أحمد حموش: طلقة حبر.. الوعي المهني بلا فعل لا يحمي المحاماة

أحمد حموش: طلقة حبر.. الوعي المهني بلا فعل لا يحمي المحاماة أحمد حموش

هناك لحظة دقيقة في حياة المحامي(ة)، لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تُحَسّ في تفاصيل اليومي: لحظة يتباعد فيها ما نقوله عما نعيشه داخل المهنة؛ لحظة تصبح فيها الكلمات أكبر من الوقائع، ويغدو الخطاب أكثر أناقة من الحقيقة. في هذه المسافة بالذات، تبدأ الأسئلة الجوهرية حول طبيعة المهنة ودورها في المجتمع، وتبرز الحاجة إلى ربط الخطاب القيمي بالممارسة الواقعية. فالمحاماة ليست مجرد عنوان من عناوين العدالة، بل ممارسة حية لا تستقيم هذه الأخيرة بدونها، مما يقتضي من كل فرد من أفرادها أن يكون فاعلًا مسؤولًا داخل بيئته المهنية.

هنا، يصبح تعريف المحاماة – مهنة النبل والاستقلالية، صوت الحق وميزان العدالة – أكثر من مجرد كلمات؛ إنه تعبير رمزي عن هويتها. غير أن هذا التعريف، مهما كان نبيلًا، يظل هشًّا حين يصطدم بواقع مهني معقد، تتشابك فيه هشاشة الممارسة مع تفاوت الفرص، ويصبح فيه الدفاع عن القيم أسهل من الدفاع عن شروط تحققها. فالمهنة ليست فقط ما نقول عنها، بل ما تسمح به ظروفها الفعلية؛ كما أن المحامي يظل، مهما بلغ من التكوين والالتزام، ابن بيئته المهنية، يتشكل داخلها ويتأثر بإكراهاتها. ومن هنا، يغدو أي نقاش حول تطوير المهنة تحديًا مزدوجًا: يتناول القيم والمبادئ، ويواجه في الآن نفسه واقعًا عمليًا يختبر تلك القيم يوميًا.

في هذا السياق، جاءت الدورة الثانية من “الإفطار-المناقشة” التي نظمها قطاع المحامين الاتحاديين بالدار البيضاء مثالًا حيًا على هذا الانكشاف؛ إذ أتاح اللقاء مساحة للنقاش أظهرت الفجوة بين ما نحلم به وما نعيشه. وقد كشفت هذه التجربة عن حيوية مهنية ورغبة صادقة في كسر صمت ظل يحيط بأسئلة مؤجلة منذ سنوات، مؤكدة أن النقاش الجاد ليس رفاهية فكرية، بل ضرورة لفهم الواقع المهني بعمق. هنا طُرحت أسئلة جوهرية: كيف تتأقلم المحاماة مع تحولات تشريعية متسارعة دون أن تفقد روحها؟ وكيف يمكن للنصوص أن تواكب الواقع بدل أن تثقل كاهله؟ وكيف يحافظ المحامي على توازنه بين دوره كفاعل في العدالة وواقعه المهني المعقد؟

ما ميّز هذا النقاش أنه لم يقتصر على الكلمة الرسمية للجهة المنظمة، بل أسهم فيه النقباء والزملاء الذين أماطوا اللثام عن مجموعة من الإشكالات التي تؤرق مضجع المحاماة، معيدين طرح أسئلة حارقة حول علاقة المحامين بمحيطهم المهني، وإشكالات الممارسة، ومسؤولية الأفراد والمؤسسات في الوضع الراهن. ومع ذلك، حاولت بعض التعليقات على وسائل التواصل تبسيط النقاش إلى حد السطحية، بل ذهب بعضها إلى حد التشكيك في براءة اللقاء، في توقيته وأهدافه ومؤطّريه، وكأننا أمام استعادة افتراضية لمحاكم تفتيش أو مطاردة للساحرات. وهذه التباينات بين نقاش مهني مسؤول وانطباعات رقمية سريعة تؤكد ضرورة حماية الحوار المهني من الانزلاق نحو الغوغائية أو الهجوم الشخصي، بما يمثل اختبارًا حقيقيًا لنضج المهنة.

لا يمكن قراءة الاختلالات التي عبّر عنها المتدخلون باعتبارها مجرد صعوبات عابرة؛ بل إن تراكمها واستمرارها يكشفان عن ملامح فساد مهني يتسلل أحيانًا إلى تفاصيل الممارسة اليومية، مؤثرًا في تكافؤ الفرص وصورة المهنة وثقة المجتمع فيها. وبالانتقال من التشخيص إلى الأفق العملي، يتضح أن الأزمة أعمق من أن تُختزل في النصوص وحدها، لأنها تمس الثقافة المهنية نفسها، وتعيد طرح سؤال المسؤولية المشتركة – أفرادًا ومؤسسات – في تكريس هذه الوضعية أو مقاومتها. فالتحدي هنا مزدوج: فهم الواقع بكل تعقيداته، ثم التحرك عمليًا لتحسينه.

وقد يُقال إن التشخيص يكشف عمق الإشكال، لكن الامتحان الحقيقي يتجلى في ترجمة الحلول ضمن الاختيارات التشريعية المؤطرة للمهنة. وفي هذا الإطار، يبرز مشروع قانون مهنة المحاماة كأحد أهم تمظهرات التوتر بين القيم المعلنة والحلول الممكنة. وهو ما أُشير إليه بشكل مباشر خلال “الإفطار-المناقشة”، حيث عبّر المؤطرون – خاصة الأساتذة والنقباء – عن موقف واضح مفاده أن المشروع، في صيغته الحالية، يهدد استقلالية المهنة، ويخالف المعايير الدولية، ولا يعكس تعقيد الواقع المهني، بما قد يقيد دور المحامي في حماية الحقوق وضمان العدالة. ومن ثمّ، يتبين أن النقاش حول النصوص القانونية لا ينفصل عن النقاش حول الواقع المهني، بل يشكلان معًا وجهين لعملة واحدة.

من نافلة القول إن قوة المحاماة لا تكمن في تطابق الآراء، بل في قدرتها على احتضان الاختلاف وتحويله إلى مصدر غنى. فالمهنة التي تُدار بمنطق الإقصاء الرمزي لكل رأي مغاير تفقد تدريجيًا حيويتها، ويتحول النقاش فيها إلى صدى باهت لما كان ينبغي أن يكون حوارًا حيًا. لذلك، لا يكفي فتح النقاش، بل يجب أيضًا حمايته من الانزلاق نحو الغوغائية، والارتقاء به إلى مستوى التشخيص الدقيق؛ إذ إن القيم، مهما سمت، لا تصمد طويلًا إذا لم تجد ما يسندها في الواقع.

حريّ بنا، إذن، أن نفتح النقاش بهدوء، وأن نطرح السؤال الجوهري: لماذا يقف جيل كامل من المحامين الشباب، محمّلًا بالمعرفة والطموح، لكنه يصطدم بسوق غير متكافئ، حيث لا تُوزّع الفرص دائمًا وفق الاستحقاق، بل وفق شبكة مركبة من الإمكانيات والعلاقات؟ هنا ينتقل النقاش من الكفاءة الفردية إلى سؤال أوسع: «في أي شروط تمارس كفاءتك؟»، ليصبح التحدي ليس مجرد تقييم القدرات، بل فهم البيئة التي تُمارس فيها. وهذا يقودنا إلى ضرورة الجرأة في مواجهة الواقع دون تبسيط مريح، لأن أي تشخيص سطحي سينتج حلولًا شكلية لا تعالج جوهر الأزمة.

ربما كان “الإفطار-المناقشة”، في بساطته، اجتهادًا موفقًا للدفع بهذا الوعي، خاصة وأن النقاش تحرر من المجاملة، بما يتيح اعتباره مدخلًا نحو الفعل. ليس لأنه قدّم حلولًا جاهزة، بل لأنه أعاد طرح الأسئلة الصحيحة، وفتح الباب أمام عمق قد يحمي النقاش المستقبلي حول المهنة من السطحية والانزلاق إلى براثين الشعبوية. ومن هنا، تبرز ضرورة تحلي كل محامٍ ومحامية بالنضج في اختياراته واختياراتها، خصوصًا في الاستحقاقات الانتخابية، حيث تتحدد قيادة المهنة ومسارها، ويُصاغ مستقبلها وفق رؤية متوازنة تجمع بين الالتزام بالقيم والقدرة على مواجهة تحديات الواقع.

وأخيرًا، إن أخطر ما يهدد المهنة ليس غياب الوعي، بل الاكتفاء به: أن نعرف مكامن الخلل ونتحدث عنها بإتقان، دون أن يُستتبع ذلك بفعل إصلاحي حقيقي. حينها يتحول الوعي إلى شكل من أشكال التعطيل. أما دون ذلك، فسنظل نحسن القول… ونؤجل الفعل.

 

الدكتور أحمد حموش
المنسق المحلي لقطاع المحامين الإتحاديين بالدارالبيضاء