محمود التكني: فوضى الفتاوى وسداد تسديد التبليغ

محمود التكني: فوضى الفتاوى وسداد تسديد التبليغ محمود التكني

فوضى الفتاوى هي حالة من الاضطراب الديني والاجتماعي ناتجة عن تصدي غير المؤهلين والمختصين للإفتاء، مما أدى إلى انتشار فتاوى شاذة ومتطرفة عبر وسائط التواصل الاجتماعي، وقد سببت هذه الظاهرة زعزعة وبلبلة لدى الرأي العام وتشويها لصورة الإسلام السمحة، وهذا ما استدعى دعوات لتقنين الحقل الديني عبر تفعيل المؤسسات الرسمية وفرض ميثاق شرف.
ولقد زاد الأمر خطورة مع ظهور الذكاء الاصطناعي، ورحلة العلم الطويلة التي لا يبث فيها إلا من حمل زادا من التقوى والعلم. فالمعرفة لم تعد تقف عند العلوم الشرعية التقليدية في ظل الثورة الرقمية والتكنولوجيا المتسارعة التي مرت بمراحل متعددة وصولا إلى الذكاء الاصطناعي المحدود، وتشير التوقعات إلى الانتقال مستقبلا إلى الذكاء فائق القدرات وذلك بحلول سنة 2050 حسب تقارير صادرة عن مجلة الإيكونيميست البريطانية، حيث سيقبل العالم على تغير السقف المعرفي للبشرية، لا سيما العلوم التجريبية والطبيعية حيث لم تعد المعرفة البشرية ثابتة كما كان سالفا.
إلا أن العلوم الشرعية في أصولها ثابتة، غير أن تنزيلها على الواقع متجدد. فالفتوى في جوهرها تطبيق للمعرفة الشرعية على الواقع المتغير، مما يستدعي من المفتي المؤهل فهما عميقا للواقع ومواكبة دقيقة للمستجدات. وقد أدت فوضى الفتاوى في العصر الرقمي إلى كثرة المتصدرين وتضارب الأقوال مع غياب المرجعية، مما أدى إلى تحول الفتوى إلى محتوى قابل للتداول والاستهلاك مثل أي مادة ترفيهية.
ويشكل التحول الرقمي فرصة عظيمة لنشر العلم الصحيح، لكنه إذا انفلت من الضوابط انقلب إلى تهديد ديني واجتماعي وسياسي يهدد حتى الفتوى وإن كانت علما له قواعده وضوابطه. والفوضى الرقمية في نظرنا لها أسباب تتكون من ثلاثة عناصر مترابطة وهي المتصدر والمنصة ثم المتلقي، إلا أن الأخير هو العلة الرئيسية في الفوضى في غياب الأهلية وغياب الرقابة العلمية والمؤسسية إضافة إلى الفردانية في الإفتاء.
والأخطر هو بعض المنصات الرقمية التي تعتمد على خوارزميات تنشئ هويات افتراضية مجهولة تنشر فتاوى خطيرة بلا مساءلة، وخوارزميات أخرى تشجع المحتوى الصادم والمتطرف. أما المتلقي فهو المسؤول عن التفاعل الواعي، إذ تؤثر أنماط التفاعل على انتشار المحتوى مما يخلق ثقافة التجزئة في فهم الدين في غياب التمييز بين الفتوى والاجتهاد.
أما عن سبل علاج هذه الآفة الناتجة عن وسائل التواصل الاجتماعي فيمكن تلخيصها في تقنين الفتوى ومواجهة الفتاوى الشاذة ورفع الوعي، وأخيرا حصر الفتوى في الجهات المؤهلة المختصة.
وانطلاقا من هذه الفوضى وتداعياتها الخطيرة على الفرد والمجتمع، وحفاظا عليهما أطلقت كل من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والمجلس العلمي الأعلى بالبلاد خطة جديدة وذلك يوم الخامس من شهر يونيو لسنة 2024، تهدف إلى تحسين الحياة اليومية للناس وجعل الأثر الطيب للدين ينعكس على إيمانهم وعباداتهم وتصرفاتهم في أفق تقليص الهوة الفاصلة بين فضائل الدين وبين أعمال كثير من الناس البعيدة عن تلك الفضائل. أطلق على هذه الخطة اسم “خطة تسديد التبليغ”.
وفي هذا السياق سعت المؤسسة العلمية إلى جعل مرحلة العمل بهذه الخطة على رأس أولوياتها، حيث يتوخى من خلالها الإسهام في الارتقاء بالخلق الجماعي للناس وتحسين ظروفهم في الحياة من خلال الاستثمار الأمثل في قيم وأخلاق الدين في شمولها وتأطيرها لمضامين الحياة المختلفة.
وقد ارتكز سياق هذه الخطة على أمور عدة نذكر منها:

1- استحضار الفرق بين الدين والتدين:
فالدين لا يعمل بنفسه في الحياة ولا يسهم في تقويمها وترشيدها إلا بالتدين الذي هو الجهد والسعي والكدح والعمل الدؤوب، مصداقا لقوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ" (سورة الانشقاق الآية 6).

2- تخليق الدين للحياة:
حيث إن معيار الصلاح والفلاح والاستقامة في الدنيا هو التخلق بالخلق الحسن، وكذلك هو معيار الفلاح والقرب في الآخرة. وقد كان طلب الأخلاق والفضائل منذ أزمنة غابرة، ومطلب تخليق الحياة حديثا غاية الإنسانية الكبرى التي تنشرها النظم الفلسفية والاجتماعية والسياسية.

3- مفهوم شمول التعبد:
يأتي مفهوم التعبد لتجاوز الفهم الضيق الذي يحصر نطاق التعبد لله سبحانه وتعالى في إقامة ظاهر بعض الشعائر والتردد على المساجد وحده، ظنا من المتدين أن باقي أنشطته اليومية ليست مشمولة بالتعبد، في حين أن الإيمان يقترن بصالح الأعمال.

4- وصل الإيمان بثمرته في العمل الصالح:
يقوم كثير من الناس على فصل الإيمان عن الأعمال، في حين أن الوازع في الأعمال وتحري الصواب والاستقامة إنما هو الإيمان نفسه، فالعمل الصالح كماله في الإيمان وثمرته اللصيقة به.

5- وصل العبادات بثمراتها في تجنب المعاصي والمنكرات:
كما ربط الله تعالى الإيمان بالعمل الصالح فإن الإيمان كذلك قرن بالتجنب والنهي عن المعاصي والمنكرات كما تؤكده التوجيهات الربانية، على اعتبار الصلاة أساس الدين والإيمان حيث إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.

6- الدين للحياة الدنيا قبل الحياة الآخرة:
هناك توهم يسيطر على بعض الناس في كون الدين الإسلامي جاء للفلاح الأخروي فقط، في حين نجد أن الدين حريص على تحقيق السعادة في الدنيا قبل الآخرة حين أمرنا بالتمتع بزينة الحياة الدنيا والطيبات من الرزق فيها.

7- تسديد التبليغ والشأن العام:
فالإسلام وسط بين اعتبار الفرد واعتبار الجماعة، ويقتضي منطقه في هذا الباب أن الفرد يؤثر على الجماعة وأن الجماعة تؤثر على الفرد في باب التدين ومن ثم في الحياة كلها، وهذا ما دلت عليه تجارب الإنسانية.
وبصدد البعد الاجتماعي فإن القرآن الكريم في آيات كثيرة منه يوجه إلى بناء الحياة على أسس وقواعد أخلاقية، نذكر منها: التواصي بالحق والصبر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على البر والتقوى، والأمر بالشورى بين الناس، والوفاء بالعهود والمواثيق، والأمر بالعدل والمساواة بين الناس دون تمييز، واعتبار التقوى الفارق الفاصل بين بني البشر.
فمن واجب المبلغين أن يشخصوا الحال في هذه المستويات لتقويم تدين المسلمين أفرادا وأمة وجماعات.
ختاما يمكن اعتبار مشروع تسديد التبليغ قيمة مضافة تسعى إلى تنظيم المشهد الديني وحماية الأمن الروحي للمغاربة من الغلو والتطرف، في ظل ترامي غير المؤهلين على الاجتهاد والإفتاء، وذلك لغلق الأبواب أمام الأصوات النشاز التي وجدت في مواقع التواصل الاجتماعي فضاء مشرعا بدون رقيب ولا حسيب، خصوصا وأن المتلقي المسلم بفطرته الدينية البسيطة ليس دائما مؤهلا للتمييز بين القضايا الملتبسة التي تمطره بها مختلف القنوات.
ويأتي مشروع تسديد التبليغ ليضيف لبنة جديدة إلى مشروع تحصين الدين الإسلامي من أي شوائب يمكن أن تؤدي إلى الفتن التي تتربص بالمجتمعات الإسلامية، ومن هنا ضرورة التشبث بقيمة الوسطية والاعتدال بشكل يجعل من الدين الموجه والمؤطر الأساسي لسلوك المسلم حتى يصدر في جميع سلوكياته عن دين سليم وسطي بعيد عن التعصب والتطرف.