خالد أخازي: إفلاس "المنقذ الأبيض".. حين تبرز "عورة" الكاميرا في أزقة مراكش ويسحلها القانون المغربي

خالد أخازي: إفلاس "المنقذ الأبيض".. حين تبرز "عورة" الكاميرا في أزقة مراكش ويسحلها القانون المغربي خالد أخازي

عليك أن تعلم وأنت تحط الرحال في مراكش، من أي بقعة في الأرض أتيت، أنك في المدينة التي تتنفس كبرياء التاريخ، وبهاء الأرواح الشفافة، أنك في المدينة التي نهضت من بوح الأرض وصمود التاريخ، أنك لا تمشي في الأزقة وحدك، بل متابع بعيون غير فضولية لكنها تحرس "القيم المغربية".
هنا، في هذه الدروب الضيقة حيث الظل والضوء يصنعان كيمياء السحر في خليط من روائح وألوان تعبر التاريخ، شيد المغاربة عبر القرون ميثاقا أخلاقيا غير مكتوب يسمى "الستر". المساعدة في هذا العرف ليست "لقطة" تقتنص، بل هي سر يودع في يد المحتاج كما يودع السر في البئر.
لكن، أحدهم اقتحم هذا الهدوء الصوفي بـ "غزو بصري" يحمل ملامح بريطانية وكاميرا احترافية، مواطن أجنبي أراد أن يجعل من "الفقر" مادة خام لصناعة "رأسمال رمزي" على منصات التواصل. لم تكن المأساة في العطاء والسخاء، ولا في الطعام الذي وزعه، بل في "الثمن البصري" الذي انتزعه من أطفال لا يملكون ترف الرفض أمام سطوة الكاميرا.
هنا، تبدأ قصة التحقيق في واقعة لم تكن مجرد خرق قانوني، بل كانت صداما بين "عولمة الإحسان المزيف" و"سيادة الكرامة".
مسرح الواقعة.. حين تنطق "الأزقة" بالرفض
بدأت فصول النازلة في دروب المدينة العتيقة، حيث استغل السائح إن جاز هذا التعبير عوز بعض الأسر ليحول أزقتهم إلى "أستوديو" تصوير مفتوح. لم يكتف بالتوثيق، بل عمد إلى توظيف الأطفال القاصرين في مشاهد "درامية" تظهر العوز بشكل فج، ليتم بثها لاحقا في فضاء رقمي عالمي يجهل سياق الكرامة المغربية.
الشرارة انطلقت من "وعي المواطنة" بـ "مسرحة" العطاء، وتحول العملية إلى سكريبت درامي، يخفي قساوة الهدف، في جلباب النوايا المزيفة، لكن أهل مراكش لم يتقبلوا تحويل أطفالهم إلى "محتوى" للاستهلاك العالمي.
فتناسلت التبليغات التي تلقتها مصالح ولاية أمن مراكش التي لم تكن تحريضا، بل كانت استغاثة لحماية "الوجه المغربي". تدخلت المديرية العامة للأمن الوطني بيقظة قانونية، باشرت من خلالها مسطرة "البحث القضائي" التي تقتضيها مثل هذه النوازل، واضعة اليد على الأجهزة الرقمية لتشريح محتواها والتأكد من مدى مساسه بالحياة الخاصة وحقوق القاصرين.
التشريح القانوني.. السيادة فوق "التريند"
بينما كان الإعلام البريطاني، وعلى رأسه صحيفة "Daily Mail"، ينسج قصصا خيالية عن "الاعتقال التعسفي" واختفاء المواطن البريطاني، كانت المساطر القضائية المغربية تنفذ ببرود المؤسسات الواثقة. وكان الرد الرسمي على مغالطة "الاعتقال"، ارتباطا بالواقعة القانونية المسجلة، الذي نفى بشكل قاطع أي سلب للحرية خارج إطار القانون. فالمعني بالأمر خضع لاستنطاق تمهيدي، وتمت مراجعة محتوياته الرقمية من طرف مختصين في الجرائم المعلوماتية، وقدم أمام النيابة العامة التي قررت متابعته في حالة سراح. هذا الإجراء بحد ذاته هو أقصى درجات احترام الضمانات القانونية، فالدولة لم تنتقم، بل فعلت آليات التحقق.
وعلاقة بالحماية الجنائية للقاصرين، فالقانون المغربي ينص وتحديدا في مقتضيات القانون الجنائي وقانون الصحافة والنشر، وكذا القانون المتعلق بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، على منع تصوير أو نشر صور القاصرين دون إذن صريح ومكتوب من أولياء أمورهم. هذه ليست "عقبة" أمام الخير، بل هي "درع" يمنع تحويل الأطفال إلى سلع بصرية أو تعريضهم لـ "الوصم الاجتماعي" المستدام الذي تخلفه فيديوهات الفقر على الإنترنت.
سيكولوجية "الإحسان الاستعراضي"
تعيش البشرية اليوم في عصر "اقتصاد شد الانتباه"، حيث يصبح الألم الإنساني مادة للجذب السياحي والرقمي. ما قام به المواطن البريطاني يصنف سيكولوجيا ضمن "عقدة المنقذ الأبيض"، التي ترى في المجتمعات النامية مجرد خلفيات لتلميع صورته الشخصية.
تخيلوا لو قام مواطن مغربي بتصوير أطفال في أحياء فقيرة في "لندن" أو "مانشستر" دون إذن وبث صورهم كرموز للعوز، ماذا كان سيقع؟ طبعا ستتحرك منظمات حماية الطفولة البريطانية والشرطة فورا بتهمة انتهاك الخصوصية والتحرش البصري بالقاصرين. لماذا يراد للمغرب أن يكون "استثناء"؟ السيادة القانونية المغربية ترفض هذه "الازدواجية" في المعايير، فالطفل في أزقة مراكش يتمتع بذات الحصانة القانونية التي يتمتع بها الطفل في "أوكسفورد ستريت".
سوسيولوجيا الستر.. لماذا يرفض المغرب "الفضيحة الرقمية"؟
لفهم رد الفعل المغربي، يجب الغوص في البنية الاجتماعية. المجتمع المغربي مبني على "العصبية الإيجابية" وحماية العرض والستر. فالصدقة في الثقافة المغربية هي فعل صامت، "صدقة السر" تحتل المرتبة العليا. ولا ننسى المكانة الاعتبارية للزقاق، فالزقاق في المغرب ليس مجرد ممر، بل هو امتداد للبيت. من يصور في الزقاق كأنه يصور داخل ردهة المنزل.
فحين تتحول المساعدة إلى "محتوى"، تنتهك هذه القيم. التدخل الأمني يصبح تدخلا "ثقافيا" بامتياز لحماية هوية مجتمع يرفض أن يختزل في "لقطة عوز" تستجدي "اللايكات" الأجنبية.
السيادة الرقمية وتحديات الإعلام المضلل
لقد سقط الإعلام الأجنبي في فخ "المركزية الغربية"، حيث سارع لتبني رواية صانع المحتوى دون العودة للبيانات الرسمية للمديرية العامة للأمن الوطني. وتجلى هذا في مسخ الحقيقة، وبادعاء "المنع من الاتصال" وهي كذبة كبرى فندتها محاضر البحث التي تثبت تمتع المعني بالأمر بكافة حقوقه، بما فيها الاتصال بقنصلية بلاده وذويه.
السيادة في عصر "الخوارزميات"
لقد أثبت المغرب أن لديه القدرة على مواجهة "الديكتاتورية الرقمية"، فلا شهرة الشخص ولا عدد متابعيه تمنحه "حصانة" لخرق قوانين الدولة الوطنية. السيادة القانونية لا تتجزأ، وهي تمارس على التراب المادي والافتراضي معا.
دروس في الدبلوماسية الشعبية والقانونية
المغرب بلد يرحب بالسياح، ويستثمر الملايير لضمان أمنهم واستمتاعهم بجمال أزقته. لكن الضيافة المغربية "مشروطة" بالاحترام المتبادل. فالضيف ملك ما دام يحترم "حرمة الدار"، والسيادة فوق المجاملة ولا يمكن التغاضي عن خرق قانوني يمس الأطفال من أجل إرضاء صحيفة أجنبية. ولا ننسى أن المؤسسات هي الفيصل، فالقضاء يكرس صورة المغرب كدولة قانون ومؤسسات، وليس دولة "ردود أفعال" عشوائية.
وما صخب المنصات الرقمية إلا زبد يذهب جفاء، وما ينفع الناس من صون لكرامتهم وحماية لخصوصيتهم هو ما يمكث في الأرض. واقعة المواطن البريطاني لم تكن محاكمة لـ "العمل الإنساني"، بل كانت وقفة حازمة ضد "التوحش الرقمي" الذي يريد استباحة كل شيء.
المغرب، بهذا الموقف الصارم والرزين، وجه رسالة للعالم: "أهلا بكم في أزقتنا ضيوفا وسياحا وعشاقا للجمال، ولكن تذكروا أن خلف كل باب وفي كل زقاق، هناك كرامة مغربية يحرسها القانون، وستر يرفض أن يباع في مزاد الشاشات".
أزقة مراكش لن تكف عن الفيض شبه الصوفي بعبق التاريخ، لكن سيادة الدولة المغربية هي الضمانة الأسمى ليبقى هذا العبق مصونا من دنس الاستغلال. فالحقيقة هنا ليست "لقطة" كاميرا، بل هي شموخ وطن لا يبيع ستره أبدا.

 

 خالد أخازي، كاتب وإعلامي