محمد خوخشاني
في ربيع عام 2026، يحبس الشرق الأوسط أنفاسه. الأسلحة صامتة على معظم الجبهات، لكن لا أحد يجرؤ على الحديث عن سلام. الهدوء الذي أعقب أكثر من عامين من الحرب الشاملة – تلك التي أحرقت غزة ولبنان وسوريا، وقادت للمرة الأولى إسرائيل وإيران إلى مواجهة مباشرة – يشبه هدنة بين جولتين. لكن شيئاً ما قد تغير بشكل لا رجعة فيه. النظام الإقليمي الذي نشأ بعد الحرب الباردة، القائم على الهيمنة الأميركية وصراع إسرائيلي-عربي مجمّد، قد انهار. شرق أوسط جديد يولد، متعدد الأقطاب، مجزأ، حيث يحاول كل فاعل إعادة تعريف مكانه.
إسرائيل: سراب التفوق العسكري
على الأرض، حققت إسرائيل نجاحات تكتيكية مذهلة. الهجوم على حماس مكّنها من السيطرة على أكثر من نصف قطاع غزة، عبر ما بات يُعرف بـ"الخط الأصفر" الذي يعيد رسم حدود القطاع. في لبنان، تم تدمير نحو 80% من ترسانة حزب الله، وقُضي على جزء كبير من قياداته. في سوريا، أتاح سقوط بشار الأسد لجيش الاحتلال حرية حركة غير مسبوقة، عبر توغلات برية وغارات جوية دمّرت أكثر من 80% من القدرات العسكرية السورية. وفي يونيو 2025، تجاوز الطيران الإسرائيلي خطاً تاريخياً بقصفه المباشر للأراضي الإيرانية، متسبباً بتعطيل جزء من البرنامج النووي.
لكن هذه الإنجازات تخفي هشاشة استراتيجية. كلفة الحرب فادحة: نحو 120 مليار شيكل من الإنفاق، واقتصاد تحت التجهيز، وموجة صدمة دبلوماسية. مئة وثمانية وخمسون دولة تعترف اليوم بدولة فلسطين، من بينها قوى غربية كبرى. عقيدة "ثمن الثمن" التي آمنت بها إسرائيل اصطدمت بجدار: المجتمع الدولي غيّر مقياسه. الدولة التي حلمت بالاندماج الإقليمي تجد نفسها أكثر عزلة من أي وقت مضى، بين رأي عام عالمي متزايد النقد وساحة سياسية تعاني انقساماتها الداخلية.
التحول الإقليمي الكبير: أربعة أقطاب وثلاث ألعاب
البنية التقليدية للشرق الأوسط – محور المقاومة مقابل المحور المعتدل – تحطمت. أربعة مراكز قوى تتصارع اليوم في رقصة تحالفات متغيرة.
● إيران منيت بانتكاسة كبرى. "محور المقاومة" بات في حالة خراب: حزب الله منكسر، النظام السوري سقط، حماس حوصرت في حرب عصابات. طهران تتحدث اليوم عن "الدفاع إلى الأمام" في محاولة لتجميع الصفوف بعد تراجع استراتيجي.
● تركيا تستغل الفراغ. متحالفة مع السلطة الجديدة في دمشق ومع قطر، تفرض نفسها كرأس حربة لمحور سني معادٍ لإسرائيل. الرئيس أردوغان وقّع اتفاقيات استراتيجية مع السعودية ومصر، معيداً خلط الأوراق في العالم العربي.
● السعودية تراهن على الحياد الفاعل. حصلت من واشنطن على صفة حليف رئيسي خارج الناتو، بينما تعمق شراكتها الاقتصادية مع الصين. إقليمياً، تحافظ على حوار مع إيران، وتمنع التصعيد مع تركيا، وترفض التطبيع مع إسرائيل دون ضمانات واضحة للفلسطينيين.
● إسرائيل أخيراً، تتبنى اليوم وضعية القوة المهيمنة، لكن بثمن العزلة المتزايدة. حراكها العسكري وحّد ضدها خصوماً يجمعهم القليل سوى العداء لها.
شرق أوسطان
الحرب وسعت الهوّة بين عالمين. في الجانب الآخر، "قوس الازدهار": دول الخليج التي حققت معدلات نمو غير نفطي تتجاوز 3.5%، وتجذب رؤوس الأموال، وتنوّع اقتصاداتها. في الجانب الآخر، "قوس الاضطراب": غزة مدمرة، سوريا تحتاج إعادة بناء، لبنان على حافة الانهيار، إيران تحت العقوبات. مصر والأردن، المحصورتان بين النارين، تحاولان الصمود أمام تدفق العنف. هذا الانقسام الاقتصادي-الاجتماعي قد يتحول إلى خط الصدع الجديد في المنطقة.
أميركا، روسيا، الصين: لعبة الثلاثة الكبار
إدارة ترامب أعادت الاستثمار عسكرياً في الشرق الأوسط. بنشر نحو 40 ألف جندي، وضرب الحوثيين، ومنح ضمانات أمنية غير مسبوقة لحلفائها الخليجيين، تريد واشنطن أن تظهر أنها لا تزال الضامن للنظام. لكن هذه القوة العسكرية لم تعد تترجم نفوذاً سياسياً حصرياً.
موسكو غادرت الطاولة. سقوط حليفها السوري جعلها متفرجاً ثانوياً. أما بكين، فتمضي في طريقها الهادئ لكن الفعّال: نحو 500 مليار دولار حجم التبادل التجاري مع المنطقة، حضور ضخم في البنية التحتية الرقمية والطاقة، ودبلوماسية "الربح للجميع" التي تجذب دولاً تبحث عن استقلال استراتيجي. العالم أحادي القطب مات؛ والشرق الأوسط بمثابة مختبر للوضع الجديد.
أين القضية الفلسطينية؟
لم تكن القضية الفلسطينية بهذا الحضور في الأجندة الدولية، ولم يكن الميدان بهذا السوء. فكرة حل الدولتين، التي دفنت سابقاً، عادت إلى كل العواصم، لكن الوقائع تناقضها: الاستيطان في الضفة يتوسع، غزة تحولت إلى خراب، والانقسام الداخلي مستمر. المفارقة قاسية: الحرب أعادت الفلسطينيين إلى قلب اللعبة، لكنها جعلت بناء دولتهم شبه مستحيل.
2026: عام كل الاحتمالات
المنطقة على مفترق طرق. إرهاق المتنازعين يفتح نافذة لتسويات. دول الخليج تملك الوسائل المالية لدعم خطط إعادة الإعمار. لكن العقبات هائلة: غياب أفق سياسي حقيقي، هشاشة القيادة الجديدة في سوريا، طموحات إيران، وعدم اليقين حول ثبات الالتزام الأميركي.
في هذه العاصفة، يبقى اليقين واحداً: شرق أوسط 2026 لم يعد له علاقة بشرق أوسط 2023. النظام القديم جرفته الرياح. النظام الجديد، متعدد الأقطاب والمتقلب، يبنى أمام أعيننا، في ألم وتناقضات. التاريخ لا يتوقف. إنه يتسارع.