبية.

وفي فترة الستينات، عرفت المدينة قدوم أفواج مهمة من الأجانب ليس بهدف السياحة ولكن برغبة الاستقرار، وقد عرفت الظاهرة ب (ظاهرة الهيبي ) التي ضمت مجموعة من المفكرين  دبلوماسيين وعسكريين وفنانين وصحفيين واقتصاديين، الذين جاؤوا إلى الصويرة هربا من بلدانهم وتمردا على الحضارة التي وصلوا إليها والتي كانت سببا في تقييد حريتهم، لهذا كان هذا التيار الفكري ينادي بالحرية في كل شيء ويعارض القيود والقوانين التي تفرضها الأنظمة السياسية والاجتماعية والأسرية والدينية، واستقرت هذه الفئة بقرية "الديابات " وقرب البحر، كما كانوا يقطنون" بدار السلطان المهدومة" على مشارف واد القصب، وقد كان لهذه الفئة دور كبير في جلب العملة الصعبة للمدينة أنداك ، ولعل هذا هو العامل الإيجابي الوحيد لها، وقد كانت هذه الفئة تعيش عيشة غير طبيعية ومنحلة وتمارس أعمالا شاذة، ولما استفحل الوضع عملت السلطات على ترحيلهم من المدينة حيث أعادتهم إلى بلدانهم، وفي سنة 1974 لم يبق لهم تواجد بالمدينة، وبعد ذلك سوف تعرف المدينة ركودا سياحيا. 

لم تتخلص السياحة من هذا الركود إلا مع بداية التسعينات حيث بدأت تنتعش بشكل تدريجي، لكن الانطلاقة الحقيقية كانت مع بداية 1998 التي سجلت قدوم نحو 67.046 سائحا قضوا ما مجموعه 107.566 ليلة ليبلغ هذا العدد أقصاه سنة 1999 حيث وصل إلى حوالي 98.811 سائحا قضوا 123.489 ليلة، وبذلك ستشكل سنة 1999 أهم سنة سياحية عرفتها المدينة منذ بداية الحركة السياحية بها ،هذا الارتفاع راجع بالأساس إلى تنظيم أول مهرجان للثقافة الكناوية سنة 1998 وإلى الاهتمام الكبير الذي أصبحت تحظى به المدينة مؤخرا وطنيا ودوليا.

   

 عوامل التوافد السياحي على المدينة

يمكن تقسيم عوامل التوافد السياحي على مدينة الصويرة إلى عوامل طبيعية، ويدخل ضمن هذه العوامل مجموعة من الخصوصيات المميزة للمدينة، من بينها موقعها على شكل شبه جزيرة، ومناخها المتميز بهبوب الرياح على مدار السنة مما أكسبها لقب (مدينة الرياح )، إضافة إلى عامل التشميس ونظافة وهدوء الشاطئ ورماله الذهبية. 

أما العوامل الثقافية، فتشكل ثاني أهم عناصر جذب السياح ، خاصة ما يتعلق بتاريخها العريق وبأروقتها الفنية وبمهرجاناتها المتنوعة وبمواسمها العديدة، وإذا كان معظم السياح يبدون إعجابهم بهندسة المدينة كأول مدينة مغربية وضع لها تصميم هندسي قبل تأسيسها،  فإن البعض الآخر يبدي إعجابه بألوان المدينة المميزة عن باقي ألوان مدن المملكة وذلك باختيار اللونين الأبيض والأزرق في صقل جدرانها وأبوابها.

  وتحتل العوامل البشرية المرتبة الثالثة، فالهدوء الذي تنعم به هذه المدينة مقارنة مع باقي المدن المغربية يعد عامل جذب للسياح، وهذا الهدوء المنقطع النظير راجع لقلة حركة السير بشوارعها، إلى جانب هذا الهدوء هناك طيبوبة السكان وكرمهم وسرعة اندماجهم مع الزوار، وكذا تشبعهم بالقيم الكونية المتمثلة في التسامح والاحترام والانفتاح، فالسائح نتيجة ذلك ينعم بحرية التحرك والاستقلالية في أمن وأمان دون أدنى مضايقات.

إن تجمع كل هذا العوامل بالمدينة، جعل منها مدينة سياحة بامتياز تحظى بإعجاب واهتمام مختلف الأجناس والأعمار، تعرف حركتها السياحية انتعاشا ملحوظا واكبه تطور مهم في عدد الوافدين سوء الداخليين أو الأجانب، وبهذا حققت المدينة في وقت وجيز كما كبيرا في عدد السياح الشيء الذي شجع المستثمرين على اللجوء لهذا القطاع، فارتفع بذلك عدد الوحدات الفندقية بكل أنواعها العصرية والتقليدية، وبذلك توفرت للسائح إمكانيات الاختيار.