تامكروت.. حين تتحول ذاكرة الصحراء متعددة اللغات إلى فرصة اقتصادية ضائعة

تامكروت.. حين تتحول ذاكرة الصحراء متعددة اللغات إلى فرصة اقتصادية ضائعة

في الجنوب المغربي العميق، حيث يمتد وادي درعة كخيط أخضر وسط زرقة السماء وامتداد الصحراء، تقف تامكروت كواحدة من أكثر الفضاءات التي تختزل مفارقات المغرب المعاصر: غنى تاريخي وروحي هائل يقابله ضعف واضح في التثمين الاقتصادي. هذه القرية، التي لا تبعد سوى حوالي 18 كيلومتراً عن زاكورة، ليست مجرد تجمع سكني محدود، بل هي فضاء حضاري عمره أكثر من أربعة قرون، كان في يوم من الأيام مركزاً علمياً وروحياً يستقطب مئات الطلبة والعلماء من مختلف أنحاء المغرب وإفريقيا. ومع ذلك، فإن هذا الرصيد التاريخي، الذي يُفترض أن يشكل قاعدة لتنمية محلية مستدامة، لا يزال إلى اليوم غير مستغل بالشكل الكافي، مما يطرح إشكالية عميقة تتعلق بكيفية تحويل التراث إلى رأسمال اقتصادي حقيقي.

 

لقد شكلت الزاوية الناصرية القلب النابض لهذا الإشعاع، حيث لعبت منذ القرن السابع عشر دوراً مزدوجاً: دينياً وتعليمياً. فقد كانت تستقبل، حسب بعض التقديرات التاريخية، ما بين 200 و500 طالب سنوياً، وهو رقم يعكس مكانتها كـ"جامعة تقليدية" في سياقها الزمني. وكانت اللغة العربية هي لغة التدريس والمعرفة، في حين كانت الأمازيغية (تاشلحيت) تُستخدم في الحياة اليومية، ما يعكس شكلاً مبكراً من الازدواجية اللغوية الوظيفية. غير أن ما يميز تامكروت أكثر هو بعدها المتعدد اللغات، المرتبط بموقعها ضمن طرق القوافل العابرة للصحراء، حيث كانت تتقاطع فيها العربية والأمازيغية مع لغات إفريقية مختلفة، في سياق تبادل تجاري وروحي واسع. هذا التعدد لم يكن مجرد ظاهرة ثقافية، بل كان أداة للتواصل الاقتصادي والعلمي، ما يجعل من تامكروت نموذجاً تاريخياً لما يمكن أن نسميه اليوم "اقتصاد التعدد اللغوي.

 

وفي قلب هذا الإرث، تقف مكتبة تامكروت ككنز معرفي حقيقي، يضم ما يفوق 4000 مخطوط في مجالات متعددة، من الفقه والتفسير إلى الطب والفلك. بعض هذه المخطوطات يعود إلى القرن الثالث عشر، وقد تم جلبها عبر شبكات علمية امتدت إلى المشرق وإفريقيا جنوب الصحراء. غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن أقل من 10% فقط من هذه المخطوطات تم رقمنتها إلى اليوم، في وقت أصبح فيه الوصول إلى المعرفة رهيناً بالتحول الرقمي. إن هذا الوضع لا يعكس فقط نقصاً في الإمكانيات، بل يكشف أيضاً عن غياب رؤية استراتيجية تعتبر المعرفة مورداً اقتصادياً يمكن تثمينه. فلو تم رقمنة هذا الرصيد وإتاحته بلغات متعددة (العربية، الفرنسية، الإنجليزية)، لكان بالإمكان تحويل تامكروت إلى قطب دولي للبحث العلمي في الدراسات الإسلامية والإفريقية.

 

أما على المستوى الاقتصادي، فإن تامكروت تعيش على إيقاع أنشطة تقليدية محدودة، أبرزها الفلاحة الواحية وصناعة الفخار الأخضر، التي تُعد من العلامات المميزة للمنطقة. ويُقدّر الإنتاج السنوي من هذا الفخار بأكثر من 50 ألف قطعة، يتم تسويقها جزئياً في الأسواق المحلية والمدن السياحية. غير أن هذا النشاط، رغم أهميته الاجتماعية، لا يزال يعاني من ضعف في التنظيم وسلاسل التوزيع، مما يحد من قدرته على خلق قيمة مضافة حقيقية. كما أن التغيرات المناخية وندرة المياه تهدد استدامة الفلاحة الواحية، مما يزيد من هشاشة الاقتصاد المحلي ويعزز ظاهرة هجرة الشباب نحو المدن.

 

وفي ما يتعلق بالسياحة، فإن تامكروت تستقبل سنوياً ما بين 15 ألف و30 ألف زائر، معظمهم من السياح الأجانب، خاصة الأوروبيين الذين يمثلون أكثر من 70% من الوافدين. غير أن مدة الإقامة في المنطقة لا تتجاوز في الغالب بضع ساعات، حيث يكتفي الزوار بزيارة سريعة للزاوية والمكتبة وورشات الفخار قبل مواصلة رحلتهم نحو الصحراء. هذا يعني أن تامكروت لا تستفيد إلا بشكل محدود جداً من العائدات السياحية، بسبب غياب بنية تحتية قادرة على احتضان السياح، وضعف العرض الثقافي والترفيهي، وغياب ترويج سياحي احترافي متعدد اللغات.

 

وهنا تحديداً يبرز البعد المتعدد اللغات كرافعة استراتيجية يمكن أن تغير معادلة التنمية المحلية. فالتعدد اللغوي، الذي كان في الماضي أداة للتواصل التجاري والعلمي، يمكن أن يتحول اليوم إلى أداة لجذب السياح والاستثمارات. إن توفير محتوى سياحي رقمي بلغات متعددة، وتكوين مرشدين سياحيين محليين قادرين على التواصل بالفرنسية والإنجليزية والإسبانية، يمكن أن يرفع من جودة التجربة السياحية ويطيل مدة إقامة الزوار، مما سينعكس مباشرة على مداخيل الساكنة. كما أن إدماج اللغة الأمازيغية في هذا المسار، إلى جانب العربية، يعزز الهوية الثقافية ويمنح للمنطقة طابعاً أصيلاً يجذب السياح الباحثين عن تجارب ثقافية حقيقية.

 

إن تامكروت اليوم تقف عند مفترق طرق حاسم: إما أن تظل حبيسة ماضيها، تُستهلك كصورة فولكلورية عابرة في مسارات السياحة الصحراوية، أو أن تتحول إلى نموذج تنموي قائم على تثمين التراث المادي واللامادي، وعلى رأسه التعدد اللغوي. فالتحدي لم يعد في توفر الموارد، بل في كيفية إدارتها واستثمارها. وفي عالم أصبح فيه الاقتصاد الثقافي أحد أهم محركات النمو، فإن تامكروت تمتلك كل المقومات لتكون فاعلاً حقيقياً، لا مجرد شاهد صامت على تاريخ مجيد.

 

إن الرهان اليوم ليس فقط الحفاظ على تامكروت كذاكرة، بل إعادة إدماجها في الحاضر والمستقبل، عبر سياسات عمومية ذكية تربط بين الثقافة والاقتصاد، وبين الهوية والانفتاح. فبين كثبان الصحراء وصمت الواحات، تخفي تامكروت إمكانيات … لكنها في انتظار من يقرأها بلغة التنمية، لا بلغة الحنين فقط.