محمد اصريدي: الدبلوماسية السياسية والرياضية المغربية.. آفاق ومآلات

محمد اصريدي: الدبلوماسية السياسية والرياضية المغربية.. آفاق ومآلات محمد اصريدي

في زمن تتداخل فيه خيوط السياسة بالرياضة، لم يعد ممكناً النظر إلى الانتصارات الدبلوماسية أو الإخفاقات الرياضية بمعزل عن بعضمها البعض، بل أضحت كل منهما مرآة تعكس الأخرى، وتؤثر فيها بشكل مباشر أو غير مباشر... والمغرب، في هذا السياق ، يقدم نموذجاً لافتاً لدولة استطاعت أن توظف أدواتها السياسية والرياضية في معركة واحدة عنوانها تثبيت المكانة وتعزيز الحضور على الساحة الدولية.

 

فعلى المستوى السياسي مثلا ، شهدت الأشهر الأخيرة تحولات لافتة في ملف الصحراء المغربية ، خاصة عقب صدور القرار الأممي رقم 2797 أواخر شهر أكتوبر ، والذي كرّس مبادرة الحكم الذاتي كحل “أكثر واقعية ومصداقية”. ولم يكن هذا القرار مجرد موقف عابر ، بل جاء تتويجاً لمسار دبلوماسي طويل راكم فيه المغرب دعماً متزايداً من قوى دولية وازنة، في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، اللتان باتتا تنظران إلى المقترح المغربي كأرضية عملية لإنهاء النزاع ...

 

وقد تجلت دينامية هذا المسار في التحركات التي قادها وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي، ناصر بوريطة، إلى جانب السفير الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة، عمر هلال ، حيث عملا على توسيع دائرة التأييد الدولي، مستندين إلى خطاب واقعي ومقاربة تقوم على الحلول الممكنة بدل الشعارات التي طالما روجت لها جبهةالبوليساريو وداعموها أعداء الوحدة الترابية للمغرب . كما أن الدور الذي لعبه الرئيس الأمريكي السيد دونالد ترامب، من خلال الدفع داخل دوائر القرار الأمريكية نحو تبني المبادرة المغربية، عكس تحوّلاً ملموساً في موازين التعاطي الدولي مع القضية الموروثة أصلا عن بقايا الاستعمار ومخلفات صراع المعسكرين الشرقي والغربي.

 

وفي سياق موازٍ ، شكلت اللقاءات غير الرسمية ، سواء في مدريد أو واشنطن ، لحظات مفصلية في تعميق النقاش حول المقترح المغربي ، الذي قُدم في صيغة متكاملة تمتد على أربعين صفحة ، ما يعكس جدية الطرح المغربي ورغبته في تقديم حل نهائي واقعي ومستدام تحت السيادة المغربية بعيدا عن فتاوى الاستفتاء والأوهام.

 

غير أن هذا الزخم السياسي لم يبقَ حبيس أروقة المؤسسات الدولية ، بل وجد امتداده الطبيعي في المجال الرياضي، حيث برزت الدبلوماسية الرياضية كأداة فعالة لتعزيز الحضور المغربي قارياً ودولياً... فالرياضة ، في السياق المعاصر لم تعد مجرد تنافس ميداني ، بل أصبحت فضاءً موازياً لتكريس الاعتراف وبناء النفوذ والإشعاع الدوليين...

 

وفي هذا الإطار، شكّلت قضية أحداث كأس إفريقيا 2025 التي أقيمت بالمغرب والتي عرفت تجاوزات واختلالات غير مسبوقة ، محطة بارزة في هذا التداخل، حيث نجحت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ، عبر مسار قانوني دقيق وهادئ ، في استعادة الاعتبار للكرة المغربية. فقد جاء قرار لجنة الاستئناف التابعة للاتحاد الإفريقي لكرة القدم  مستنداً إلى مقتضيات قانونية واضحة، خاصة المادتين 82 و84 ، اللتين تؤطران سلامة الإجراءات وضمانات البت العادل في النزاعات ، ليقضي بإرجاع اللقب القاري من السنغال إلى المغرب. وهو ما يعكس قوة الحجة القانونية المغربية، ويبرز في الآن ذاته فعالية الدبلوماسية الرياضية التي واكبت هذا المسار بكفاءة عالية سيما منذ تولي السيد فوزي لقجع قيادتها.

 

إن هذا التوازي بين القرار الأممي 2797 على المستوى السياسي ، وقرار لجنة الاستئناف على المستوى الرياضي، يكشف عن خيط ناظم في الاستراتيجية المغربية ، يقوم على توظيف القانون الدولي والمؤسساتي كأداة لإثبات الحقوق وترسيخ المكتسبات في جو من الحنكة والهدوء ، وهو ما يميز الدبلوماسية المغربية بصفة عامة بعيدا عن ضجيج الإعلام وقنوات همها الوحيد تنويم شعوبها بخطابات المؤامرة والأوهام.

 

وفي ختام هذا التداخل اللافت بين ماهو سياسي ورياضي ، لا يمكن إغفال الجذور العميقة لهذه الدينامية ، والتي تمتد إلى السياسة الرشيدة التي أرساها جلالة الملك محمد السادس نصره الله ، والتي وضعت أسس توازن دقيق بين قوة الدولة وحضورها الرمزي في مختلف المجالات، بما فيها الرياضة كرافعة للنفوذ الناعم . وقد سار على هذا النهج بتوجيه من جلالته جيل ذو كفاءة من رجالات الدولة ، ممن يجسدون صرامة الدبلوماسية ونجاعة التدبير ، وفي مقدمتهم السيد وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي ناصر بوريطة على المستوى الدبلوماسي ، وكذا السيد فوزي لقجع رئيس الجامعة المغربية لكرةالقدم ، الذي نجح في تعزيز موقع المغرب داخل المنظومة الكروية القارية والدولية.

 

إن ما يحققه المغرب اليوم ليس وليد الصدفة ، بل هو نتيجة رؤية متكاملة تجعل من السياسة والرياضة أداتين متكاملتين لخدمة المصالح العليا للدولة . وبهذه المقاربة ، لا يكتفي المغرب بتعزيز موقعه ، بل يمضي بثبات نحو الإسهام في تصحيح اختلالات كبرى داخل مؤسسات إقليمية، وعلى رأسها الاتحاد الإفريقي، في أفق تخليق ممارساته والحد من مظاهر الفساد التي ظلت تعيق فعاليته لسنوات . وهكذا يواصل المغرب ترسيخ حضوره كقوة إقليمية صاعدة وناعمة ، قادرة على التأثير والإصلاح إن كان على المستوى القاري أو الدولي لما يتميز به من حنكة وحكمة تستمر جذورها من طبيعة وعراقة وجوده كنظام وحضارة متجدرين في الكينونة والتاريخ.