خالد أخازي
في سياق وطني يتسم باحتقان اجتماعي غير مسبوق، ونحن نعد العدة ونهيئ المسرح السياسي لاستحقاقات شتنبر 2026، تتناسل الحملات الممنهجة والضربات المتتالية لتهديم ما تبقى من جدار المدرسة العمومية، وتفكيك رمزية المدرس في المخيال الشعبي المغربي.
هنا تبرز خطورة طلة الناشط أحمد عصيد الأخيرة، وهو يروج لإحصائيات مبتورة من السياق العام لدراسة، وهو الذي اعتاد أن يقتحم الطابوهات من شرفات التنوير والعقلانية، مدافعا عن الحريات وحقوق الإنسان.
اختار هذه المرة الانزلاق في مسار مستفز وخطير عبر صفحته الرسمية، ناشرا تدوينة وصورة مرفقة، اعتمد فيها على أرقام انتقائية ومبتورة منسوبة إلى دراسة تاليس الدولية، ليطلق حكما قاسيا وخطابا اختزاليا يعج بالمغالطات، يختزل معلومات ببرودة دم مفادها أن الأستاذ المغربي في السلك الابتدائي يشتغل فقط 38 ساعة، في حين يطحن المدرس الياباني في 55 ساعة من العمل، وتصل في البرازيل وتشيلي والإمارات إلى 40 ساعة. هذا الخطاب، الذي يرتدي قناع العلمية ويختبئ خلف عباءة المنظمات الدولية، يخفي في طياته مغالطة منهجية فادحة واختزالا إحصائيا يقلب الحقائق رأسا على عقب.
سنفكك، من خلال هذا المقال، بنية المنشور المذكور برؤية مقارناتية، لنكشف كيف يتم التلاعب ببيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لتحويل المدرس المغربي، الذي يعتبر الضحية الأولى للسياسات التعليمية المتعاقبة والارتجال الحكومي، إلى متهم رئيس يحشر في زاوية الغبن والتبخيس أمام مجتمع تم تضليله بعناية فائقة.
دراسة تاليس وفضح الخديعة المنهجية المبيتة
لا يكمن الخلل العميق والمرعب في دراسة تاليس في حد ذاتها، فهي دراسة رصينة ومحترمة تصدر عن جهات دولية موثوقة تعتمد معايير دقيقة في قياس بيئة التدريس والتعلم، بل في القراءة المبتورة والانتقائية التي قدمها أحمد عصيد في منشوره لملايين المتابعين، في استغلال بشع للاستهلاك السريع الجماهيري للمعلومة الرقمية. وإن أحال على الدراسة، فلا أحد، نفسيا وزمنيا، مهتم بالتدقيق الإحصائي عدا المختصين، مما يضع التدوينة في منطقة ملغومة الأثر جماهيريا.
فالمنظمات الدولية تضع حدودا صارمة ومفاهيم دقيقة لا تقبل التأويل أو التلاعب. وهناك فرق شاسع، بل بون شاسع بحجم المسافة بين الأرض والسماء، بين مفهوم زمن العمل الإجمالي الإلزامي ومفهوم زمن التدريس الفعلي. المنشور، حين يبرز رقم 55 ساعة في اليابان أو 40 ساعة في البرازيل والإمارات، يسوق للمغاربة غير المهتمين ولا ذوي الاختصاص وهما بصريا خادعا يوحي بأن هؤلاء المدرسين يقفون متسمرين أمام السبورة يشرحون الدروس طيلة هذا الزمن القاسي. والحقيقة العلمية والأكاديمية، التي تعمد المنشور إخفاءها، هي أن هذه الأرقام تمثل زمن الحضور المؤسساتي الإلزامي داخل فضاء المدرسة، وهو زمن يتضمن أنشطة لا حصر لها لا علاقة لها بالوقوف أمام التلاميذ لتلقين الدروس.
إن مقارنة زمن الحضور المؤسساتي في دول توفر كل سبل الراحة بزمن التدريس الفعلي في المغرب هي جريمة إحصائية تفتقد لأبسط مقومات النزاهة الفكرية والموضوعية التي يفترض أن يتحلى بها كاتب نحسبه من طينة المفكرين وقادة الرأي.
اليابان وكذبة الخمس وخمسين ساعة وفردوس العمل المؤسساتي
لنفكك معا هذا الصنم الإحصائي الياباني الذي اعتمده عصيد كأداة لجلد المدرس المغربي المقهور. المدرس الياباني يقضي بالفعل 55 ساعة، لكن أين يقضيها وكيف يقضيها؟ إنه يقضيها داخل مؤسسة تعليمية متكاملة الأركان تشبه مدينة مصغرة، توفر له شروط العمل الكريم من مكتب شخصي مجهز بأحدث الحواسيب، وقاعة اجتماعات فسيحة، ومكتبة غنية، وفضاءات مخصصة للراحة والاسترخاء وتناول القهوة مع الزملاء.
الجزء الأكبر من هذا الوعاء الزمني يخصص لمهام محددة ومؤطرة لا علاقة لها بالتدريس المباشر. هذا الزمن يتوزع على تأطير الأندية المدرسية الثقافية والرياضية، والإشراف التشاركي على وجبات الغداء مع التلاميذ في مطاعم مدرسية تليق بكرامة الإنسان، حيث تقدم وجبات صحية متكاملة، إلى جانب المشاركة في طقوس النظافة الجماعية التي تعتبر جزءا من التربية على القيم. كما يتضمن اجتماعات بيداغوجية منتظمة، واستقبال أولياء الأمور في مكاتب لائقة، والتحضير الجماعي للدروس في بيئة مريحة، وكل هذا مؤدى عنه وفق سلم أجور محفز.
ورغم ذلك، فإن المدرس الياباني لا يقف أمام السبورة طيلة 55 ساعة، بل إن لغة الأرقام الدقيقة في الدراسة نفسها تؤكد أن زمن التدريس الفعلي في اليابان لا يتجاوز 18 إلى 19 ساعة أسبوعيا. نعم، 18 ساعة فقط. هذا هو الرقم الحقيقي الذي تعمد المنشور إخفاءه لتمرير سردية التبخيس.
البرازيل والإمارات: مقارنة الفاكهة الاستوائية بشوك الصبار
بالانتقال إلى الأرقام التي ساقها المنشور عن البرازيل وتشيلي، والتي حددها في 40 ساعة، نجد الخديعة نفسها تتكرر. دراسة تاليس توضح أن المدرس في هذه الدول يقضي في المتوسط 20 إلى 25 ساعة فقط في التدريس الفعلي. أما باقي الساعات فهي زمن مؤسساتي مدفوع الأجر يخصص للتحضير والعمل غير المباشر داخل المؤسسة، مع توفر الوسائل اللوجستيكية والدعم التقني.
أما إقحام الإمارات في هذه المقارنة، فهو ذروة الاختزال. فبيئة العمل هناك تتسم بتجهيزات متقدمة، وأقسام أقل اكتظاظا، ومساعدين داخل الفصول، وساعات مخصصة للتطوير المهني في ظروف مريحة. المقارنة هنا ليست فقط غير دقيقة، بل غير عادلة على الإطلاق.
ثلاثون ساعة من الجحيم: يوميات المدرس المغربي
في الضفة الأخرى، يقدم الأستاذ المغربي في التعليم الابتدائي 30 ساعة كاملة من التدريس الفعلي، وليس 38 كما ادعى المنشور. هذا الرقم يمثل أحد أعلى معدلات الجهد البيداغوجي المباشر. المدرس لا يملك مكتبًا خاصًا ولا فضاءات مريحة، بل يقضي ساعاته أمام أقسام مكتظة، في ظروف مادية ونفسية صعبة.
ثلاثون ساعة من الشرح المتواصل، والضبط الصفي، والتفاعل مع عشرات التلاميذ، في أقسام قد تصل إلى خمسين متعلما، هي استنزاف حقيقي للأعصاب والصحة.
العمل الخفي: الساعات التي لا تُحتسب
عند نهاية اليوم الدراسي، تبدأ مرحلة أخرى غير مرئية: تصحيح، تحضير، تخطيط، إدخال نقط، وتتبع إداري عبر “مسار”، وصناعة وسائل تعليمية من المال الخاص. هذا العمل يرفع ساعات الاشتغال الفعلية إلى أكثر من 50 ساعة أسبوعيا، دون أي تعويض.
الأقسام المشتركة: الجريمة الصامتة
في العالم القروي، يشتغل المدرس في أقسام مشتركة، يدرس فيها عدة مستويات في وقت واحد، في ظروف قاسية تفتقر لأبسط مقومات العمل. هذه الحقيقة تغيب تماما عن المقارنات السطحية.
منظومة مسار ومؤسسات الريادة: الرقمنة التي تستنزف
بدل أن تكون أدوات مساعدة، تحولت هذه الأنظمة إلى عبء إضافي، يفرض على الأستاذ عملا تقنيا يوميا مرهقا، في غياب الوسائل الكافية، مما يضاعف الضغط المهني.
الأستاذ: حارس، ممرض، ووسيط اجتماعي
غياب الأطر المساعدة يجعل المدرس يقوم بأدوار متعددة: حراسة، إسعافات أولية، تأطير نفسي، تدبير نزاعات. مهام ثقيلة لا يعترف بها النظام كما ينبغي.
تناقض الخطاب: من ضحية إلى متهم
قراءة أرشيف الخطاب تكشف تحولا لافتا: من اعتبار المدرس ضحية للمنظومة، إلى تحميله مسؤولية اختلالاتها. هذا التحول يطرح أكثر من علامة استفهام.
استحقاقات شتنبر: حين تستعمل الأرقام سياسيا
لا يمكن فصل هذا الخطاب عن السياق السياسي. تبخيس المدرس يمهد لسياسات قد تمس الوظيفة العمومية وتبرر اختيارات مستقبلية، على حساب المدرسة العمومية.
في النهاية، الأرقام لا تكذب، لكن يمكن أن تستعمل للكذب. والسياق هو الحقيقة التي لا يجب بترها.
ورغم كل شيء، سيبقى المدرس المغربي خط الدفاع الأخير، صامدا في وجه العاصفة، يحرس ما تبقى من معنى المدرسة، ومن كرامة المعرفة.
خالد أخازي، كاتب وإعلامي