الحايك لباس تقليدي نسائي مغربي قديم، انتشاره بالشكل الذي نعرفه اليوم ارتبط خصوصا بالفترة ما بين القرن الخامس عشر والقرن السابع عشر للميلاد، ويرجح أغلب الباحثين أن ظهوره وانتشاره الواسع في مدن شمال المغرب مثل تطوان وشفشاون، ثم فاس والرباط، كان بعد توافد الأندلسيين والمسلمين المطرودين من الأندلس في أواخر القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر، حيث جلبوا معهم أنماطا من اللباس الأندلسي التي تطورت لاحقا إلى الحايك المغربي.
ومع مرور الزمن أصبح الحايك لباسا حضريا نسائيا أساسا، يرمز للوقار والهوية الاجتماعية، واستمر حضوره بقوة إلى منتصف القرن العشرين قبل أن يتراجع بتأثير تغير أنماط العيش واللباس الحديث، غير أنه ظل حاضرا في المناسبات والعادات التقليدية.
ويحتل الحايك الصويري مكانة خاصة في تاريخ مدينة الصويرة ووجدانها الاجتماعي، إذ لا يُنظر إليه باعتباره لباسا تقليديا فحسب، وإنما ينظر إليه بوصفه رمزا متجذرا في ذاكرة النساء ومسار المدينة عبر الزمن.
لقد عاش الحايك داخل التحولات التي شهدها المغرب، وبلغ خصوصيته في الصويرة مع نشأة المدينة في القرن الثامن عشر، حين تحولت إلى مركز تجاري وثقافي يعكس تنوعا بشريا وحضاريا قل نظيره.
ومع تأسيس الصويرة في عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله (محمد الثالث)، بدأت ملامح حياة حضرية تتشكل داخل أسوارها وأسواقها وأحيائها، وفي هذا الفضاء المفعم بالتبادل التجاري بين المسلمين واليهود والأوروبيين وأبناء القبائل المجاورة، وجد الحايك مساحته الخاصة، فاكتسب أسلوبه المحلي وخصوصية خامته وطريقة ارتدائه، حتى صار علامة من علامات المدينة ورمزا لنسائها في الفضاء العام.
ولم يكن الحايك مجرد قطعة قماش تغطي الجسد، وإنما كان تجسيدا لقيم اجتماعية عريقة تجمع بين الوقار والهيبة والرقي الهادئ.
فقد كانت المرأة الصويرية تحضر به إلى الأسواق والزيارات العائلية والمناسبات الدينية، كما يظهر بأبهى صورة خلال الأعراس والطقوس الاحتفالية، حيث يتحول إلى عنصر جمالي وثقافي يعبر عن الأصالة والاستمرارية.
ومن خلاله كانت العائلات تُظهر ذوقها ومكانتها، إذ تدل خامته وجودة نسجه وتزيين حواشيه على مهارة الصناع ودقة المعالجات اليدوية التي يمر بها.
وتبدأ رحلة صناعة الحايك من اختيار الصوف أو القطن وتنقيته، قبل غزله بعناية على المغزل التقليدي، ثم يُنسج على المنوال الخشبي في عملية تحتاج إلى صبر وخبرة للحفاظ على نعومة الخيوط وتناسقها.
وبعد اكتمال النسج، يُشكل القماش في قطعة واسعة، وتُعالج حواشيه وتُدعم أطرافه، وقد تُضاف إليها لمسات زخرفية بسيطة في النسخ المخصصة للمناسبات والعرائس. وبين يدَي الصانعين والنساء ينتقل الحايك من مادة ملموسة إلى رمز ثقافي نابض بالحياة.
أما طقوس ارتداء الحايك، فهي لحظة تتجاوز بعدها العملي لتلامس عمق التجربة الاجتماعية، فحين تستعد المرأة للخروج، تختار الحايك المناسب للمقام، ثم تبدأ عملية اللف التي تجمع بين الدقة والهدوء، حيث يُغطّى الرأس والكتفان أولا، ثم يُسدل القماش على الجسد في حركة متوازنة تحفظ الخصوصية دون أن تعيق الخطوات، ولم تكن هذه المهارة تُتعلّم بالكلمات، بل تنتقل من الأم إلى الابنة عبر الملاحظة والممارسة، لتصبح جزءا من تربية الذوق والسلوك والهوية.
وتكتسب هذه الطقوس طابعا خاصا في الأعراس والمناسبات الكبرى، إذ تتحول لحظة ارتداء الحايك إلى مساحة رمزية تعبّر عن عبور المرأة من مرحلة إلى أخرى في حياتها الاجتماعية. ويبرز ذلك بوضوح لدى العروس التي تتوشح حايكا ناعما وفاخرا، في مشهد يجمع بين الوقار والبهجة ويحمل في خلفيته ذاكرة العائلة والمدينة معا.
ومع دخول أنماط اللباس الحديثة وتغير إيقاع الحياة، تراجع الحضور اليومي للحايك في شوارع الصويرة، غير أن رمزيته لم تنطفئ، فما زال يظهر في العروض التراثية والمهرجانات الثقافية، كما أصبح موضوعا للاهتمام الأكاديمي والأنثروبولوجي، بوصفه وثيقة بصرية تحكي تاريخ المجتمع وتحولاته.
وهكذا يظل الحايك الصويري شاهدا على توازن الصويرة بين التراث والحداثة، وبين الذاكرة والمعيش اليومي.
وبقدر ما يبدو الحايك لباسا بسيطا في شكله، فإنه يحمل في عمقه سردية كاملة عن المدينة ونسائها، عن قيم الاحتشام والذوق والجمال الهادئ، وعن علاقة الإنسان بلباسه باعتباره جزءا من روحه وانتمائه، لذلك يظل الحفاظ على الحايك الصويري حفاظا على ذاكرة حية لا تزال تنبض داخل تفاصيل الحياة الصامتة للمدينة، وتمنحها خصوصيتها المتفردة عبر الأجيال.
رحم الله الفنانة التشكيلية الصويرية ركراكية بنحيلة (الصورة)، التي كانت مثالاً للأصالة والإبداع، حيث لم تكن تعرض لوحاتها فقط،وإنما كانت تعرض معها روح التراث المغربي الأصيل. كانت تحرص على الظهور في معارضها خاصة في أوروبا، مرتدية الحايك الصويري بكل اعتزاز، محافظةً على هوية لباس تقليدي عريق.
هذا الحضور المميز كان يثير إعجاب زائري معارضها، الذين وجدوا فيها تجسيدا حيا للتوازن بين الفن والهوية، وبين الحداثة والتشبث بالجذور الثقافية.