قراءة في قصيدة أو حين يعبر الشاعر من "الرّوح الذابلة" ليصبح هو "الشّاهد" والشّهادة في آنٍ واحد

قراءة في قصيدة أو حين يعبر الشاعر من "الرّوح الذابلة" ليصبح هو "الشّاهد" والشّهادة في آنٍ واحد الشاعر عبد الله الرخا والناقد محمد مفتاح

بمناسبة اليوم العالمي للشعر، وفي سياق اللقاءات الشعرية التي تشهدها مختلف ربوع الوطن، احتفاء بشاعرات وشعراء فن القول والكلمة المعبرة التي تتجاوز سطح المعنى إلى عمق الحفريات الوجدانية. تتقاسم جريدة "أنفاس بريس" مع عشاق الكلام الموزون، قراءة تقديمية موسومة بـ " ميتافيزيقا الإنبعاث ـ مانيفيستو ـ الضوء في القصيدة" خصّها الناقد والمخرج المسرحي محمد مفتاح لقصيدة شعرية جادت بها قريحة الشاعر عبد الله الرخا تحت عنوان: "أنا الشّاهد على قيد الحياة"

 

مقدمة:

تستدعي قصيدة "أنا الشّاهد على قيد الحياة" للشاعر عبد الله الرخا تأملاً نقدياً يتجاوز سطح المعنى إلى عمق الحفريات الوجدانية؛ حيث تولد القصيدة من رحم "المسافة الصفرية" بين الانكسار والقيامة. إنها نصٌّ مأزوم بحيرةٍ مقدسة، تجعل من "اللا-دراية" ليست عجزاً إدراكياً، بل هي ميكانيكا الاندهاش التي يرمم بها الشاعر تصدعات روحه. في هذا الفضاء، لا يكتب عبد الله الرخا كلمات، بل يستنبت من "الروح الذابلة" أبجديةً ضوئية تعيد صياغة العلاقة مع العالم؛ من "سجن النافذة" إلى "انعتاق المدى"، ومن "نبع السراب" إلى "جوهر اللؤلؤ".

 

هذه التجربة الاستشرافية عند عبد الله الرخا تقترح "مانيفيستو" جديداً للبقاء؛ فالحياة في نصّه لا تُعطى كمنحة، بل تُستخلص كشهادة حق من بين ركام العتمة وفوضى الغمام. ومن هنا، يبرز التساؤل الإشكالي الذي يغوي القارئ بالدخول إلى مختبر الشاعر:

بأيّ منطق شعريٍّ تتحول "الحيرة الاستهلالية" إلى سلطة معرفية قادرة على تفكيك شيفرات الغياب والعودة إلى البدايات؟، كيف نجحت "جدلية الأمكنة" (المدفأة، الشط، النافذة) في أن تكون معادلاً موضوعياً لرحلة التحرر من أغلال الذاكرة وتحويل "الشجن" إلى جسرٍ للعبور؟، هل يمثل "الشاهد" في ختام النص صوت الذات الفردية فحسب، أم هو صرخة "الإنسان الكوني" الذي يصرّ على نحت ملامحه وسط زحام العدم؟

 

عتبة الوجود: "سيميولوجيا 'أنا الشاهد' وبلاغة الانبثاق".

يشكل العنوان في نص عبد الله الرخا، "أنا الشاهد على قيد الحياة"، عتبةً أنطولوجية (وجودية) تتجاوز الوظيفة التعيينية لتصبح إعلاناً سيادياً للذات. فجملة "أنا الشاهد" ليست مجرد إقرار بالحضور، بل هي فعل مقاومة يواجه محاولات المحو أو التغييب التي تفرضها "فوضى الغمام" و"الروح الذابلة". إنها شهادة تُنقل من حيز المشاهدة الصامتة إلى حيز التوثيق الشعري، حيث تصبح "الحياة" هنا استحقاقاً يُنتزع من براثن "اللاسكون والسواد".

 

ومن هنا تنبثق الإشكالية المركزية للنص: كيف استطاع الشاعر أن يحول "الحيرة" المتكررة في لازمة "لست أدري" من حالة تيه وانكسار إلى أداة معرفية صلبة؟ إن الحيرة في هذا السياق لا تعني الجهل بالواقع، بل تعني إعادة النظر فيه؛ فعدم الدراية بكيفية "خطف قوت العصافير" أو "التقاط حباب الدفء" هو في الحقيقة خلخلة لليقينيات القديمة الرّاكدة، تمهيداً لبناء وعي جديد يتشكل بين يدي "الآخر/الصديق" الذي يفتح أبواباً في المدى. هكذا تتحول "لست أدري" من صرخة ضياع إلى مختبرٍ لإعادة ابتكار الذات، لتكون النتيجة النهائية هي تلك "الشهادة" الجسورة بالبقاء.

 

لازمة "اللا دراية" في قصيدة عبد الله الرخا: استراتيجية التطهير السيميائي وصناعة الميلاد الجديد.

تتأسس بنيوية النص عند عبد الله الرخا على هيمنة "بلاغة الحيرة"، حيث يتحول تكرار لازمة "لستُ أدري" من مجرد حلية إيقاعية إلى محرك دلالي مركزي يؤسس لجماليات "الدهشة الوجودية". إن هذه الحيرة، في قراءة نقدية معمقة، لا تمثل قصوراً في الإدراك أو جهلاً معرفياً، بل هي فعل استنارة وتخلٍ طوعي عن "المنطق التقريري" الجاف لصالح انخطاف الروح أمام تحولات الكينونة المفاجئة.

 

من منظور نقد الاستجابة، تضع هذه العبارة القارئ في مواجهة مباشرة مع تجربة إنسانية تتجاوز التفسيرات العقلانية؛ فـ "خطف قوت العصافير" و "تشابك الظلال" هي أفعال انزياحية تكسر رتابة الواقع لتعيد صياغة لحظة التماس مع "الآخر" بوصفها لحظة سريالية بامتياز. إن الشاعر هنا يستخدم "اللا-دراية" كآلية لتفكيك الذات القديمة وإعادة تركيبها؛ فعدم وعيه بكيفية حدوث "الابتهال في جنح الظلام" أو "التقاط حباب الدفء" يشير إلى أن التجربة قد بلغت من الكثافة الشعورية ما جعلها تستعصي على "اللغة الواصفة"، لتصبح الحيرة ذاتها هي اللغة البديلة والأكثر صدقاً في التعبير عن الوجد.

 

علاوة على ذلك، فإن هذا النفي المعرفي (لست أدري) يعمل كعملية تطهير سيميائي؛ حيث يسقط الشاعر من خلاله "يقينيات الأمس" التي يصفها بـ "التعاويذ" و "السراب"، ليفتح أفقاً جديداً للتلقي. إن الرخا يبرهن عبر هذا المحور على أن الوعي الحقيقي بالذات يبدأ من الاعتراف بهشاشتها وحيرتها أمام سطوة "الحياة" و"المدى"؛ فالحيرة هنا هي المخاض الوجداني الذي يسبق ميلاد "الشاهد" الذي أعلن عن نفسه في ختام القصيدة.

 

ديناميكية الفضاء الشعري: جدلية (العتمة/الضوء) ومنعطفات التحول الوجودي.

يتحرك النص شعرياً ضمن بنية مكانية تعارضية، حيث تتواجه قيمتان وجوديتان: "العتمة" كمكافئ للجمود والذاكرة المثقلة، و"الضوء" كمحفز للانعتاق والولادة. إن رصد "سيرة الضوء" في القصيدة يكشف عن انتقال درامي من الأمكنة الضيقة والمنكفئة (النافذة، العزلة، السواد) إلى الفضاءات المفتوحة (المدى، الأفق، الشط).

 

من الناحية الفينومينولوجية (الظاهراتية)، لا تظهر "النافذة" هنا كفتحة للعبور، بل كإطار لـ "اللاسكون والسواد"، وهي حالة تمثل سجن الذات داخل "فوضى الغمام". غير أن نقطة التحول تبدأ من "المدفأة"؛ هذا المكان الصغير الذي يتحول إلى بؤرة استنارة (غيرت تمردي)، لينتقل الشاعر بعدها إلى "المدى" الذي يفتحه "الصديق/المحبوب". هذا الانتقال يمثل إزاحة مكانية من "الداخل المأزوم" إلى "الخارج المشرق"، حيث يصبح "الماء" (الغدير، الشط، الضلوع) هو العنصر المطهّر الذي يغسل أدران "نبع السراب".

 

إن ثنائية (العتمة/الضوء) عند الرخا ليست مجرد تزيين وصفي، بل هي جدلية وجودية؛ فالضوء لا يلغي الظلام بل يخترقه، والمدى لا يلغي الحزن بل يجعله "شجناً" يتوسط الشط بوقار. إن الشاعر يثبت من خلال هذا المحور أن تحرير المكان يبدأ من تنوير الروح، وأن الوقوف على "الشط" في الختام هو النتيجة المنطقية لنجاح الذات في الخروج من "نفق النافذة" إلى "رحابة المدى".

 

سيميولوجيا الرمز واستراتيجية الإحالة: من سديم العصافير إلى جوهر اللؤلؤ.

تنتقل قصيدة عبد الله الرخا في محورها الثالث من جدلية المكان إلى سيميولوجيا الرمز، حيث يعيد الشاعر شحن مفردات الطبيعة بدلالات شعورية تجردها من سياقها المادي لتمنحها ثقلاً وجودياً. إن استخدام الرمز هنا لا يأتي كزينة بلاغية، بل كـ "وحدات دلالية" تعكس صراع الذات بين التلاشي والتحقق.

 

فـ "العصافير" في مطلع النص ليست مجرد كائنات، بل هي تمثّل لـ "البراءة الكونية" أو القوت الروحي الذي يخشى الشاعر "خطفه"، مما يضفي مسحة من الارتباك الأخلاقي والجمالي على لحظة التماس مع الآخر. أما رمزية "الماء" (الغدير، النبع، الشط)، فتتجلى كعنصر "أنطولوجي" للتطهر؛ حيث يبرز التقابل الحاد بين "نبع السراب" (الماضي الخادع/الذاكرة العقيمة) و"الغدير" (الحاضر المشتهى/الامتلاء الروحي). هذا الانزياح من السراب إلى الغدير يعكس رغبة الذات في الانتقال من "العدمية" إلى "الجوهر".

 

وفي ذات السياق، تبرز استعارة "اللؤلؤ النادر" وسط "الزحام" كإشارة إلى "الفرادة الوجودية"؛ فالشاعر يبحث عن المعنى النوعي لا الكمي، وعن اللحظة التي تستحق أن يُشهد عليها. إن لغة الرخا الاستعارية تعمل كـ "مختبر لتكرير الشعور"؛ فهي تصفّي "فوضى الغمام" لتستبقي "حباب الدفء"، محولةً الأدوات البسيطة (المدفأة، التعاويذ) إلى مفاتيح رمزية تفتح "أبواباً في المدى". وبذلك، تصبح الاستعارة عند الرخا هي الجسر الذي يربط بين "الروح الذابلة" و "أفق الانبعاث".

 

فينومينولوجيا الشهادة: انبعاث الكينونة وإعلان الانتصار الوجداني

تصل القراءة النقدية لقصيدة عبد الله الرخا إلى محطتها الأخيرة عند منطق "فينومينولوجيا الشهادة"، حيث يتحول النص من مجرد بوح ذاتي إلى إعلان وجودي حاسم. إن القفلة الشعرية التي تتوّج النص بعبارة "أنا الشاهد الذي ما زال على قيد الحياة" تُمثل لحظة التنوير الكبرى؛ حيث تخرج الذات من "عتمة الغياب" و "سبات الظلام" لتستعيد صفتها كذاتٍ فاعلة، واعية، وموثقة لمخاضها الوجداني.

من منظور التحليل الفينومينولوجية، لا تشير "الشهادة" هنا إلى مجرد الحضور الفيزيائي، بل هي فعل استعادة للهوية من بين براثن "الوجوه التي تعيدنا للبدايات". لقد نجح الشاعر في تحويل "الشجن" و "اللحظات الغابرة" من عوائق وجودية إلى ركائز للمعنى؛ فالوقوف في الختام ليس وقوفاً سكونياً، بل هو وقوفُ مَن استطاع "فتح أبواب في المدى" وتجاوز "نبع السراب". إن تكرار "لست أدري" في السطر الأخير يأتي كـ صدىً جمالي يذكّرنا بأن اليقين الوحيد الذي وصل إليه الشاعر هو "يقين الشهادة" ذاتها، أي الاعتراف بأن الحياة هي سلسلة من الدهشات المستمرة.

 

بهذا، يغلق الرخا دائرة الحيرة ليفتح أفق الكينونة؛ مؤكداً أن القصيدة في جوهرها هي الوثيقة الأنطولوجية التي تثبت أن صاحبها قد عبر من "الروح الذابلة" ليصبح هو "الشاهد" والشهادة في آنٍ واحد.